فهرس الكتاب

الصفحة 1506 من 2255

وقد دل الله تعالى عباده على شيء من منهجية البحث والنظر ، حين يطلب منهم القيام مثنى وفرادى ، بعيدين عن التأثر بصخب الجماهير وانفعالاتهم ، حتى يسلم النظر من المؤثرات الخارجية ، فيقول {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } سبأ46 .

2-حتى لا نخسر: من الممكن لكل الأنشطة الحضارية أن تمضي في سبيلها إلى حدٍ معين ، فالاقتصاد في أسرة ، والنشاط الزراعي في حقل ، ومساعدة ضعيف في مجتمع ، كل ذلك من الأنشطة التي يتيسر القيام بها ، دون الحاجة إلى عناء التفكير ، لكن عندما يصل الأمر إلى تنشيط اقتصاد دولة ، أو التخطيط لمجتمع كبير أو حل أزمات حركةٍ أو جماعةٍ في ظروف حاسمة ، فإن التفكير المركّز والمعقّد ، يكون هو الآلية التي ينبغي استخدامها .

ومن المؤسف أن كثيرًا منا اليوم يعيشون حياة نباتية ، فيها الطعام والشراب والتنفس والنوم والتكاثر ، وهي حياة بلا تفكير ، وحين تُحرم أمة أو مجتمعٌ أو جماعةٍ أو فرد من هذه النعمة الجليلة ، فإن الحياة تصاب بالقحط والجدب ، وتصبح الأعداد البشرية الهائلة أكداسًا من اللحم والعظم .

وإنا نعتقد أن معاناة الأمة من بعض المشكلات ، لمدد تصل إلى قرون ، كانت بسبب إهمالها للفكر والنقد والمتابعة والمراجعة ، وذلك باعتبارها مبادئ أساسية في التغيير والإصلاح والارتقاء .

وإذا ما حدث ذلك ، فإن كل مشكلة تصيب المجتمع ، تصبح إحدى لوازمه الثابتة فيه ، وتظل تتضاعف وتتفاعل ، حتى إذا شعر الناس بضرورة الخروج من النفق المظلم ، وجدوا أن ذلك لن يحدث إلاّ بعد تكاليف باهضة مع تضاؤل إمكاناته !

وإن من المؤسف حقًا أن بعض الإسلاميين ينعت الحديث عن الفكر بالحديث البارد ، حتى إذا طرحتَ مشكلة وطلبت حلًا لها لم تجد إلا الوجوم أو الهروب !

3-لنعلوا الحضارة الغربية ، إن الحضارة الغربية ذات منظومات متكاملة في المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، ولها تصوّرها الخاص في جميع شؤون الحياة .

وملاحظاتنا على أنساقها المختلفة ، ستظل محدودة الأهمية ، ما لم نبلور البديل الأصلح والأنفع والأكمل ، في تلك المجالات كافة من منظورنا الخاص لنا ، وإذا كنا نملك قوة الحق ، فإنهم يمتلكون حق القوة .

وبإمكاننا أن تكون محنة وتحديًّا حقيقيًّا لهم في حالة واحدة ، هي أن نستطيع تقديم رؤيتنا الكونية بشكل واضح ، وأن نطرح بعض الحلول الجذرية المتميزة لبعض الاختناقات الحضارية ، التي يعاني منها بنو البشر اليوم .

وهذا لا يتم إلا من خلال فيض من الخطط والدراسات والنماذج المتقنة ، وهذا كله سبيله: الرؤية الفكرية الناضجة والشاملة .

4-العالم الإسلامي ، وما يعايشه من مشكلات: إذا نظرنا في أحوال العالم الإسلامي اليوم ، وجدنا من الظواهر العامة ما يدعوا إلى القلق والحزن ، فالمسلمون الذي يُعدّون أقليات في أوطانهم ، يعانون من المضايقة وخطر التذويب من قبل الأكثرية ، ويعاني بعضهم من خطر الطرد من تلك الأوطان ، وإعادتهم إلى بلادهم التي وفدوا منها ، وعلى المستوى الثقافي فإن أعلى نسبة للأمية بين البالغين في العالم هي من نصيب الدول الإسلامية المعاصرة ، ومن مؤشرات الخطر: أن نسبة طلاب المدارس"بين عمر خمسة أعوام وتسعة عشر عامًا"لا تتعدى 37% من مجموع تعداد السكان في العالم الإسلامي المعاصر ، على حين تتخطى هذه النسبة 75% في دول الشمال ، وتصل إلى 48% في دول العالم الثالث بصفة عامة .

