فهرس الكتاب

الصفحة 1510 من 2255

وهو صحيح أخرجه الترمذي وغيره بسند صحيح وهو دليل على أن ما خوطبت امرأة واحدة من الأمة يعم حكمه جميع النساء وإلى ذلك أشار صاحب مراقي السعود في الفيته في أصول الفقه بقوله:

خطاب واحد لغير الحنبلي من غير رعي النص والقيس الجلي

ولو سلمنا تسليمًا جدليًا أن آية (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) ).

خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كما يقوله بعض أهل العلم وجميع دعاة السفور ، فإن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خير أسوة وأفضل من يقتدي بهن نساء المسلمين ولا سيما في أدب سماوي تصان به الكرامة والشرف والعفاف ، فالاقتداء بهن في ذلك أولى من الاقتداء بإناث الإفرنج في الإباحية البهمية القاضية على الأخلاق والشرف قضاء لا يترك للفضيلة ، والحفاظ أثرًا ولا يصح لعاقل منصف أن ينازع في أن الاقتداء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم بوحي سماوي يحقق الحفاظ على الشرف والصيانة والكرم والعفاف والنزاهة والبعد من تقزز القلوب بإدناس الريبة خير وأولى من تقليد إناث الإفرنج الكافرات في كل ما يدنس العرض ويقضي على الكرامة والفضيلة فمن حاول منع بنات المسلمين من الاقتداء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الأدب السماوي الكريم فهو مريض القلب غاش لأمته أشد الغش ومن غشنا فليس منا .

ويفهم من مفهوم المخالفة المعروف في الأصول بدليل الخطاب في الآية أن الاختلاط وعدم الاحتجاب أبخس وأقذر لقلوبكم وقلوبهن لأن قوله تعالى: (( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ) ).

يدل بمفهوم مخالفته أنكم إن سألتموهن متاعا مباشرة لا من وراء حجاب أن ذلكم ليس أطهر لقلوبكم وقلوبهن بل هو أبخس لقلوبكم وقلوبهن .

ومن الأدلة القرآنية على ذلك أن الله تعالى أمر كل واحد من الجنسين بغض البصر عن الآخر وبني أن ذلك الأدب السماوي أزكى لهم أي أطهر من الريبة وهدد من لم يمتثل للأمر من الجنسين بأنه خبير بما يصنع لا يخفى عليه منه شيء وذلك في قوله تعالى: (( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) ) (( النور: 30 ) ).

فانظر قوله ذلك أزكى لهم تجده يتضمن أدبًا سماويًا فيه غاية المحافظة على الفضيلة من أقذار الريبة ، وانظر قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) )فإنه تهديد عظيم لكم لك يغض طرف بل تركه يتمتع بما حرمه الله ثم قال تعلى (( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) )إلى آخر الآيات .

وفيها تصريح الله جل وعلا بأمره كلا الجنسين بغض الطرف عما لا يحل له من الآخر واتبع قوله يغضوا من أبصارهم بقوله ويحفظوا فروجهم فبدأ بالأمر بغض البصر قبل الأمر بحفظ الفرج لأن النظر بالبصر هو السبب في الزنا بالفرج ، لأن النظر بريد الزنا فقد يمتع الرجل عينه بالنظر إلى امرأة جميلة فيستولي حبها على قلبه فيدغدغهما ذلك إلى الفاحشة ولا سيما في هذا الزمان الذي نزعت فيه خشية الله من القلوب وانتشر فيه الفساد والإباحية فلا تكاد ترى من يغض بصره حياء من الله وخوفًا منه إلا من شاء الله ومن القليل النادر نعوذ بالله من الخذلان وطمس البصيرة وقد بين مسلم بن الوليد الأنصاري في شعره سوء عاقبة النظر المحرم بقوله:

كسبت لقلبي نظرة لتسره عيني فكانت شقوة ووبالًا

ما مر بي شيء أشد من الهوى سبحان من خلق الهوى وتعالى

وإذا تأملت هذه الآداب السماوية المذكورة في هذه الآية علمت أن دعاة السفور إلى الاختلاط يعارضونها بفلسفة شيطانية يكمن من ورائها ضياع الشرف والعفاف ويتحصل بسببها تدنيس الأعراض وتقذير الفرش وعدم سلامة الأنساب وعدم صفائها من أقذار الاختلاط وإيضاحه .

إن من يدعو إلى اجتماع الطالبات في عنفوان شبابهن ونضارة حسنهن حال كونهن في أزياء إفرنجية مغرية مثيرة للغريزة الطبيعية لانكشاف الرؤوس والوجوه والأعناق وغير ذلك من أبدانهن مع كونهن في غاية التصنع والتجمع مع الشباب الذين تشتعل فيهم نار الغريزة الطبيعية والشهوة .

بمقتضى شبابهم وميلهم الطبيعي الجبلي إلى التمتع بالنساء . والحال أنه لا وازع من دين ولا مروءة يزع الذكور عن الإناث ولا الإناث عن الذكور حسب التقاليد المتبعة والجميع مجتمعون في محل واحد ينظر كل فريق منهم إلى ما يدعو إلى الفتنة من جمال الآخر ، فكأنه يقول لهم إني مهدت إلى ما يدعو إلى الفتنة من جمال الآخر .

فكأنه يقول لهم إني مهدت لكم وسهلت لكم كل طريق إلى ارتكاب ما لا ينبغي وإشباع الغرائز بطريق غير مشروعة مدنسة للأعراض والفرش والأنساب وكأن الشيطان يقول لأولئكم قولوا للمؤمنين لا يغضوا أبصارهم ولا يحفظوا فروجهم وقولوا للمؤمنات كذلك ، وهذا وإن لم يصرحوا به فهو معنى ما فعلوا من الأسباب المفضية له كما لا يخفى على منصف .

أيها الأب الكريم المؤمن العربي الشهم بأي مسوغ من عقل أو دين أو مروءة أو إنسانية تترك فلذة كبدك التي هي ابنتك مائدة سبيلًا تتمتع بجمالها كل عين فاجرة غدارً وخيانة ومكرًا وظلمًا لذكل الجمال الذي يستغل مجانًا في إرضاء الشيطان وتقليد كفرة الإفرنج تقليدًا أعمى مع إضاعة الشرف والفضيلة والعفاف ، والفاجر قد يتمتع بالنظر إلى جمال المرأة وربما بلغت به لذة النظر إلى حد بعيد . ألا ترون قول بعضهم في محبة النظر الحرام .

قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ودعوا القيامة بعد ذلك تقوم

مع أن فلذة كبدك التي هي ابنتك لو ربيتها تربية إسلامية في حنان وصيانة ومحافظة على الشرف والفضيلة لكانت هي جوهر الدنيا وأنفس شيء موجود فيها وقد قال صلى الله عليه وسلم الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة .

ولا تكون صالحة إلا بالتربية الدينية ولا يصح لعاقل أن يشك في أن اختلاط الجنسين في غاية الشباب ونضارته وحسنه أنه أكبر وسيلة وأنجح طريق إلى انتشار الفاحشة وحشو الرذيلة بين الجنسين . ولا شك أنهما بحكم كونه زميلها وهي زميلته في الدراسة أنهما يخلوان كما يخلو الزميل بزميله في منتزهات ومواضع السباحة في الماء ومواضع مراجعة الدروس وخلوه بها طريقة إلى ارتكاب ما لا ينبغي لا ينكرها إلا مكابر والسبيل الموصلة إلى ذلك سبيل سيئة كما قال تعالى: (( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا ) ) (( الإسراء: 32 ) )فصرح بأنه فاحشة وأن سبيله سيئة والفاحشة هي الخصلة التي بلغت غاية القبح والسوء وكل شيء بلغ النهاية في شيء فهو فاحش فيه ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته .

أرى الموت يقتام الكرام ويصطفي

عقيلة مال الفاحش المتشرد

فقوله الفاحش أي البالغ غاية البخل . وتأملوا لم قال تعالى: (( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ) )ولم يقل ، ولا تزنوا لأن النهي عن القرب منه يستلزم التباعد من جميع الوسائل التي توصل إليه ولأن من قرب من الشيء كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه .

فما أجمل تعاليم القرآن وآدابه السماوية وما أحسن ما تدعو إليه من النزاهة والفضيلة والتباعد عن الرذائل .

وأما أدلة السنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت