فهرس الكتاب

الصفحة 1594 من 2255

لقد استعملت دوائر إعلامية وثقافية في الغرب تبرير هذا الخيار في عقلية الفرد الغربي بأن الأزمة التي بدأ الغرب يواجهها إنتاج للصناعة الثقافية والاقتصادية الإسلامية المتداولة في دول الارتكاز الإسلامي المهدِّدة لوجود الغرب وحضارته حسب نظر هذه الرؤية الصاعدة في الغرب.

ونحن نفضل -اهتداءً بهدي سائر أنبياء الله- ألاّ يكون هذا خيارنا الأول، بل أن يكون هناك حرية لإعطاء الفرد الغربي مساحة من الحياد والهدوء يحاول أن يعرف بها الإسلام.

3-حقيقة عادلة:

لا شك أن واقع المسلمين اليوم ليس هو المفهوم الذي رسمه الإسلام تمامًا، وأن الإسلام رسالة متعالية عن الازدراء، والظلم، وصناعة الشر، وهذا معنى شمولي يفترض أن يسمح لكل فرد في الغرب أن يتعرف عليه.

ومع هذا فإننا نعي أن واقع المسلمين -وإن لم يكن تمامًا- هو الإسلام فمن المؤكد أن الإسلام مطبق في واقع المسلمين في شريحة لا تحدها دولة أو لغة، بل هي معتبرة بمفهوم الإسلام الصحيح الوسطي الخالد.

ومن الأمانة والعقل أن نعترف بمظاهر كثيرة من الخطأ في الواقع الإسلامي، لكنها بكل تأكيد لا تمثل كل هذا الواقع، وأيضًا فهي قابلة للمعالجة والتصحيح، والغرب حين يتحدث عن مفهوم سيئ في واقع المسلمين يجب أن يدرك أنه ربما يتحدث عن أنموذج مختار يناسبه، أو يمارس نوعًا من التحريف للحقيقة، والمزايدة على الوهم حين يتحدث عن أنموذج فاضل، لكنه لا يعترف له بذلك، ومن المهم هنا أن يتأكد الغرب أنه ليس يصنع شيئًا لصالحه.

إن مفهوم التعامل الإسلامي مع الغرب يجتمع في آيتين من كتاب الله يدرك حقيقتهما أصحاب العلم، والوسطية في العالم الإسلامي، هما قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين*إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم و ظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) [الممتحنة:8ـ9] .

هذا المفهوم هو الحقيقة العادلة التي رسمها القرآن الذي يؤمن به جميع المسلمين وإن كان بعضهم قد يخطئ في فهمه، لكن من المهم ألاّ نصنع الجو المناسب لهذا الخطأ.

إن منطق العقل يقف ضرورةً لاحترام هذا المفهوم العدلي في التعامل، ومن المؤكد أن الغرب على مستوى القرار لا يمتلك ولو مجرد رؤية معتدلة في التعامل مع العالم الإسلامي.

من الأفضل أن يعي الغرب أن مظاهر الخطأ التي تقع في العالم الإسلامي، وإن كانت تتمتع بأسباب بيئية خاصة إلا أنه من المُدرك -حتى للفرد العادي- أن الغرب من صناع هذا الانحراف الذي قد يكون أزمة تواجه الغرب نفسه، بل هذه حتمية قادمة في ظل هذه الممارسة الغربية لورقة الصراع، وهنا يجب أن يدرك الغرب أن المجتمعات الإسلامية ستكون متسامحة بشكل عفوي، وربما متعاطفة مع كل أشكال المواجهة والعداء للغرب دون امتلاك فرصة كافية لقراءة التصرفات وصوا بيّتها

4/ كهنوت السياسة والاقتصاد:

الدور البائس الذي لعبه رجال الكنيسة ضد الفرد في المجتمعات الغربية في القرون الوسطى يلعبه اليوم بشكل أكثر سحقًا للفرد الغربي مجموعة من رجال السياسة، وبعض الفصائل الفكرية الغربية، وكثير من مؤسسات المال والاقتصاد والإعلام التي لا تمتلك معرفة كافية بقوانين الوجود، وحركة النظام الكوني، بل تتصرف تحت رؤية خيالية أشد وهمًا من تلك المواعدات التي رسمها رجال الكنيسة والبابوات.

الحرية الغربية يشكلها الأقوياء فقط في الغرب، والذين يولدون يتجهون نحو الأقوى في التأثير، ومن المؤكد أن هؤلاء لا يمتلكون خيارات كافية، ومن المؤكد أن الأقوى ليس بالضرورة هو الأفضل.

لقد أنتجت الحضارة الغربية المعاصرة ليس للفرد الغربي فحسب، بل لقطاع عريض في العالم مجموعة من الإيجابيات في حركة التطور والصناعة والتقنية والتقدم العلمي في علوم الطبيعة والتجربة والتخطيط، وإن كانت كثير من دوائر القوة والسيطرة في الغرب تحاول المحافظة على التخلف الذي تعيشه دول العالم الإسلامي في هذه المفاهيم وما شاكلها، وتطلب ثمنًا باهظًا لتقديم اليسير لدول العالم الإسلامي، ومع هذا التقدّم فقد أبقت الحضارة الغربية فراغًا واسعًا في مفاهيم كثيرة ضرورية لحفظ الفضيلة والعدل، تلك التي حاول الفلاسفة الغربيون في عصر التنوير أن يشكّكوا في مصداقيتها، وجاء الواقع الغربي اليوم نتيجة لهذه الفلسفة التي تعالج هذه الفراغات بتهمة وهميّتها، وعدم التأكد من ضرورة وجودها، وكان أخص هذه المفاهيم قانون الثقافة والتفكير، ونظام المجتمع التي عالجها الغرب بفلسفة ( الحرية ) تحت سلطة (العلمانية) .

إن العلمانية تُستعمل في الغرب سلطة وليست مفهومًا معالجًا، وهكذا هي في الرسم الفلسفي لها، لكن كثيرًا من المجموعات الغربية ولاسيما الثقافية تريد أن تتحدث عن العلمانية كمفهوم راقٍ، مؤهل لحل مشاكل العالم كله، وأن على المسلمين أن يستوعبوا هذا الحل ويؤمنوا به كضمان لتطورهم، وصلاحيتهم للبقاء كما يفترض (فرانسيس فوكوياما) ، وكأنه نسي أن الغرب حين صدّر العلمانية أو فرضها في بعض الدول الإسلامية أوجد أزمات من الارتكاس والتخلف، ولم يستنكر الغرب الاستفادة التي اقتبستها العلمانية في بعض البلاد الإسلامية من العقلية الشيوعية في فرض الذات والاستبداد والدكتاتورية، وربما كان هذا شكلًا من العلاقة معقولًا في فلسفة الغرب!!

وإن كنا ندرك أن العالم الإسلامي ليس أرضًا صالحة للعلمانية مهما كانت الظروف؛ لأنه لا يعاني مشكلة مع الدِّين كما عانى ويعاني الغرب.

صحيح أن هناك مشاكل نسبية مصدَّرة إلى الغرب، لكن بكل تأكيد فإن الغرب يصدر للعالم الإسلامي مشاكل أكثر عمقًا، وأيضًا فإن من السذاجة والوهم أن يُفترض أن المشاكل الملحة في الغرب مصدرة من العالم الإسلامي.

إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر يجب ألاّ تتحول إلى سلطة تحاصر التفكير والعقلانية في قراءة المشكلة التي تواجه الغرب.

يقول أحد فلاسفة الغرب: إن كل إنسان يمكن أن يكون مفكرًا حرًا.

وربما كان يتحدث عن حقيقة مهمة، وهي: أن كل إنسان يمكن أن يتعرف على الحقيقة.

بدون شك المجتمع الأمريكي يشكل سوقًا مفتوحة للأفكار كما يقول (فوكوياما) ، ولكن الأقوى من الفكر هي مؤسسات الضغط، والتأميم الغربية السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، التي تتمتع بتقاطع في المصالح خاصة في حركتها داخل المجتمع الغربي المستهلك، وإن كانت قد تكون قادرة على التوحّد في الحركة الخارجية إلى حد ما.

إن الفرد الغربي هنا يعيش تحت سلطة هذه المجموعة الساحقة لخياراته الخاصة.

صحيح أن الفرد في الغرب يشعر بنوع من التعدّديّة في الاختيار، لكنها خيارات محدودة فرضها تصارع القوى المنتجة داخل المجتمع الغربي، وفي دائرة اللاوعي فإن الفرد الغربي لا يتمتع بحرية خاصة، بل يبقى أن الخيارات الثقافية والاجتماعية مفروضة عليه باسم الحرية، والحقيقة أنها مجموعة من السلطات المتعددة المستبدة، وربما كانت الكنيسة أكثر هدوءًا وعفوية في استهلاك الفرد لصالحها.

5/ غطرسة القوة والشر:

إن الغرب يعيش مشكلة ملحَّة في داخله هو عاجز عن قراءتها، وهنا من الأفضل أن يصرف جهوده المزعومة لمعالجة مشكلة العالم الإسلامي إلى قراءة مشكلته الخاصة التي لم يكن العالم الإسلامي يومًا طرفًا فيها بإقرار الغرب نفسه.

إن الغرب عاجز عن استيعاب ذاته، كما هو عاجز عن استيعاب الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت