فهرس الكتاب
إن فقراء الهند يروضون أنفسهم مدة فيأتون بالعجائب ، ويستطيعون الحياة بدون الهواء والتنفس أزمانًا . وقد روت عنهم الصحف أن الواحد من هؤلاء يلقى في قارورة وضع فيها زيت ، فيقفل عليه ويحكم القفل ، بحيث لا يجد الهواء إليه سبيلا ، فيبقى كذلك أسابيع ثم يخرج حيًا . وقد روت إحدى الجرائد المصرية ، وروى الشيخ رشيد رضا في وحيه أن واحدًا من هؤلاء سدت جميع المنافذ في جسمه التي يدخل منها الهواء بالقطن ، ثم وضع في صندوق وقفل وأحكم قفله ، ثم دفن في الأرض فظل أربعين يومًا كذلك ، ثم أخرج حيًا . عمل هذا وأدخل وأخرج على أعين طائفة من الزعماء والأطباء . فكيف يعجز الله عن مثله ؟! .
وأما قولهم: إن السموات ليست لها أبواب ، فهو قول مجرد ، ودعوى لا سند عليها . ومن أين علموا أن السموات ليست لها أبواب ولا مفاتيح ( وما يعلم جنود ربك إلا هو( ويخلق ما لا تعلمون ) . وفي القرآن ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) وما ادعى أحد من علماء الشرق ولا الغرب أنه أحاط بكل شيء خلقه الله علمًا . وهؤلاء إذا كانوا يطلبون منا أن نترك نصوص الدين بلا دليل ، فكيف نقبل قولهم بلا دليل ؟ذ على أنه لو صح ما قالوا لما كان هذا مخالفًا له . فان قوله فتحت أبواب السماء ، وأمثال هذا القول ، ليس صريحًا بإثبات ما نفوه . فإنه يقال: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك . اللهم أفتح لنا أبواب فضلك . ولا يراد بأمثال ذلك الأبواب حقيقة ولا الفتح حقيقة .
أما قولهم: إن السموات لا تقبل الخرق والالتئام ، فهو وهم مجرد ما لهم عليه من سلطان . على أنه لم يكن في أخبار المعراج خرق ولا التئام ، وإنما فيها فتح . وقد قدمنا الكلام في الفتح .
وأما قولهم: إن الأخبار تدل على أن السموات سبع ، وأنها غير الأفلاك المعروفة
لأهل النجوم والفلك . فيقال: عدد السموات مذكور في القرآن الكريم , وفي الأحاديث المتواترة . ليس ذلك من فرائد حديث المعراج . ولا شك في وجود سموات سبع عند أحد من العلماء والخلاف إنما وقع في تعيين هذه السموات ، لا في وجودها . وأحاديث المعراج لم تعيينه . فإن كان ما يعتقده الجمهور في السموات السبع باطلا , لم يكن غيره باطلًا . وما قال عالم إنه علم كل شيء في الوجود . والعلماء الآن متفقون على أن الفضاء لا نهاية له ، ولا حد له . وإذا كان ذلك كذلك فالمخلوقات في هذا الفضاء الذي لا يحد لا يقدر أحد على إدراكها ورؤيتها كلها . فإن التلسكوبات يرى بها إلى حد محدود ، ثم ينتهي الإدراك بها . فمن أنكر السموات السبع على مقتضى الأحاديث لأن التلسكوب لم يرها فقد جعل هذه المقدمات ، وجهل ما عرف ، وأنكر ما اعترف به . أي إننا نقول: إن السموات السبع هي غير النجوم التي رآها الناس اليوم ، والتي عرفها الفلكيون إلى اليوم ، وهي سموات طباق سبع ، بعيدة جدًا في الفضاء الذي لا نهاية له ولا حد له باعتراف جميع الفلاسفة الحاضرين والماضين . فالإنسان إلى الآن لم ير هذه السموات ببصره المجرد ، ولا بآلاته المقرِّبة المعظِّمة , وليس له أن ينكر ما لم يره لأنه لم يره , وقد اعترف أن الفضاء لا نهاية له .
