فهرس الكتاب
ولو أن إنسانًا ـ وإن خلق غبيًا ـ فكر في أحقر عضو فيه ، وفكر فيما أودع من الحكم والأحكام والأسرار فيه ، وكيف جاء وفق المصلحة والمنفعة والحكمة ، وكيف كان في هذا المكان من البدن ، وكيف كان بهذا القدر وهذا الشكل وبهذا اللون والسعة . وفكر بعد في أصله ومادته التي بريء منها , وكيف كان في تنقله من طور إلى طور ، ومن خلق إلى خلق ، ومكيف كان ينمو باتزان وتناسب في جميع أعضائه ، وجميع جوانبه ، وعلى قدر موزون . ثم فكر فيما خلق حوله ليحفظه من التلف والضياع والأضرار المحدقة بالإنسان ، وكيف بقى كذلك مرعيًا محفوظًا يؤدي مهمته ووظيفته أحسن تأدية . وفكر بعد ذلك في الشأن الذي خلق لأجله ، وفي الغاية منه . ثم فكر لو أنه بعكس ما كان وكيف يكون حينئذٍ: أقول لو أن إنسانًا ، وإن كبر نصيبه من الغباوة ولا بلادة فكر في ذلك سواء أكان جاهلا أم عالمًا ، وسواء أكان فيلسوفًا أم أميًا ، لكفاه ذلك دليلًا على القادر المختار الذي لا يؤوده شيء ، ولا يغلبه شيء ، ولرأى ذلك أغرب من جميع الخوارق من معراج وإسراء وغير ذلك . ولكن كما قلنا إذا كثرت رؤية شيء نزعت منه العبرة . على أن ما أحدث في هذا العصر من المخترعات والمبتدعات كاد يمحو حروف المستحيل ومتصرفاته
من قائمة الموجودات . ولو أن ما اخترع في هذا العصر من البدع الصناعية الأوربية جاء في القرآن أو غيره من كتب الله لقال الجاهلون إن هذا مستحيل ، ولكذبوه أعظم من تكذيبهم للمعراج والإسراء ، ولبدأوا بإنكاره وجحوده .
ونحن كما قلنا لا نرى ما يراه بعض الناس في الرد على الجاحدين بأن نجتهد في أن نقيم لهم الدليل على أن الأمر الذي خالفونا فيه جار على نواميس الطبيعة وعاداتها ليس خارقًا ولا معجزًا . فهذا الرأي كما قلنا الإنتاج لا ينصر إيمانًا ، ولا يكسر كفرانًا ، والطريقة الجيدة في ذلك أن نقيم لهم الدليل قبل كل شيء على الإله الذي يقول للشيء كن فيكون ، الذي لا يغالب ولا يمانع . فإذا ما اعترفوا به لم يجدوا مانعًا من أن يؤمنوا بالدين ، وما جاء به الدين من أمور تحار فيها العقول الجبارة . وإلا فإننا إذا ذهبنا وأقمنا لهم الدليل على أن هذا الأمر الذي جاء به الدين ، وجاء به الرسول ليس معجزًا بل هو أمر معتاد قد يكون لغير الأنبياء ، فهل يكون ذلك برهانًا عندهم على الإيمان وعلى الرسالة ؟ اللهم لا . وبهذا فلتقاوم كل شبهة تعترضك أيها القارئ دون الإيمان والاطمئنان بالدين ، وما أخبر به الدين . ولتعلم أن الأديان كلها مبنية على الخوارق والإيمان بالخوارق . فهي كلها تحدث الإنسان ـ أشرف المخلوقات ـ كان سلسلة خوارق وعجائب . فأوله خلقة آدم وحواء ، وهو خارق الناموس العام ، وآخره بعث الإنسان بعد الموت ، ثم خلوده في الجنة أو النار وبقاؤه كذلك لا يموت ولا يحي . وهذا كله خارق ونادر . فلا إيمان إلا بالإيمان بالخوارق ، وبأن الله يفعل ما يشاء ويختار . ومن العجب أن يكون للملوك ، ومن دون الملوك ، أحكام استثنائية وخوارق في أفعالهم ، ولا يكون ذلك لملك الملوك الله رب العالمين .
مخاطبة الأموات
روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأربعة وعشرين صنديدًا من صناديد قريش يوم بدر ، فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر وقام على الطوى ، فجعل يناديهم
بأسمائهم وأسماء آبائهم"أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فانا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا ، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا". فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما تكلم من أجساد لا أرواح لها . فقال رسول الله"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم لما أقول".
