فهرس الكتاب
أما قولهم: لماذا لم تذكر سورة الإسراء المعراج مع الإسراء ، وهما في ليلة واحدة . فنقول: إن العلماء قد اختلفوا هل كان المعراج والإسراء في ليلة أم ليلتين . قال بكل طائفة . واحتجت كل طائفة بروايات . فقد جاء في الروايات الصحيحة ما قد يدل على أنهما كانا في ليلة واحدة وجاء فيها ما قد يدل على أنهما كانا في ليلتين . وعلى الرأي الأخير يسقط هذا السؤال جملة . وعلى الأول نقول: إن لله تعالى حكمة بالغة في ذكر الإسراء في السورة دون المعراج . وذلك أن الله علم أن المشركين والمخالفين سوف ينكرون ذلك كله إذا ما حدثهم به رسول الله عليه السلام ، وسوف يهزؤون برسول الله من أجله . وقد حدث هذا . أما الإسراء فانه يقدر أن يصدق قوله إذا كذبوه بأن يذكر لهم بيت
المقدس ، وصفة المسجد الأقصى ، فينتصر عليهم ، وتكون له الحجة . وهذا قد كان . وأما المعراج فبماذا يكذبهم إذا كذبوه ، وبماذا يصدق قوله ؟! فلو نعت لهم السماء وما رأى فيها لما كان في ذلك مقتنع لهم، ولا حجة عليهم لأنهم لا يعرفون ما هنالك. فكان من الحكمة البالغة أن يذكر في سورة الإسراء التي تتلى على المشركين المعاندين الإسراء دون المعراج، حكمة منه بالغة.
على أن الإسراء إلى بيت المقدس إنما كان مقدمة للمعراج، وطريقًا إليه، على القول بأنهما كانا في ليلة واحدة. قد يكون حينئذٍ من الجائز المناسب المعهود أن يذكر الإسراء دون المعراج، لأنه إذا ذكر الإسراء علم أنه يعني به ما بعده. ومن أجل ذلك يذكر كثير من المؤلفين المعراج في باب الإسراء. والقرآن يقول ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ) وهذه الآيات فيما يبدو ، ولمن فكر جيدًا ، هي الآيات التي رآها في المعراج . فأشار إلى المعراج بما وقع فيه من الآيات والعجائب . وليس بلازم ذكره نصًا . ثم إن المعراج قد ذكر في سورة النجم كما تقدم . فذكر الإسراء في سورة ، وذكر المعراج في سورة أخرى , وما في هذا شيء من الغرابة .
وأما قولهم: إن الأحاديث متخالفة . فنقول: إن الاختلاف لم يقع في أصل المعراج . فإن الروايات كلها مجتمعة على وقوع المعراج ، وإنما كان بعض الاختلاف في بعض صفاته وهيئاته ، كما ذكرنا . وقد قدمنا في أحاديث انشقاق القمر وأحاديث الدجال أن كل أمر عظيم ذي بال لا بد أن يقع في صفته وهيئته وشكله اختلاف ، وأنه على قدر عظمه يكون الاختلاف في ذلك . ولكن ذلك الاختلاف لا يقدح في وجود ذلك الأمر الذي اختلف في صفاته يقينًا . وقدمنا هنالك أن الاختلاف قد وقع في صفات الرسول ، والملائكة ، والجنة ، والنار ، وفي الحساب والعقاب ، وفي أعمال الرسول عليه السلام ، وفي سائر عظماء التاريخ ، ولم يدل هذا على أن هؤلاء لم يوجدوا عند أحد من خلق الله . فكذلك أحاديث المعراج لا يدل الاختلاف في بعض صفات المعراج على أن المعراج لم يقع . وهذا ضروري .
ونحن هنا لا نتعرض للتوفيق بين الروايات نفسها . فإن ذلك ليس مما قصدنا له في هذا الباب . على أن من حاول أن يجمع بين الروايات كلها في المسائل الكبيرة كالمعراج ، والدجال ، وأحوال الساعة فقد حاول محالا في رأينا . إذ لا بد أن يكثر الدخيل في ذلك لكثرة التحديث به ، وكثرة روايته ولاشتهاره والعناية به .
