فهرس الكتاب
إنه لم يبق عاقل من عقلاء المسلمين الذين يقام لهم وزن في العلم والأمة يبيح هذا التوسل الذي ينتحله طوائف العامة ، أو يبيح هذه الوثنية الشائعة . وإننا نحمد الله أن أخذت تتقهقر هذه الخرافة في الأيام الأخيرة ، ولم يبق لها من ولي ولا نصير غير جماعات لا يؤبه لهم ، والحمد لله على ذلك .
إننا قد ذكرنا في سائر كتبنا البراهين العقلية والنقلية على بطلان هذا التوسل ، وذكرنا هنالك من حجج القرآن والحديث والإجماع والقياس ما يقنع بعضه المنصف بأن هذا التوسل ليس من الدين في شيء .
والذي نقوله الآن هو أن حديث خطاب رسول الله لكفار قريش الذين رموا في الطوى لا يدل على أكثر من وجود العالم الروحاني ، وأن لهذا العالم إستقلالا عن العالم الجسماني ، وأنه قد يدرك الخطاب والنداء . ومستحضرو الأرواح الآن يقررون هذا . ولكن لا يدل لهؤلاء المتوسلين وجود العالم الروحاني وسماعه بعض الأوقات على أنه يجوز الإستعانة به . والدعاء له . وذلك أنهى لا يلزم وجود عالم الأرواح أن يكون سامعًا من ناداه ، ولا يلزم إذا قدر عليه أن يكون مأذونًا له بإعطائه من طلبه ، ومأذونًا لنا بأن نطلبه ، ولا يلزم من ذلك كله أن يكون ذلك مباحًا جائزًا ، ولا يلزم بعد ذلك كله ألا يكون منع لأنه يترتب عليه أن ينحل الأموات فوق ما هم له أهل ، كما هو الواقع المشهود . فإننا نرى المتوسلين في عصرنا يسألون الأموات أمورًا لا يقدرون عليها وهم أحياء ، ولا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى ، ويقدسونهم ويعظمونهم ويهابونهم ويرجونهم . كل ذلك بأبلغ مما يكون منهم لله وهم بين يديه في الصلاة والمناجاة . ولا شك أن هذا خالص العبادة ولبها ، لا يجوز صرفه لمخلوق سواء أكان حيًا أم ميتًا ، وسواء أكان حاضرًا أم غائبًا . ويدلك على ما نقول أنه لا تجوز لنا دعوة الملائكة ولا دعوة الجن مطلقًا . والملائكة والجن أحياء ، وهم أقدر من الإنسان . وما دعاهم أحد من المسلمين ولا العاقلين . ولم يفهم الصحابة الذين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي كفار قريش وهم أموات أن ذلك دليل على التوسل بالموتى . ولهذا لم يتوسل أحد منهم برسول الله بعد موته، ولم يتوسل أحد من الأئمة الذين رووا هذه الأحاديث وحذقوها بمخلوق ميت. وهذا إجماع سلبي لا يدفع .
ولو كان الدعاء يلازم التوسل لجاز التوسل بالأموات الكافرين استدلالا بمناداة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الكافرين الذين رموا في الطوى . ومن يجوز هذا من العاقلين . ومستحضروا الأرواح ـ وهؤلاء يحتجون بما يقولون ـ يقولون إن الأرواح
مقيدة بأحكام لا يمكن أن تخرج عنها ، وإنها لا يؤذن لها بأن تفعل كل ما تقدر عليه ، وأن تجاوب كل من سألها ، وإنه قد يكون من العدوان عليها ، والإيذاء لها ، أن تنادى وأن تسأل لأنها مشغولة بما هنالك عما هنا .
ويدل على أن دعوة الأرواح لا تجوز ـ ولو كانت قادرة وفاعلة ـ أم مستحضري الأرواح يقولون إنهم لا يقدرون على أن يستحضروا الأرواح القوية العظيمة فلا يقدرون على إستحضار أرواح الأنبياء والملائكة . فلماذا هذا ؟! ويقولون: إنه ليس كل أحد صالحًا لدعوة الأرواح واستحضارها .
والذي نراه نحن أن هذا الذي يكلم دعاة الأرواح غالبًا هم شياطين مضلون لا أرواح من أرادوا مخاطبتهم . وهذا بين لمن تدبر ، وهو يفيدنا فائدتين: إحداهما وجود الأرواح الشريرة وهم الشياطين تصديقًا للأديان ، وتكذيبًا للجاحدين الملحدين . وثاني الفائدتين أن نعلم أن دعوة الأرواح واستحضارها ضلال . ولهذا تجاوب الشياطين والشياطين مضلون لا يريدون إلا الإفساد .
