فهرس الكتاب
كحياتهم قبل أن يموتوا . بل قد يقولون: إن حياة الأنبياء ، وتصرفهم في موتهم أكمل من ذلك في حال الحياة . وهذا غلط شائع . وإلا فما معنى الموت حينئذٍ ؟! إنه لا موت على رأيهم . وهذا خلاف الدين والضرورة والإجماع .
وأما إنه رأى النيل والفرات في السماء وهما نهران في الأرض ، فقد سلف الكلام على ذلك في بحث خاص .
وأما إنه رأى نسمات الكفار في السماء والله يقول: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة ) فيقال: إن الآية في جانب والحديث في جانب آخر ، فالآية تعني أن الكفار لا يدخلون الجنة وقوله بعد ذلك ( ولا يدخلون الجنة ) كالتفسير لذلك . والحديث دل على أن أرواح الكفار قد يعرج بها إلى السماء حينًا لحكمة ، كما فعل في المعراج على أنه مثلت له أرواحهم تمثيلا ، فرأى مثلها لا أعيانها .
وأيضًا الآية تعني أن الكفار في الشأن الغالب لا يعرجون إلى السماء شأن المؤمنين . فأن المؤمنين يعرج بهم حين الموت إلى السماء وأما الكفار فيذهب بأرواحهم إذا ماتوا في أسفل سافلين . هذا هو ما تعنيه الآية ، ولا تنفي أن يذهب بأرواحهم يومًا لحكمة إلى السماء على أن مثل هذه العبارة قد تعبر عن الرحمة والقبول ، كما يعبر عكسها على عكس هذا المعنى . فيقال مثلا: هذا دعاء تفتح له أبواب السماء ، وهذا عمل تغلق دونه أبواب السماء . ويراد بالأول أنه دعاء مرضي مقبول ، وبالثاني أنه عمل غير صالح ، فهو مردود . فكذلك قول الله ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) يريد أنهم بعداء مغضوب عليهم وقد يقول العربي صاحب اللسان"لا تفتح لفلان أبواب الملوك". ولا يعني بقوله هذا أنه لا يدخل على الملوك أبدًا ، وإنما يعني أنه ليس بصاحب جاه ولا مقام عند الملوك ، ولا ممن تعظهم الملوك ، كما يدل عكس العبارة على عكس المعنى . ثم إن الآية تريد أنهم بأجسامهم لا يدخلون في ملكوت السماء ، وفي حديث المعراج رأى أرواحهم فقط .
وأما قولهم: وهل الأرواح ترى . فيقال في الأرواح مذهبان: الأول ، وهو القول الصحيح ، لا ريب أن الجواهر ترى ، وأنها من مدركات الأبصار . وعلى المذهب الثاني
يقال: لا ريب أن الأعراض والمعاني ترى إذا مثلت أجسامًا . وقد كانت الملائكة يتمثلون ، وكذلك الجن . ومستحضروا الأرواح الآن من الفرنج وغيرهم يدعون أنهم يرون الأرواح ، وأنها تخرج لهم بصور أناس محسوسين فيحسونها . وهذا يوافق آراء طوائف من علماء الإسلام سلفوا ، وعلى كل حال ليس هذا خارجًا عن متناول القدرة الإلهية .
وأما قولهم: إن الملائكة شقوا صدره عليه السلام . فنقول: هذا حق لا شيء فيه . والجراحون الآن من الأطباء يعلمون عمليات في الجراحة هي أعظم من هذا .
وأما قولهم: إن الهواء يفقد بعد أميال فوق الأرض ، فلا يمكن أن يعيش أحد فوق منقطع الهواء . فنقول: نحن لا نريد أن نجادل هؤلاء كما يجادلهم فريق من المؤمنين بتلك الطريقة التي لا نرضاها المنطق ، وهي أن نجتهد بأن نقيم لهم الدلائل على أن ذلك الأمر جار على ناموس الطبيعة المطردة ، وأنه مألوف في الخلق معروف ، وليس غريبًا في بابه . فإننا إذا ما فعلنا ذلك أخرجنا ذلك الأمر عن أن يموت معجزًا ، وأن يكون من خصائص النبوة . وهذا صنع من لا يقر بالإله القادر الفعال ، وصنع من ينكر الرسالة والمعجزات والخوارق . وهذا هو أصل الدين وعماده .
