6-حتى نستعيد الأمجاد ، حينما تصاب أمة بدمار شديد أو زلزال ماحق ، فإنه يبقى لها بعد انهيار بنيانها شيئان ، مبادئها السامية الكافية في شخصيتها الاجتماعية ، وأفكارها وخبراتها التاريخية والحضارية ، وهي تستطيع من خلالها استعادة كل ما فقدته عندما تتوفر إرادة تجاوز المحنة ، فقد دمَّرت الحرب كل شيء في ألمانيا ، ولم يبق لديها إلا مخزون الأفكار وعزيمة الانتصار ، فتمكنت من إعادة بناء مصانعها على ضوء الشموع بعد اندحار الهتلرية ، وهكذا فإن أمة كأمتنا تستطيع بتوفيق الله تعالى أن تنجز الكثير ، وتستعيد الكثير ، إذا ما استطاعت صياغة أفكارها من جديد ، وتلمّس سبل النجاة والفلاح .
7-حتى تكون قيمُنا عملية واقعية ، ومن أهم المبادئ الإسلامية مثلًا الشورى ، وقد كان بالإمكان الاعتماد على الشورى العفوية ، المعتمدة على معرفة الخليفة بأهل الحل والعقد ن لأن المجتمع آنذاك ضيّق الرقعة ، وحين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وتعقّدت مصالح الناس ، كان لا بد من تطوير الصيغ الشورية بما يتناسب مع الأوضاع الجديدة ، ولكن الذي حدث هو بقاء الشورى عفوية مع انخفاض مستوى الحكام في تقواهم وكفايتهم ، مما سبّب قيام الثورات على الخلفاء ، حتى القضايا الكبرى في حياة الأمة - كاختيار الخليفة مثلًا - ظلت منوطة بعدد قليل من الأشخاص ، تنقصهم في كثير من الأحيان ، الأمانة والكفاية .
وهذا كله مما يبعث على أهمية ابتكار الطرق الملائمة لأوضاعنا الخاصة ، ولن نتمكن من عمل شيء نافع إلا بالتفكير الجاد ، المرتكز على قاعدة جيدة من المعلومات .
ومن المبادئ والقيم العليا أيضا - الوحدة - وإسلامنا أرشد إلى كل ما من شأنه رصّ الصفوف وتجنيس الرأي ، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الفرقة والاختلاف نالا القسط الأوفر من شكايات المسلمين على مدى التاريخ .
ولما كانت الوحدة مبدأ ثابت عند المسلم ، كان المطلوب دراسات مطولة ، وإعمالًا مستمرًا للفكر في البحث عن الأسباب التي تؤدي إلى الشقاق من الجهل والهوى والاستبداد والظلم ، كما كان المطلوب أن نأخذ عيّنات من نماذج الانشقاقات الكبرى في تاريخنا ، لدراستها واستخلاص العبر منها .
وكان من جملة المطلوب كذلك أن نتجه إلى الأطر الوحدوية التي تتناسب مع الظروف المعقّدة والمعطيات الجغرافية الجديدة بما يحقق شكلًا من أشكال التوحد .
ومن المبادئ والقيم العليا أيضًا - إغاثة الملهوف - وقد دعم إسلامنا هذا الخلق الكريم تدعيمًا لا نظير له ، حين جعل إسعاف نفس بتخليصها من الهلاك معادلًا لإحياء نفوس البشرية جميعًا .
وإغاثة الملهوف على مستوى الأفراد لا يزال حيًا فاعلًا في حياة المسلمين ، بينما الفيضانات والزلازل وموجات الجفاف وما تتركه الحروب من فقر وتدمير وتشريد تتطلّب لعلاجها جهودًا جماعية ضخمة ، كما تتطلب إمكانات مادية كبيرة ، ومع هذا فإن المنظّمات الإغاثية في العالم الإسلامي في منتهى الضعف ، ولا تتناسب أحجامها مع ما يتطلبه واقع المسلمين البائس من العون والمساعدة ، وإن كنا نرى بوادر قوية الآن ، فإنا متفائلون بما هو أكبر وأعظم ، لإغاثة إخواننا في كل زمان ومكان .
أيّه المستمعون الأعزاء: ما ذكرناه من مجالات وأسباب ، كانت هي أهم ما يدعونا إلى التفكير ، ويجب أن يكون تفكيرًا منظّمًا راعيًا مدركًا لأسباب تلك المشكلات وجذورها ، يمدّه استقراء واسع لحاجات المسلمين المعاصرة ، وإن بداية الطريق منهجية صحيحة لتفكير مُجدٍّ صبور ، مرن بعيد عن الذاتية والانفعالية والارتجالية .
"فصول في التفكير الموضوعي"لعبد الكريم بكار"ص (15-26) "
"مجلة البيان"عدد (82) ص (100) وعدد (96) ص (90-93) .
كيف نُحسّن التفكير:
إن على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه ما من ظرفٍ أو حالةٍ أو موضوعٍ إلاّ يمكن إدخال شيء من الإصلاح عليه ، بإكثار ما فيه من خير وإيجابية ، أو بتقليل ما فيه من شر وسلبيات ، إنّ إدخال مثل هذا الاعتقاد في مركبنا العقلي ضروري جدًا لمقاومة سلسلة الإحباطات التي يتعرّض لها المسلم في حياته .
إنّ المُجدد القرني يمثل إمكانات التحسين ، كلما ساءت أحوال المسلمين لضعف تمسكهم بدينهم أو انحدار معاشهم الدنيوي ، حيث يُوجِد الوظائف المتجددة للمبادئ العليا ، فيبدوا الدين وأهله في حالة من النقاء والصفاء - .
والذي يراه كثير من العلماء: أن مستوى التربية الاجتماعية وثراء المناخ العام أكثر تحكّمًا في جدوى التفكير وفاعليّته ، من تميّز القدرات الخاصة ، وهذا ما يجعل إمكانات التحسين أكبر مساحة وأسهل تحقيقًا .
إن التفكير الصحيح وسيلة من وسائل الانعتاق من آثار العادة والاتكال على تفكير الآخرين وكسرٌ لطوق الرتابة والاجترار الذي يتربى عليه الناس ، كابرًا عن كابر ، ولهذا تضمّنت دعوات الأنبياء جميعًا - عليهم الصلاة والسلام دعوة للتفكر والنظر ، والتخلّص من إرث الآباء والأجداد ، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن } سبأ46
وإنّ من أهم ما نحسّن به تفكيرنا هي القراءة الواعية ، فهي البداية لتفكير صحيح . ولحكمة بالغة كان أول ما نزل من القرآن الكريم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } العلق1ودستورنا الخالد"القرآن"مشتق من القراءة ، وأعظم اختراع اخترعته البشرية ، كان الكتابة ، والكتابة غير ذات قيمة إذا لم تعقُبها القراءة .
وحين يشرع الإنسان في القراءة الواعية التي يريد أن يُسهم من خلالها في التخطيط للمعرفة ، فعليه أن يكون بين يديه دائمًا قلم وورقة ، يُسجّل فيها المشكلات والقضايا التي يعتقد أن المؤلف لم يُوفّها حقّها من البحث ، أو التي يشعر أنه قادر على أن يُوجد لها بعض الحلول الإضافية .
فإذا ما انتهى المرء من ذلك الكتاب صار إلى مرجع آخر في التخصّص المختار ، ويحسن أن يكون ذلك المرجع من الكتب التي تعرض وجهة نظر مختلفة ، حتى لا يقع المرء ضحيةً لوجهة نظر واحدة ، هي عند أهل الاختصاص موضع نقد وجدل ، فإذا ما انتهى منه صار إلى قراءة كل ما كُتِب حول الموضوع ، قراءة سريعة مع الإغضاء عن بعض الأجزاء ، إذ المراد الوقوف على بعض المشكلات الجديدة أو الحلول المقترحة لها .
ولا بد من القراءة الناقدة لكل ذلك فلا نسمح للجديد من الأفكار أن يتسرّب إلى أذهاننا ، دون محاولة لاختبار صدقه وفحص دلالته ، وهذا لن يكون ميسورًا للمبتدئ غالبًا ، ولكنه سيكون تهيئة للأرض البكر كي يزرع فيها التفكير المستقل ، وتلك هي بداية امتلاك منهج خاص ينافي التفكير ، وإذا ما شعرنا بضرورة العودة إلى قراءة كتاب قرأناه ، فمن الأفضل أن نعود إليه بعد سنة أو أقل أو أكثر ، وحينئذ فسنقرؤه بعيون جديدة .