يستدل فريق نشأ في حجر البدعة والخرافة بهذه القصة على بدعهم التي ابتدعوها ، وعلى لجوئهم إلى الموتى رغبًا ورهبًا وعلى سائر ما يأتونه عند القبور من محدثات ينبو عنها الذوق والعقل والدين . ويقولون: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الموتى الكافرين فكيف لا ندعو الموتى المؤمنين ؟! وإذا كانوا يسمعون فمن يعارض في دعاء من يسمعون ؟! وقد يرشحون قولهم هذا بإحضار الأرواح ومخاطبتها . وعلى ذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من هذه الخرافات لدى الأولياء وغير الأولياء من أبواب وجدر ، حتى ضج العقلاء والحريصون على الدين ، و على عقول الأمة وسمعتها من ذلك . وفعلوا ما فعلوا من أوهام سوداء سودت وجه الدين والمتدينين ، وجعلت للأعداء مقالا ومقدحًا في دين التوحيد ودين العقل والذوق . ولهذه البدع ـ كما يعلم المفكرون ـ أثر في إلحاد من يلحدون من شباب الإسلام ، أنفة منهم وإباء أن يدينوا دينًا يدعو إلى جعل الموتى المفزع والملتجأ ، وهم لا بصيرة لهم بالدين ، ولا يعرفون الدين غلا أنه ما يمثله هؤلاء الطائفيون بالأضرحة من العامة وأشباههم .
ونحن نقول: نعلم بالضرورة والاستقراء التام والإجماع السلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين ما كانوا يدعون الموتى ، ولا يسألونهم ، ولا يرغبون فيهم ، ولا فزعون إليهم إذا حزبهم أمر . ولا كان أحد منهم يلجأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إلى غير رسول الله ليكشف ما به من بلاء ، أو ليزيد ما به من نعماء ، أو ليلهمه رشدًا أو ليدفع عنه كبدا . ولا كان أحد منهم يفعل ما فعله هؤلاء لدى المقامات من الطواف ، والالتزام ، والتقبيل ، والخضوع ، والخشوع ، والتوسل ، والضراعة ، والمسكنة . بل نعلم أن القرآن والسنة جاءا لإبطال ذلك كله ، ومحوه من الوجود , وإلحاقه بالجاهلية المحطمة المبادة ، كما أنه لا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه السلام ما يجيز ذلك ، أو يحله لا إشارة ولا تصريحًا . بل
القرآن مملوء من النهي عن ذلك ، والزجر عن فعله ، ولا نشك أنه لو كان دعاء الموتى والتوسل بهم دينًا يرضاه الله ، أو يرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أعرض عنه صحابة رسول الله ومن بعدهم من الأئمة ، فيهتدى إليه المتأخرون المقصرون في كل خير . ومن زعم ذلك فقد اتهم المسلمين الأوائل وقدح في علمهم ودينهم .
ولقد يلزمنا العيب والسُّبة إذا حاولنا أن نقيم الدلائل على بطلان التوسل العامي الحاضر . وقد نهجو أنفسنا بذلك ، ونكون كمن قام يدلل على أن الشمس أضوأ من القمر ، وإن الناتج من ضرب الواحد في الخمسة يساوي خمسة . إن حالنا كحال هذا الذي يفعل ذلك حينئذٍ . ولكن لما فتن الناس بهذا التوسل ، ونشأ عليه الصغير والكبير حسبوه من الدين ومن الإيمان . وللإعتياد تأثير فعال في العقيدة . وإلا فمن ينازع في أن الاستغاثة بالموتى رجاء السعادة والمدد جهل وضلال . ومن يقول إن دين التوحيد والتنزيه يجوز هذه القاذورات التي تؤتى في الموالد ، وفي أحضان المقامات ، على حساب الدين وحساب التدين . وأي إنسان رزق ذرة منى عقل وإنصاف يقول إن الدين الإسلامي يجوز لمعتنقيه أن يسألوا الموتى التوظيف والتزويج والشهادات وفك المغلق من المشكلات ، من دينيات ودنيويات ، كما نشاهد ذلك كله عند هؤلاء الصالحين رضي الله عنهم ؟! ومن يقول من المسلمين إن من الإسلام أن يقف المسلم الموحد أمام الميت المدفون في التراب وتحت الرمال مادًا يديه ، خاشع القلب ، ساكن الأعضاء ، ممتلئًا رغبةً ورهبةً ، ممتلئًا خشوعًا وخضوعًا ، قائلًا: ( يا فلان مدد ) . ( يا فلانة مدد ) ؟! اللهم إن الدين يبرأ من ذلك كله ويأباه . وإن المسلمين يبرءون من ذلك إلى الله . واحسرة على المسلمين وواحسرة على الإسلام .