فهرس الكتاب
على أنه ليس هنالك صور غير مجسمة ، فإن الصور كلها مجسمة . وذلك أن التصوير عرض لا بد أن يقوم بجسم . فالصور التي في الورق هي مجسمة وجسمها الورق ، كما أن جسم هذه التماثيل المنصوبة في الميادين هو النحاس . فالتفريق بين النوعين غير صحيح ، وغير موجود أيضًا . والحكمة التي يذكرها هؤلاء في تحريم الصور تبطل عليهم هذا التفريق . وذلك أنهم يقولون: إنما حرم الشرع الصور حذر الفتنة في الخلق وحذر الرجوع إلى عبادة الأوثان . فإن التماثيل والصور مما يحدث غالبًا . فيقال: هذا الأمر الذي خافوا منه لأنه منشأ الفتنة في عبادة الصور ، موجود في الصور مطلقًا المجسمة وغير المجسمة وهذا لا ريب فيه . فمن ينازع فيما تحدثه صور الملائكة وعيسى بن مريم عليه السلام ، وصور الأولياء كالإمام الشافعي وغيره على الورق وعلى الحيطان لدى من يغلون فيهم ، ويسرفون في تعظيمهم ؟! ومن يشك في أنه لا فتنة في تصوير قائد من قواد الحرب والجيش ؟ على أن الأخبار كلها تدل على تحريم ما سموه غير مجسم . فقد كانت الصور تأتي على الأثواب وما شابهها لبلاد العرب فيأمر رسول الله عليه السلام بتمزيقها وهتكها ويحذر من اتخاذها . على أن غالب ما كان يوجد في الحجاز ذلك العصر هو الصور غير المجسمة . فكان رسول الله صلى عليه وسلم يحرمه ويأباه ولا شك انه إذا حرم الصور تناول تحريمه في أول ما يتناول ما كان موجودًا في بلاد من يخاطبون في التحليل والتحريم .
أحاديث المعراج
قد صحت الأخبار فيما لا يحصى من كتب الإسلام أن رسول الله عليه الصلاة والسلام عرج به إحدى الليالي ، قبل أن يهاجر إلى المدينة إلى السموات العلى ، حتى دنا من رب العزة وتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى الله إليه من الحكم والأحكام ما أوحي ، وفرض عليه الصلوات الخمس ، ورأى الأنبياء في السموات على تفصيل فيه ، ورأى آيات عظيمة كبرى لا يعلمها إلا الله . كل ذلك في ليلة واحدة ، ثم رجع به إلى مكة المكرمة في الليلة فأصبح يحدث الناس ببعض ذلك فصاروا ما بين مصدق ومكذب .
روى ذلك أعلم علماء الإسلام، في أصح كتب الإسلام بعد القرآن . رواه البخاري ومسلم وعامة المحدثين ، وشاع بين الخاصة والعامة شيوعا يكفي بعضه أن يكون المعراج من المتواترات التي لا تقبل النزاع . وقد جهر القرآن بذلك أيضًا ، فقال في سورة النجم ( والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوى ، وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، علمه شديد القوى ، ذو مرة فاستوي ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأى ، أفتمرونه على ما يرى ، ولقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ، عندها المأوى ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، ما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من آيات ربه الكبرى )
فالمعراج ثابت في القرآن ، وفي السنة المتواترة ، فهو من يقينيات الدين . هذا إجمال أمر المعراج بلا تفصيل لكل ما حصل في تلك الليلة العظيمة .
وقد استشكل فريق من الماديين ، ومن يأخذون أخذهم من المسلمين أمر المعراج فأنكروه ، ووجهوا إليه ما يأتي من الشبهات:
قالوا أولًا: إن الأحاديث تدل أن الإسراء في سورة الإسراء منوهًا بشأنه قال: ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ) ولم يذكر المعراج والمعراج بلا ريب أعظم من الإسراء ، وأرفع . فلماذا
ذكر الإسراء دون المعراج ، وهما في ليلة واحدة وفي طريق واحد ، وأحدهما بعد الثاني ؟ ليس لهذا السؤال جواب مرض إلا أن يقال: إنه لم يكن معراج ، أو يقال إن الإسراء كان في ليلة والمعراج في ليلة أخرى . وهذا القول خلاف الأحاديث .
وقالوا ثانيًا: إن الأخبار في المعراج فيها اختلاف كثير ، حتى وقع الاختلاف في الأحاديث الصحيحة منها . ففيها اختلاف هل كان يقظة أم منامًا . وهل كان الإسراء والمعراج في ليلة أم في ليلتين . وهل كان بالروح وبالجسد أم بالروح فقط . وبالجملة وقع اختلاف كثير في كثير من أمور المعراج . والاختلاف إذا اشتد يوجب سقوط الروايات وتساقطها .
وقالوا ثالثًا: في أخبار المعراج ما هو محال لا تمكن صحته . ففيها أنه صلى بالأنبياء في بيت المقدس ، وأنه رآهم في السموات ، ورأى موسى يصلي في قبره . فهل يمكن ذلك ؟ أوليس في هذا ما يشهد على أن الشخص الواحد قد توجد له عدة ذوات إلا أن قال: إن الأنبياء كانوا في تلك الليلة ينقلون من مكان إلى مكان ، فرآهم في الأرض ، ثم عرج بهم إلى السموات فرآهم هناك ، وهكذا يقال في صلاة موسى في قبره
وأيضًا كيف ذلك ؟ فهل أحياهم الله في تلك الليلة ؟! أم الأنبياء أحياء لا يموتون . وأنتم لا تقولون بذلك ، وهو خلاف النص ؟! أو ليس قد صح عن رسول الله انه قال"اذا مات ابن آدم انقطع عمله"إلى آخره ؟! فصلاتهم في بيت المقدس وصلاة موسى في قبره مخالفة هذا الحديث . فأيهما يقبل وأيهما الصحيح !!
وأيضًا قد رأى النيل والفرات عند سدرة المنتهى ، وهذان نهران في الأرض . فكيف يمكن هذا ؟! .
وأيضًا إنه قد رأى نسمات الكافرين والمؤمنين في السماء عن يمين آدم وشماله . وقد قال الله تعالى ( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ) فهل نقبل الروايات ، وقد خالفت القرآن الكريم ؟! ثم هل الأرواح ترى ؟! وهل هي مدركات البصر ؟!
وأيضًا في الروايات أن الملائكة قد شقوا صدره عليه السلام قبل أن يعرجوا به ،
وأخرجوا منه نصيب الشيطان ، وملؤوه حكمة وإيمانًا . وفي هذا كله غرابة وبعد عن العادة .
هذه الأمور كلها تدل على اختلاق الروايات في المعراج . فإن من الدلائل على كذب الرواية أن تحمل ما لا يعقل .
وقالوا رابعًا: إن الهواء يوجد فوق الأرض عدة أميال فقط ، وبعد ذلك يفقد ، والهواء ضروري للحياة . فلا يعيش إنسان ولا حيوان بدونه ، وبدون أن يملأ رئتيه منه . فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرج به إلى ما فوق الهواء لما أمكن أن يبقى حيًا .
وقالوا خامسًا: إن أخبار المعراج تدل على أنه فتحت له أبواب السماء . ونحن نعرف أنه ليس للسموات أبواب تفتح بل السموات لا تقبل الخرق والالتئام .
وقالوا سادسًا: الروايات تدل أيضًا على أن السموات سبع وأنها غير النجوم المعروفة لأهل التنجيم والفلك . وهذا كله غير صحيح .
وقالوا سابعًا: الأخبار تقول إن ذلك المعراج وقع في ليلة واحدة . وهل هذا يستطاع . وكم بين السماء والأرض من المسافات . هذا ما لا يكاد يصدقه العقل .
هذه شبهاتهم على المعراج . وغالب هذه الشبهات هي في الحقيقة شبهات من ينكر القادر المختار . فهي شبهات على جميع الأديان ، وعلى المعجزات عامة . وهي شبهات مادية إلحادية صرفة .