وهنا نوجّه نصيحة لأولئك الذين لا يفكرون فيما يقرؤون ، الذين يقرؤون ولا يُسجّلون ، فتكون مهمتهم نقل ما في السطور إلى الصدور ، دون أن يتركوا شيئًا من بصماتهم عليه ، إنَّ القراءة لا تصنع مفكّرًا عظيمًا ، وليست هي البديل عن الفكر ، وكما يقول"جون لوك": إن القراءة لا تُمدّ العقل إلا بمواد المعرفة ، لكن التفكير هو الذي يجعل ما نقرؤه ملكًا لنا . ومن المتفق عليه: أنه لا بد من تخصيص وقت للقراءة ووقت للتفكير ، ويمكن أن تُغلّب القراءة في البداية ، حتى نهيئ لعقولنا المادة التي ستقوم بتشكيلها ، فإذا ما شعر المرء أنه صار يملك منهجًا معرفيًّا ورؤية واقعية ومستقلة ، أمكنه أن يخصّص أكثر وقته للتفكير ، وسيكون ذلك أجدى من كثرة القراءة .
ومن أهم ما نحسّن به تفكيرنا: اختيارنا للتفكير الأوقات المناسبة ، وأنسب الأوقات هي أوقات البكور ، حيث يكون الدماغ قد أخذ حاجته من الراحة أثناء النوم ، ولنجتنب التفكير في أوقات النعاس ، فإنه يُؤدي إلى اختلاط التفكير بالخيال ، ولنجتنب التفكير أثناء الشعور بالآم بدنية ، فإنه أقل كفاءة .
وإذا وقف الفكر ووجم عند عقبة كالسدّ المنيع ، فالأفضل أن نترك التفكير لاختمار المعلومات .
وحين نفعل ذلك ، فإنا نفكر تفكيرًا مركزًا ، نتناول مشكلة أو هدفًا باستمرار ، ونضعه نصب أعيننا ، فهو انتباه طويل ، ومن الأفضل أن ندون الأفكار التي نعثر عليها أو تخطر لنا حول ما نفكر فيه ، وذلك حتى نبقي على مسارات تفكيرنا الأصلي ، حتى لا نبدأ باتجاه وننتهي باتجاه آخر .
وفي إطار ممارسة التفكير لحل مشكلةٍ أو اختيار موضوع للبحث ، يحتاج إلى بعض الوصايا والإجراءات التالية ، ومنها:
1-الصبر والتؤدة ، فالعقبات كثيرة وشاقة .
2-القناعة بجدوى المشكلة أو الموضوع التي نتدارسها ، وما التشتت العقلي والتباطؤ في العمل إلا ثمرة من ثمار عدم القناعة .
3-معرفتنا بالأساليب التي أُتبعت عند الآخرين في معالجة المشكلة ، أو دراسة الموضوع ، حيث تصبح المسألة أكثر إضاءة ، وتنظيم المعلومات في الحاسب الآلي اليوم: أتاح لنا بصورة مدهشة الاطلاع على الآراء السابقة .
4-البدء بالجذور قبل الفروع ، فقد يكون حل المشكلة القائمة متوقفًا على حل مشكلة أخرى ، فإذا أردنا أن نحل مشكلة كساد سوق الحوار والنقد البنّاء ، وجب علينا أن نحل مشكلة الحرية ، وأن نبحث في المفاهيم الخاطئة التي تجعل من نقد الأفكار نقدًا لصاحبها ، مما يجعل المرء يبتعد عن النقد حرصًا على التماسك الاجتماعي والأسري .
5-علينا ألا نخضع لكل ما يُقال ، فقد تكون تلك الآراء خاطئة ، وإنما نخضعه للدرس والتمحيص .
6-ينبغي التحلي بفضيلة المرونة الذهنية ، وتُعدّ المرونة والطلاقة والأصالة والقدرة على تفصيل المجملات وإكمال النواقص: الأركان الأساسية للتفكير المبدع ، وهكذا ، فقد يكون أفضل نصر لقائد معركة هو الانسحاب بقواته سالمة ، وقد يكون الحل الأمثل هو التضحية بجزء من الجيش لحماية الباقي .
7-إذا كانت المشكلة تتطلب تفكيرًا جماعيًا ، فلا بد أن تكون القناعة بأهمية المشكلة متجانسة أو متقاربة ، وهكذا إلمامهم بها ، وهكذا المفكرون متقاربون في مستواهم الفكري والثقافي ، وإذا اختل شيء من هذه: كان التفكير فرديًّا أكثر كفاءة وجدوى .
كل ما سبق أن تحدثنا عنه مما يساعد في تحسين التفكير بوجه عام ، ويساعد في بناء خلفية ثقافية جيدة ، تكون عونًا للمرء على التصور الصحيح للمشكلات ، وإيجاد الحلول المناسبة لها ، والوصول إلى حكم ناضج أو رأي سديد .