ثم ألا يكفي هؤلاء علمًا ببطلان دعواهم ودعائهم أنهم مهما دعوا وألحوا في الدعاء لا يجابوا ولا يسمعوا ؟! ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ، فإن فعلت فإنك إذًا لمن الظالمين ) ، ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ، وهم عن دعائهم غافلون ) . أو ألا يكفيهم أيضًا دليلًا على بطلان توسلهم ما لازمه من الضلالات والمنكرات باعتراف الجميع . ولا ينتج الشر إلا الشر
على إن الدعوى التي ادعوها في جانب ، والدليل الذي جعلوه برهانًا على دعواهم في جانب آخر . وذلك أن دعواهم هي أن سؤال الموتى ، ورجاءهم ، والفزع إليهم ، وما مع ذلك من البدع ، دين وحق والذي استدلوا به على هذه الدعوى ليس فيه غير أنهم قد يسمعون بعض الأحايين، وأن أرواحهم موجودة . بل في الحديث نفسه ما يرد على الدعوى . وذلك أنهى يقول: إنهم ليسمعون ، ولكنهم لا يجيبون . ومن لا يجيب كيف يدعي لو يتدبرون ؟! .
والكلمة الفاصلة في هذا الحديث: أن الله تعالى جعل في أولئك الكفار القدرة على السماع بأن رد إليهم أرواحهم في تلك الساعة ليسمعوا نداء رسول الله توبيخًا وتحسيرًا ونقمة . ولله أن يخرق لرسوله ما يشاء ، لا معقب لحكمه ، ولا مانع لما أراد . وقد روى البخاري في صحيحه عن قتادة وهو إمام من أئمة التابعين الكبار ( إن الله تعالى أحياهم له في تلك الساعة توبيخًا لهم وإيلامًا وحسرة .
وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب كثيرًا من الأحجار والحيوانات فتسمع منه وتجاوبه ، فهل يدل هذا الخطاب والسماع على أن تلك تسمع دائمًا ، وعلى أنه يجوز التوسل بها واستغاثتها ؟! ولوضوح هذا عند الصحابة رضوان الله عليهم ، أنكرت عائشة رضي الله عنها حديث مخاطبة الأموات ، ووهّمت رواية وهو الثقة الثبت ، واستدلت بقوله تعالى: ( فإنك لا تسمع الموتى ) ورواه عنها البخاري . وما أنكر الصحابة ولا المسلمون هذا الاستدلال عليها ولا هذه الحجة . وقل لي بربك لو كان دعاء الموتى في ذلك العصر معروفًا مألوفًا ، فهل يمكن أن يخفى على عائشة رضي الله عنها ، أو يخفى على الصحابة والتابعين أن يردوا عليها بذلك ؟! الحق إن الأمر واضح .
الفتن من قبل المشرق
عن عبدالله بن عمر أن رسول الله قام إلى جنب المنبر فقال: ( الفتنة ها هنا . الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان ) أو قال: ( قرن الشمس ) وعنه أيضًا أنه سمع النبي وهو مستقبل المشرق يقول: ( ألا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان ) رواهما البخاري ومسلم . وعنه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اللهم بارك لنا في شأمنا . اللهم بارك لنا في يمننا ) ) قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا . قال: ( اللهم بارك لنا في شأمنا . اللهم بارك لنا في يمننا ) قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله . فأظنه . قال في الثالثة: ( هناك الزلزال والفتن وبها يطلع قرن الشيطان ) رواه البخاري . وروى مسلم عن سالم بن عبدالله بن عمر أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وما
أركبكم للكبيرة . سمعت أبي عبدالله ابن عمر يقول سمعت رسول الله فيقول: ( إن الفتنة تجيء من هاهنا ) وأومأ بيده نحو المشرق ( حيث يطلع قرن الشيطان ) وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض ، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ ، فقال الله عز وجل له: ( وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم وفتناك فتونًا ) .
يعتمد بعض ذوي الأغراض والأهواء ممن قل نصيبهم من المعرفة والإنصاف على هذه الأخبار ، فيقدح في الدعوة السلفية التي يقوم على إنمائها وإعلائها اليوم ، ويدأب في نشرها وتوسيع نطاقها عاهل الجزيرة العربية جلالة الملك عبد العزيز آل سعود .