وأما قولهم: إنه وقع في أخبار المعراج أشياء لا يمكن أن تكون صحيحة ، فلا يمكن أن تكون الأخبار إذًا صحيحة . فنقول: هذه الأشياء المذكورة إما أن تكون محالة الحصول ، كانت أخبارها هي الكذب فقط دون أخبار المعراج . ولا مانع أن يقع في الحادثة الواحدة صدق وكذب ، ومحال وجائز ، فيكذب الكذب والمحال ، ويصدق الصدق والجائز . وذلك كالأخبار عن حاتم الطائي بالكرم ، وعن عنترة بالشجاعة وعن قيس بن الملوح بالعشق . فإن الأخبار عنهم بما اشتهروا به جمعت صدقًا وكذبًا ، ومحالا وجائزًا . ولكن كذبها لا يقضي بأن يكون صدقها كذبًا ، وصدقها لا يقضي بأن يكون كذبها صدقًا . فالأخبار عن حاتم بالجود متواترة ، ولكن دخلها مبالغات لا يقبلها العقل ، ولكن يصدق مطلق الجود له ، وكذلك الأخبار عن عنترة بن شداد بأنه شجاع متواترة ، ولكن دخلها مبالغات لا يصدقها العقل ، ولكن يصدق مطلق الشجاعة له . وكذلك الأخبار عن قيس بن الملوح متواترة بأنه كان عاشقا ، ولكن دخلها مبالغات لا يصدقها العقل ، ولكن يصدق مطلق العشق له . وكذلك حصل في أخبار جميع الرجال المشهورين ، وفي الأحداث الكبيرة . فوقع فيها مبالغات لا تصدق . وقد وقع ذلك في معجزات الأنبياء وكرامات أتباعهم ، وفي أخبار الجنة والنار وما بعد الموت ، وهذا لا يقدح في الحق منه . ومثله أخبار المعراج إذا افترضنا أنه وقع فيها ما لا يكون وجب رده هو دون أصل المعراج . وهذا واضح . هذا على الفرض الأول . وأما إن افترضنا أن الأشياء المذكورة غير محال حصولها بطلت الشبهة رأسًا . فهذه الشبهة لا تقدح في المعراج على جميع الافتراضات .
على أن هذه الأمور المنكرة عندهم قد وقعت في أخبار الإسراء . فهل يكذبون الإسراء لذلك ، والإسراء مذكور في القرآن ؟! على أننا نجاوب عن الأمور المذكورة واحدًا فواحدًا ، لا لأن إشكالها يقدح في المعراج ، بل لأنها هي في نفسها مشكلة عند هؤلاء .
وكتابنا هذا للمشكلات .
أما رؤيته صلى الله عليه وسلم الأنبياء في بيت المقدس ، ثم رؤيته لهم بعد ذلك في السماء ، ففي هذا تفاسير كلها صحيحة:
أولها ـ أن يكون الذي رأى هي الأرواح ، رآها في بيت المقدس ، ثم عرج بها إلى السموات فرآها هنالك . وقد قدمنا الكلام على الأرواح في أحاديث عذاب القبر .
ثانيًا ـ أن يكون الله خلق له عليه السلام أشخاصهم ، فرآهم في السماء وفي الأرض لحكمة بالغة .
ثالثها ـ أن يكونوا مثلوا له تمثيلا . فرآهم وخاطبهم ، وخاطبوه .
هذه التفاسير ثلاثة ، وكلها لها نظائر في فعل الله وفي علوم هذا العصر أيضًا . وليس المعنى في هذا أن تكون الذات الواحدة في مكانين في وقت واحد . لا
وقولهم: كيف يصلون والميت ينقطع عمله كما قال عليه السلام:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله"الحديث . يقال عليه: إن سنة الله المطردة الغالبة أن الإنسان إذا مات انقطع عمله كما في الحديث المذكور ولكن الله قد يخلق خوارق: إما معجزات لرسله ، أو كرامات لأوليائه . كما ذلك للأنبياء وللأولياء في مواضع معلومة . ولكن ذلك لا يتخذ سنة عامة وأمرًا مطردًا شأن المعجزات والكرامات والخوارق . فالحديث الذي يخبرنا بانقطاع الأعمال يخبرنا عن السنة العامة في الأموات. وصلاة الأنبياء ليلة الإسراء والمعراج هي من قسم الخوارق . والخوارق يؤمن بها المؤمنون والكافرون . إلا أن الكافرون يسمون ذلك فلتات الطبيعة ، كما يجعلون ما في الكون من حكمة ونظام من ناموس الطبيعة ، وقد كانت ليلة الإسراء والمعراج كلها خوارق وعجائب . وليس ما حصل فيها طبق السنة العامة المطردة ، ولا ريب في هذا . وقد صح في الأحاديث المتكاثرة أن بعض الأحجار والأشجار والجماد والحيوان كان يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يعقل عنه . وليس معنى هذا أن هذا سنة الأشياء ، وإنما ذلك كله خوارق للناموس العام الشائع . فليراع هذا هؤلاء الذين يجعلون صلاة الأنبياء في ليلة المعراج دليلا على أن الأنبياء أحياء حياة مادية