ولا يُشترط أن يُتوصَّل إلى حل دائمًا ، فمجرد الوقوف على جذور المشكلة ، أو إعادة صياغتها ، أو إسقاط بعض الفرضيات القائمة في حلها ، أو طرح فرضيات جديدة لحلها ، أو تقسيمها إلى أجزاء رئيسة وأخرى ثانوية ، أو إيجاد وظائف جديدة لمبدأ من المبادئ ، أو قيمة من القيم ، أو إيجاد أدوات جديدة لها لم تكن من قبل تُعدّ من قبيل الحلول الناجحة بمعيار ما ؛ ومهما يكن من أمر ، فإن الأناة في إصدار الحكم والصياغة الدقيقة له ، أمرٌ في غاية الأهمية .
"فصول في التفكير الموضوعي"لعبد الكريم بكار ص (27-40) ،"مجلة البيان"عدد (82) ص (97) .
صفات التفكير العلمي:
يمكن أن نوجز أهم صفات التفكير العلمي فيما يلي:
1-هو نشاط مقصود ، وليس نشاطًا تلقائيًا ، فهو يستهدف حل المشكلات التي تعترض طريق الإنسان ، كما يستهدف دراسة الظواهر المختلفة وفهمها ، من أجل تفسيرها واستنباط القوانين والنظريات التي تحكمها .
2-هو نشاط منظّم ، وليس نشاطًا مفككًا ، ومعنى التنظيم هنا هو عدم ترك الأفكار تسير حرة طليقة ، وحين يمتلك المرء خطوطًا واضحة يعالج من خلالها الظواهر المختلفة ، يُقال إنه امتلك منهجًا علميًّا .
3-الدقة والضبط ، ويتجلى ذلك في العبارات التي يُصاغ فيها ذلك التفكير ، وفي ملاحظة الموقف من جميع نواحيه ودراسة سائر احتمالاته والظروف التي تُؤثر فيه .
4-البحث عن الأسباب ، إن معرفة الأسباب تُمثِّل مفتاح الحل ، فالظواهر الطبيعية أو الاجتماعية لا تحدث بدون أسباب ، وإذا اكتشفنا العلاقة التي تربط النتائج بالأسباب فقد توصلنا إلى قانون علمي ، نسلم به لحل أية مشكلة .
5-التراكم ، ونعني بذلك: الاعتبار بتجارب السابقين وخبراتهم ، حتى نفهم علل تقدمهم وتأخرهم ، فنضيف كل ذلك إلى خبراتنا ، حتى نكون أقرب إلى الكمال في تصوراتنا وحل مشاكلنا ، والقصص القرآني في مجمله يستهدف إحداث التراكمية لدينا ، كما يفعل ذلك القصص في الحديث النبوي ، فهما يحكيان لنا قصص الأنبياء مع أقوامهم في مسارات الهداية وبيان عاقبة كل منهم ، ويأمرنا القرآن الكريم بالاعتبار { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } الحشر2
6-الشمول ، بحيث لا يمكن تأطير المسألة في زمان أو مكان محددّ ، والعلم لا يكون علمًا حتى يكون عالميًّا ، وما لم يكن كذلك ، فهو ظنون أو أوهام .
7-اليقين ، فالمعتبر هو الذي يرتكز على أدلة منطقية مقنعة لأي عقل ، والمقصود أن البرهان العلمي يُقنع كل من يستطيع فهمه في ضوء حالة العلم في عصر معين ، وإن سيطرة الأهواء على كيفية استخلاص النتائج والأحكام ضعف في الإخلاص والنزاهة .
"فصول في التفكير الموضوعي"لعبد الكريم بكار ص (41-44) .
أخطار تهدّد التفكير:
من أخطر العوامل المؤثرة سلبًا على طريقة التفكير والتحليل: بناء المعارف العلمية على العادة والأعراف التي ينشأ عليها الإنسان ، فهو يعتقد صحة المسألة لكثرة تكرارها وتداولها في بيئته التي نشأ فيها ، وليس على التفكير والتدبر ؛ وبعض الموروثات الاجتماعية أو الفكرية أو الدعوية قد تكون صحيحة لا غبار عليها ، لكنها تكتسب صحتها عند قوم ، لأن الدليل الشرعي قد دل عليها ، وعند آخرين صحيحة أيضًا ، لأنها موروثات ألفوها وأخذوها عن آبائهم وأشياخهم ؛ وشتان بين المنهجين !
وكثيرًا ما نعتقد صحة فكرةٍ ما من الأفكار ، وتصبح لدينا مسلّمة من المسلّمات لا تقبل المناقشة ، حتى إذا خرجنا إلى بيئة أخرى واطّلعنا على معارف جديدة واكتسبنا خبرات إضافية: تبين لنا بطلان ما كنا نُؤمن به ، وقديمًا كان يقال:"لا يعرف الإنسان خطأ شيخه حتى يجلس عند شيوخ آخرين".
إنَّ الشعور بالسلامة المطلقة للبيئة التي يعيش فيها الإنسان ، واعتقاده بكمالها وخلوها من الأمراض ، يقوده إلى التبعية وحبس العقل عن التدبر والتأمل ، وسوف يُؤدي ذلك إلى الضمور والتآكل .