وإنما الطريقة التي نرضاها ، ويرضاها المنطق في إثبات هذه الحقائق أن نقول لمن يخاطبنا في ذلك: إما أن تكون مؤمنًا بالله وبالرسالة والرسل ، أو تكون منكرًا ذلك ، غير معترف بشيء منه . فان كنت الأول لم يكن علينا إلا نبين لك أن هذا الأمر قد جاء بسند صحيح عن صاحب الرسالة ، وهذا الأمر كاف بالإثبات لأن الأمر جائز ، وإنما يتوقف إثباته على ثبوت سنده . وإن كنت الآخر قلنا لك: أنت إلى إقامة الدلائل على الإله والرسول أحوج منك إلى إثبات المعراج ونحوه من جزئيات الدين . هكذا يكون أسلوب الجدل والرد على المنكر . وليس من الأسلوب الصحيح ، والطريقة المرضية في البحث أن نجيء من ينكر الله ، وينكر أنبياءه وكتبه ، ونتعب أنفسنا في سبيل أن نقنعهم بأن المعراج ونحوه ليس خارجًا عن ناموس الطبيعة ، ولا مما يختص به صاحب الرسالة ، ولا مما يدل على العناية والإصطفاء. فإننا في مثل هذا لا نصل إلى النتيجة التي نحاول الوصول إليها،
وهي أن تثبت أن محمدًا رسول الله ، بل نحن نسعى في صد الناس عن الإيمان بذلك ، لأننا إذا أقنعنا ذلك المخالف بأن المعراج ليس مما يخص رسول الله بل يكون ذلك له ولغيره على حسب نواميس في الطبيعة نزعنا الإعجاز من ذلك . وهل يكون الرسول رسولًا إلا بالمعجزات ؟! .
ومن العبث واللعب في البحث أن نذهب لنقيم الدلائل على المعراج لإنسان يجهل قدرة الله ، أو يجهل الله ذاته ، وينكر المعجزات والآيات وجميع الخوارق ، ولا نبدؤه بإثبات هذه الأمور قبل كل شيء ، بل يلزم أن نبدأه بإقامة الدلائل على الله وعلى قدرته ، وأنه يفعل ما يشاء . ولكن أساليب البحث في هذا العصر عقيمة غير منتجة . والناس متقدمون في عصرنا في الحسيات والتجريبيات ، متأخرون في العقليات والنظريات . وليس بين الأمرين تلازم . فإن الأطفال والصناع يحذقون الأمور الراجعة إلى التجارب ، ولكن يجهلون الأمور الراجعة إلى العقل والنظر . بل الأمور التجريبية قد يعرفها الحيوان الأعجم ويتقنها ، ولكن لا يعرف شيئًا من العقليات . وأنت إذا ما تدبرت هذه المناقشات والمساجلات التي تتردد في الجرائد والمجلات والكتب الحديثة رأيت ما رأينا في أهل هذا العصر من تأخر الأساليب المنطقية الجدلية .
هذه هي الطريقة التي نرضاها ويرضاها المنطق . وإلا لو أردنا الطريقة التي لا نرضاها ولا يرضاها المنطق لقلنا لهؤلاء المخالفين يا سبحان الله ! هؤلاء الفرنج يحاولون الطلوع إلى القمر والمريخ ويأملون أن يكون ذلك يومًا ، ويصدقهم هؤلاء في هذا الأمل ، ولا يعدونه محالًا على قدرتهم . فكيف لا يسلمون مثله لقدرة الله جلت قدرته ؟! أليس هذا هو النقص في التفكير الذي ليس بعده نقص !؟ أوليس الذي خلق الهواء وخلق الإنسان ، وجعله محتاجًا إلى الهواء والنفس قادرًا أن يجعل عباده مستغنين عن الهواء عائشين بدونه ؟! أوليس الذي جعل الأجنة في بطون الحاملات يعيشون بدون هواء ولا نفس ، والذي جعل الأسماك تعيش في بطون البحار ولا تحتاج إلى ما يحتاج إليه حيوان البر من الهواء والتنفس قادرًا أن يجعل من يشاء من عباده غنيًا عن ذلك ؟! أوليس الهواء وما فوق الهواء خاضعًا لله تعالى ، والله قادر أن ينقله من مكان إلى مكان حسب ما يريد ،
وحسب ما يشاء ؟! وهذا الإنسان الضعيف ، يتلاعب الآن بالهواء ، ويسخره ، فيسوقه من مكان إلى مكان ، ويفرغ منه ما يشاء ، فيجذبه إلى الغواصات والغواصين في أعماق البحار . فكيف يعجز الله الخالق لكل شيء عما استطاع الإنسان الضعيف الذي لا يعيش من ضعفه بدون الهواء ؟! .