وأما قولهم: كيف يقطع هذه المسافات في ليلة واحدة . فنقول: هذا راجع إلى قدرة الله , وإلى الإيمان به . فالذي ينكر المعراج لذلك يكون منكرًا الله ومنكرًا قدرته . وهذا أحسن طريقة في إقناعه أن يقام له على الإله القادر الذي يفعل ما يشاء . فإذا عرف الله وقدرته سهل عليه الجواب عن هذا , وسهل عليه معرفته . أما أن نذهب لنقيم له الدليل على إمكان أن يقطع المسافات الطويلة في ليلة واحدة , وهو ينكر الله , وينكر قدرته فمما لا يجوز المنطق الذهاب إليه . وما يكون المعراج والإيمان به في جانب الله والإيمان به !! وأما إذا كان المعارض بهذه الحجة مؤمنًا بالله , وبأنه خالق السموات والأرض والوجود كله ، وخالق المسافات والأبعاد والقوى فلن يصعب عليه الإيمان بأن يعرج برسوله إلى أبعد ما يريد ، ويرجعه في ليلة واحدة بلا عجز ولا تعب . وليس عروجه برسوله في ليلة واحدة بأشق على قدرة الله وأغرب فيها من خلقة الإنسان وما
أودع فيه . وليس أعجب من خلقه لعينه الباصرة التي يرى بها على حقارتها هذه المرئيات من الأجرام السماوية ، وبيننا وبينها مئات الملايين من الأميال في أقل من ثانية . وليس أعجب من أ خلق لنا من هذه النطفة البيضاء السائلة ومن الخبز الذي نأكله ، هذه العقول الجبارة ، والعلوم التي لا تنتهي ، والحواس العجيبة . ولكن الشيء إذا كثرت رؤيته نزعت منه العبرة .
ولو فرضنا أن الإنسان لم تخلق له حاسة البصر ، فحدث عنها وعن بلوغها المسافات الطويلة ، وإدراكها في أقل من ثانية ما لا ندركه آلاف الأعوام سيرًا لعد هذا ضربًا من الخيال والوهم ، ولعده أغرب من المعراج وقصته . ولو أن إنسانًا خلق طورًا واحدًا كامل الخلق كما خلق جدنا آدم ، فرأى الناس الرجال البالغين الكاملين ، والنساء البارعات جمالا . اللاتي لا تشبع منها العين والبصر ، وحدث عن مبدأ هؤلاء ، وعن أصلهم ، وأنهم كانوا يومًا من الدهر نطفة من هذا الماء الدافق الأبيض المستقذر ، أو ترابًا ، لما أمكن أن يصدق ذلك . ولو قيل له هذا ، وقيل له: إن واحدًا من هؤلاء الرجال الذين تراهم عرج به ليلة إلى هذه الشمس ، أو إلى أرفع منها ، ثم نزل إلى الأرض في ليلة لعد هذا أقرب من الأول ، ولآمن بهذا العروج قبل أن يؤمن بأصل الإنسان وبدايته إن أمكن أن يؤمن . ولو أن أعقل العقلاء لم ير الشمس ولا القمر ولا الأجرام العلوية ، ولم يبرز إلى السماء ، فقيل له: إن فوق هذا البيت الذي أنت فيه سرجًا عظيمًا ، أكبر من الأرض أكثر من مليون مرة ، معلقة في الهواء ، لا يحملها شيء ولا تقع لعد هذا الكلام من الخرافات ، ولعد هذا أغرب من المعراج في القدرة والندرة ، ولكننا الآن نرى الشمس والقمر وسائر الأفلاك فوقنا في الهواء ، ولا غرابة ولا عبرة . ولو حدث عن الجاذبية التي يعتمد عليها المعطلة في تعطيلهم ، وحاولنا أن يؤمن بها كما هي لحاولنا شططا .
وفي كل شيء له آية تدل على أنه القادر
على أن هذا الذي أنكروه لأنهم حسبوه بعيدًا محالًا ، هم يشاهدون كل يوم مثله وأعجب . فإن بين الأرض والشمس مسافة ثلاثة وتسعين مليون ميل ، وهذه أنوارها تصل إلينا في أقل من لحظة . وإن النور يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلومتر .
وهذا النور الذي يقطع المسافات في هذه السرعة ، وقد حققوا أخيرًا أنه مادة أي جوهر لا عرض . فإذا كان واهب الوجود وهب النور وهو جماد هذه السرعة والقوة ، فكيف يعجز أو يبخل أن يعطيها أفضل خلقه ؟! وإذا كان أعطاها هذا النور الحسي الذي يهدي الأبصار ، فكيف لا يعطيها ذلك البور صلى الله عليه وسلم الذي يهدي البصائر ؟! وشتان ما بين النورين على أن ما أحدث التلغراف والراديو من نقل الأصوات والكلام يقرب لهؤلاء المعراج ، ويقطع عليهم التعلل بالمسافات والأبعاد .
وأخيرًا فأغلب شبهات المعراج هي شبهات في الحقيقة على القدرة وهي لا تروج إلا عند من ينكر الإله القادر الفعال لما يشاء . وقد أصبح الإيمان اليوم بالقادر الفعال من الضرورات الأولية لا ينازع في ذلك إلا قوم يعشقون الإلحاد والكفر لذاتهما لأن أنفسهم تشتهيه ، لا لأن لديهم عليه براهين ومحاولتنا أن يؤمن هذا الصنف بالمعراج والإسراء وبالإله أيضًا عبث .