فهرس الكتاب
وتنوّعت عبارات المفكرين والتربويين في معنى التفكير ، ولعلنا نعرفه بأنه:"إعمال الإنسان لإمكاناته العقلية ، في المحصول الثقافي المتوفر لديه ، بغية إيجاد بدائل أو حل مشكلات ، أو كشف العلاقات والنسب بين الأشياء".
ومن خلال هذا التعريف ، ندرك أن الفكر ليس شيئًا مطابقًا للأحكام والمبادئ ، والثقافة والعقل والعلم ، وإنما هو استخدام نشط لكل ذلك ، بغية الوصول إلى المزيد من الصور الذهنية عما يحيط بنا من أشياء وأحداث ومعطيات حاضرة وماضية ، وتوسيع مجال الرؤية لآفاق المستقبل .
وحين نتحدث في معنى التفكير ، فإنا نريد التفكير العلمي ، إذ هو وحده التفكير المجدي الذي يمكننا من الاستنتاج من المقدمات أو الوقائع .
والفكرة مهما كانت ، تترك انطباعًا معينًا سلبيًّا أو إيجابيًّا ، فقد تشكك في مسلّمة من المُسلمات ، وقد تعزّز ظنًا من الظنون ، وقد تُنبّه إلى شيء منسي ، وقد تُنقذ أمة من كارثة محققة !
وكثيرًا ما يحدث أن تأتي الفكرة قبل أوانها ، أو في غير محيطها ، فلا تحدث اضطرابًا في الواقع العملي ، وهي أيضًا لا تضيع ، لأنها ستشكل الخميرة التي سوف تُنبت يومًا ما أفكارًا أو حلولًا حين تجد المناخ المناسب ، وكثير من أفكار ابن تيمية وابن خلدون ، جاء في غير أوانه وفي غير محيطه ، وقد وجد الآن كثيرًا مما انتقده وأصبح يُؤتى أكله أشكالًا وألوانًا .
"فصول في التفكير الموضوعي"لعبد الكريم بكار ص (13-14) ،"مجلة البيان"عدد (96) ص (88 ، 93) .
التفكير الموضوعي:
لا بد من القول ابتداءً إنّ الموضوعية تُمثّل إحدى أهم سمات التفكير العلمي ، حيث إنها ذات أثر فعّال في جميع عملياته ، حتى إن التفكير العلمي تجاه بعض المواقف ، يكون هو التفكير الموضوعي ذاته .
ومن هنا: فإنا نعتقد أنه لا يمكن أن ندرك جذور مشكلةٍ ما ، أو صياغتها صياغة صحيحة ، ثم عرضها ، ثم السعي إلى حلها ما لم نتحلَّ بهذه الفضيلة .
وبإمكاننا أن نعرّف التفكير الموضوعي ، بأنه:"مجموعة الأساليب والخطوات والأدوات التي تُمكّننا من الوقوف على الحقيقة ، والتعامل معها على ما هي عليه ، بعيدًا عن الذاتية والمؤثرات الخارجية".
ولا يغيب عن البال: أن الذين يدّعون التحلّي بالتفكير الموضوعي كثيرون ، بل قلّما نجد من يعترف أنه غير موضوعي ، وهذا على مستوى الأفراد والدول والجماعات والشعوب .
ولا ريب أن الموضوعية الحقة المنشودة: علم وإخلاص ، قدرة وإدارة ، فهم وتقوى ، ولا شك ، فقد يمتلك المرء ناحية الفهم والعلم والقدرة ، لكن التحلّي بالإخلاص والإرادة يحتاج إلى جهاد طويل ، لا يتوقّف إلاّ عند مفارقة هذه الحياة ، وهذا الجهاد من أصعب ما يعانيه المرء ، حيث يعيش في عالم تسيطر عليه الأهواء والنزعات !
"فصول في التفكير الموضوعي"لعبد الكريم بكار ص (45-46) .
أهمية التفكير:
إن تأكيد كثير من مفكري المسلمين على أهمية الفكر ، صدَّ كثيرًا من الشيوخ والشباب عن الاهتمام بمفاهيم الفكر وقضاياه ، ظناًّ منهم أن ذلك الاهتمام سيكون على حساب العمل والتربية والأخلاق والسلوك .
وسبب هذا الظن: أننا حين نتبنى توجهًا معينًا في الإصلاح ، نُلِّح عليه إلحاحًا يُوهم الآخرين ، بأننا لا نرى سواه ، وأننا نُهمل ما عداه ، ومن ثمَّ فإنا نبادر إلى القول: إن استقامة الفكر ونقاءه ، ليس بديلًا عن التربية ولا الأخلاق ولا أعمال الخير ولا الحركة الدعوية ، ولكنه الشرط الأساس لصوابها ورشدها .
فمهمة الفكر رسم مخطط الحركة وجعلها اقتصادية ، بحيث تتكافأ نتائجها مع الجهد والوقت المبذول فيها ، كما أنه يُحيّد كل الوسائل والأساليب التي ثبت قصورها ويُكثف الخبرات والتجارب المكتسبة في بعض المقولات والمحكات النهائية ، ويساعد على طرح البدائل والخيارات في كل حقل من حقول العمل .
وإن الثروة الحقيقية لأية أمة من الأمم ، لا تكمن في الأرض أو في المال أو في الأشياء التي تمتلكها فحسب .
وإنما تكمن في كمية الأفكار البناءة ، والتي تخلصها من قيود الضرورات على الوجه الأكمل ، وتعلمها حل المشكلات وإبصار دروب الفعل التي تسلكها .
ويمكننا إلى جانب هذا: أن نستجلي مسوغات أخرى ، تُوجب علينا العناية بهذا اللون من ألوان النشاط الإنساني وهو الفكر في المفردات التالية:
1-إن الكتاب العزيز ، جاء حافلًا بالآيات التي تحث المسلمين على تقليب النظر في ملكوت السماوات والأرض ، ليستدلوا بذلك على وجود الخالق المبدع ، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } آل عمران191
إن تلك النصوص القرآنية توالت ، لتستحث العقل البشري على ضرورة البحث والمراجعة والتأمل ، وتنعى على المقلدة منهجهم ، وتذمَّهم على جمودهم وعجزهم وقصورهم ، كما قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } الحج46.
ويأتي اليوم الذي يتحسّر فيه أولئك القوم ، ويندمون على منهاجهم وطريقتهم ، كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } الملك10وحكى الله عنهم: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا } الأحزاب67، ولذا ذكر الله تعالى أن من أهم ما يهدف إليه القرآن الكريم: حثّ العقل الإنساني على التفكير والتدبر ، كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } النحل44تبارك وتعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } ص29.
ويذكر لنا القرآن الكريم أن القصص الذي احتلَّ ساحة واسعة منه ، يهدف إلى إثارة النظر والفكر ، حتى يستخلص العبر الهادية للناس في مسيرة الحياة ، فيقول سبحانه { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } الأعراف176.
ويُعلمنا القرآن الكريم ، الوقوف على بدايات الأشياء ، وتحريك العقول بمعرفة أحوال الأمم السابقة ، وما تعرضّوا له من عقاب وتدمير ، فيقول سبحانه: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } الأنعام11 ويقول تبارك وتعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } العنكبوت20وقال أثناء ذكر قصة إجلاء بني النضير: { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } الحشر2.