وإذا تجاوزنا ذلك إلى البحث في أحوال من نسميهم مثقفين ، وجدنا مأساة المضمون تتكامل مع مأساة الشكل ، حيث إن إنتاجية هؤلاء المثقفين وقدرتهم على رفع سقف المعرفة في بلادهم تقترب من الصفر .

وأسباب هذا الخلل كثيرة ، يأتي في مقدمتها: خطل في مناهج التفكير المتّبعة في معالجة المشكلات والأزمات .

وإذا رجعنا قرنًا إلى الوراء ، وجدنا أن الأفكار النهضوية التي نادى بها المصلحون في شتى ميادين الحياة ، ما زالت مطالب لنا حتى اليوم ، ولوجدنا أننا نشكو من العلل عينها التي شكوا منها ، من الفقر والجهل والمرض والاستبداد والتفرق والأنانية والظلم والاستخفاف بالإنسان ، إلى غير ذلك مما ينضح به قاموس التخلّف ، ونحن في حالة الانحباس النهضوي هذه لا نملك سوى التلاوم الدائم ، هذا الانحباس سببه الرئيس هو عدم القدرة على إدراك طبيعة المشكلة ، والوعي بالمشكلات لا يكفي ، ما لم نتمكن من تجزئتها إلى أساسية وثانوية مثلًا ، وهذا لا يتم إلا عن طريق الفكر المتحفّز الذي لا يعرف طعم الراحة حتى ينبلج الفجر المنتظر .

وعلى صعيد آخر ، فإن أمتنا لا تعاني من نقص في الإمكانات ولا الوسائل ، لكن مشكلتنا تكمن في أن فاعلية وسائله ونجاعتها مرتكزة على الأساليب والطرق التي تستخدمُ تلك الوسائل والأساليب ، تظل محدودة الكفاءة ، ما لم تستند إلى قاعدة فكرية صحيحة ، ترسم خطة واضحة للعلاج ، من خلال تشخيص الداء ، وتعيين الأسلوب الأمثل ، ومقدار التدخل الجراحي المطلوب ، إلى جانب تحديد أولويات العلاج وتكاليفه وإفرازاته .

إن قليلًا من الإمكانات والوسائل مع كثير من الفكر والتخطيط والفاعلية التنظيمية والحركية ، أعود على الأمة بالخير والنفع من أكداس الأشياء الضائعة والمهملة .

وعلى صعيدٍ آخر أيضًا ، فإن أمتنا لا تشكوا فقرًا في المبادئ أو القيم ، ولكن المشكلة التي نعاني منها هي انخفاض مستوى فاعلية تلك المثل والمبادئ في تحريك طاقات المسلمين وجذبها نحوها . مما جعل واقع كثير من المسلمين ، لا يختلف كثيرًا عن واقع الأمم التي حُرمت نعمة الوحي والهداية .

فقد شرع الله تعالى الصيام من أجل تهذيب النفس وصحة الجسم ، وتذكر الفقير وتوفير بعض النفقات لمساعدته ، والذي يحدث اليوم: أن المسلم ينفق في رمضان ضعف ما ينفق في غيره ، وترصد بعض الدول التي تلتزم بتأمين السلع الغذائية لشعوبها ميزانية خاصة في رمضان !

والصلاة التي شُرعت لتنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولتكون صلة بين العبد وربه لم تنه كثيرًا منا عن المعاصي ، ولكنها صارت تعلة لتعطيل مصالح الناس عند كثير من الموظفين !

والجيوش التي أنفقنا عليها ألوف الملايين ، لم تحم أرضًا ولم تصن كرامة ! وقس على هذه اللازمة ما شئت ! وإن التفكير السديد النشط من الأهمية بمكان ، وهو الذي يساعدنا على إيجاد المخرج من هذه الأزمات .

والنظم الاجتماعية تُمثل خط الدفاع الأول عن القيم والمبادئ ، فإذا ما انهارت أو ضمرت ، بدأ العطب يسري إلى المبادئ نفسها ، وقد أدرك السلف هذا ، وعبّروا عنه تعبيرًا دقيقًا حين قالوا:"المعاصي بريد الكفر".

5-من أجل اكتشاف السنن ، عصرنا هذا هو عصر الاكتشاف ، وقد اكتشف الإنسان من الحتميات والسنن ما لم يكتشفه في أي زمن ، ولكنه إلى جانب ذلك اكتشف من الفرص والخيارات الشيء الكثير ، وإن كثيرًا مما كان يُفرض فرضًا ، صار اليوم موضع خيار ، وإن وجود حتميّات وضغوط وخيارات كثيرة ، يلزمنا باللجوء إلى التفكير الفعّال ، حتى لا نصل إلى طرق مسدودة ، وحتى لا نضيّع فرصًا متاحة ، إذ أن كل فرصة بحاجة إلى قرار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت