فهرس الكتاب
وأما قولهم إن جواز ذلك يعرض القرآن للضياع ، فهو قول غاية في الوهن والضعف . فان البراهين على حفظ القرآن ، وأنه لم يضع منه شيء ، وأنه متواتر لا يبطلها نسخ التلاوة . فالبراهين موجودة . ومن ادعى أن نسخ التلاوة يبطلها فقد أسرف في الخطأ والغلط . وليس بين نسخ التلاوة وضياع شيء من القرآن ارتباط ما ، إلا أنهما موجودان معًا لا غير . فالنسخ في القرآن ليس فيه ما يصدم الحق أو الدين أو ما يأباه النظر والقياس وقد جاءت به الأخبار الثوابت فحق الإعتراف به . وفائدة هذا النسخ إجمالًا أن يقال: إن إتيان الأحكام والأوامر والنواهي في القرآن يكسبها من القوة والاهتمام ما لا يوجد فيها إذا جاءت في السنة . وهذا لا خلاف فيه . فكان من المصالح التي تذهب مع الزمن جزرًا ومدًا أن تكون بعض أوامر الله ونواهيه بعض الأوقات في السنة . وأن يكون بعضها في السنة مطلقًا ، وبعضها في القرآن مطلقًا ، وبعضها في السنة والقرآن معًا . وفي ذلك كله من الأسرار العالية ، والأغراض الشريفة ما يجعل المتأمل يقف أمامها حائرًا مشدوهًا . فالأحكام الطلبية والإخبارية التي نسخت تلاوتها من القرآن كانت الحكمة أن تكون فيه أول الأمر لتدل على الاهتمام والعناية . وفي الآخر أن تكون في السنة لحكمة أخرى. فوجب علينا الإيمان بذلك . والذين اشتبهوا في نسخ التلاوة ، وقالوا إذا ما جوزنا هذا النسخ جاز الضياع ، لأن النسخ والضياع يجتمعان في أنهما كليهما ليسا في القرآن فاتهم أن النسخ لا يكون إلا بأمر الشارع ، وبعلم الذين يحفظون القرآن أيضًا ، وعلم المكلفين ، فلا يلزم ما ذكروا .
أحاديث التصوير
تكاثرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصور ، وذم المصورين ، وأوعدهم بغضب الله فقال عليه السلام:"إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورين"وقال:"قال الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة ، أو ليخلقوا شعيرة"وقال:"من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ"هذه أحاديث في الصحاح لا خلاف بين حملة الأخبار في صحتها . وكان عليه السلام لا يدع في منزله صورة إلا هتكها ومزقها . وكان يغضب إذا رأى شيئًا من ذلك ، ويأبى أن يدخل بيتًا فيه شيء منه ، ويقول: ( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ) ولم يفرق بين أنواع الصور ، ولا أجاز غير المجسمة وغير ذات الظل كما يتوهم أقوام . بل الأخبار عنه عليه السلام وأسبابها وروحها ومغزاها تدل على أنه لا فرق بين ذلك . بل النهي آخذ ذلك كله . والحكمة تأبى إلا أخذه كما سوف ترى .
هذه أخبار تلقاها المسلمون في صدر الإسلام ، فسهل عليهم العمل بها ، فعملوا بها ، ولم يجدوا بينهم وبين العمل به مانعًا ، ولا وجدوا في ذلك إشكالًا . فلما جاءت الحضارة الحاضرة بفنونها وزخرفتها ، وانتشرت الصور والمصورين ، وإمتلأت الدنيا بذلك ، ووجدت الصور في كل بيت وفي كل يد ، وفي كل جدار ، بل وكل شيء في الدنيا ، حينئذٍ وجدوا هذه الأحاديث مشكلة ، ووجدوا العمل بها لا يستطاع ، بل لا تستطاع معايشة من يريد العمل بها . فالصور والمصورون ، لازمة من لازمات الحياة في هذا العصر ، لا يمكن الغنى عنها . فالتصوير يحتاج إليه في الطب وفي السفر ، وفي الجغرافيا ، وفي الإستعانة على إصطياد المجرمين ، والتحزير منهم ، وفي ضروب العلم كلها ، فصار الناس في هذا طرفين: مُفْرطًا ومُفَرِّطًا ، ولا خير في الإفراط والتفريط . طرف منع التصوير مطلقًا ، ولم يجوز منه شيئًا ، وإن كان لازمًا من لازمات الحياة والعلم . وهذا الطرف هو طرف الجمود والركود ، الذي يعج منه العلم إلى الله عجيجًا . وطرف أباح التصوير مطلقًا ، ولم ير منه شيئًا حرامًا ، وإن كان
تماثيل ، يجعل خزانة الأمة يبابًا تشكو الفاقة والفقر ، وإن كان صور نساء عاريات فاتنات تجر إلى الأخلاق والأعراض والويلات ، وتذبح الفضائل ذبحًا . وهذا الطرف هو طرف المروق والإباحة . ولاحق ضائع بين هذين الطرفين يستصرخ أهل الإعتدال والإنصاف ، وينادي من يأخذ بيده .
ونحن نقول إنه لمن الظلم الممقوت أن نجوز هذه التماثيل الهائلة المقامة على عمد الذهب والفضة ، والتي تأتي على مال الدولة فلا تدع فيه شيئًا في زمن يبكي فيه أكثر الأمة المسكينة جوعًا وعريًا . وليس لهذه التماثيل فائدة تحس أو تعقل ، لا للفرد ولا للجماعة . لا شك في أن مثل هذا لا يجوز في دين ولا عقل . ومن العدوان على الأديان والفضائل أن تباح هذه الصور العاريات المفضوحات ، وأن تتناقلها أيدي العذارى الملتهبات شبابًا وصبوة ، والشبان الذين يذوبون صبابة في كل وجه حسن ، ولو على الورق ، أو في أخيلتهم ، وأن تمتلئ أعينهم بها . ولا يفارقنا الصواب إذا قلنا إن هذه الصور العارية من أقوى عوامل ما نراه اليوم في هذا البلد من فساد الأخلاق وخروج على الفضيلة والدين ، بل هو من العوامل القريبة للأزمة الزوجية التي يعانيها اليوم كل بيت حقير أو رفيع في مصر وغيرها .
فمن أحل هذا النوع من الصور فقد جنى على الديانات والأخلاق والوطن شر الجنايات . كما أن من حرم الصور التي يستعين بها الطب والعلوم فقد جنى على الوطن والعلوم شر الجنايات ، بل وعلى الدين ، واجتهد في التنفير عنه عنه وفي تشويهه .
إذًا فالتصوير قسمان: حرام وحلال . وضار ونافع . والمصورون كذلك فريقان: مفسدون ، ومحسنون . فالقسم الأول هو الذي عنته الأحاديث ، وزجرت عنه ، لأنه هو الموجود في عصر النبوة ، والموجود في بلاد العرب ، فهو الذي قيلت الأحاديث بمناسبته . والقسم الثاني هو الموجود الآن عند الأطباء وأهل العلوم ، وما كان في ذلك العصر موجودًا ولا معروفا ، ولا سيقت الأحاديث لأجله . وهو الذي عناه الله بقوله تعالى في سورة سبأ لسليمان عليه السلام ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) .
فالقول الوسط إذًا الجامع بين أخبار الدين والعقل أن التصوير المفسد الضار حرام ، لا يجوز ، ولا يحل ، وهو الذي أوعدت عليه الأحاديث الصحيحة . وأن التصوير النافع ،
المستعمل في الطب والعلم ، ليس من ذلك، وليس مما تناولته هذه الأحاديث بالتحريم والوعيد ، بل هو ما عنته هذه الآية الكريمة .
أما الذين يفرقون بين الصور المجسمة وغير المجسمة ، فيحرمون الأولى مطلقًا ، ويحلون الأخرى مطلقًا فليسوا على صواب في ذلك . ولا يعضد قولهم عقل ولا نظر . فإن من الصور غير المجسمة ما لا يشك في حرمته ، كصور النساء العارية المسودة بها صحف هذا العصر ، وكصور الأنبياء والأولياء في المساجد والمعابد وغيرها . فإن ذلك مجلبة للفتنة وللزيغ ، كما تفعل صورة المسيح عليه السلام في نفوس من يغلون فيه . ومن الصور المجسمة ذات الظل ما يباح اتخاذها ، وذلك كلعب الأولاد من الحلوى والخرق كما كان ذلك لأم المؤمنين عائشة زوج النبي عليه السلام . فهذا القول غير مطرد ، وغير منعكس .