فهرس الكتاب

الصفحة 1562 من 2255

ونحن يمكن أن نستفيد بعض صور حماية البيئة من هذه الحضارة ؛ لأن كثيرا من جوانب حماية البيئة يعتمد على التقدم التقني الذي سبقنا فيه الغرب. هذه المقدمة العامة أردت بها بيان أن المسلم حينما ينتقد الحضارة الغربية ليس ضدها بإطلاق ولكنه ضد ما فيها من ظلم وتعدِ على الضعفاء وازدواجية في المعايير. والآن ماذا عن قيم هذه الحضارة التي نرى أنها سقطت بعد الحادي عشر من سبتمبر؟

الحضارة الغربية لها قيم فلسفية تدعو إليها ، ولهذه القيم صور تطبيقية تسعى هذه الحضارة لنشرها، ومنها حقوق الإنسان والديمقراطية، وهي تقوم على صيانة الحقوق وتحقيق العدل وحرية الاختيار وحرية التعبير. ويرى بعض من يغالي فيما وصلت إليه الحضارة الغربية من قيم أنها أقصى ما يصبو إليه إنسان ، وأنها تمثل نهاية التاريخ كما صرح بذلك (فوكاياما) في كتابه"نهاية التاريخ". فهو يرى أنه بانهيار الاتحاد السوفيتي انهارت جميع التجارب البشرية وبقيت تجربة الحضارة الغربية المتمثلة في الرأسمالية وأنموذج الديمقراطية في السياسة التي تستعصي على الانهيار والفشل.

وبادئ ذي بدء لابد أن نقرر أن عددا من القيم التي وصلت إليها الحضارة الغربية ونادت بها ولاسيما تلك المتمثلة في حقوق الإنسان تمثل حاجة بشرية وتحقيقها في الواقع هو مطلب بشري ملح. ومآخذنا معشر المسلمين على حقوق الإنسان هو في قضايا محددة مثل التوسع في الحرية الشخصية إلى القدر الذي يضر بالإنسان ويهدد الفضيلة في المجتمع ، والتوسع في حق حرية التعبير بالقدر الذي يضر بقيم

واتجاهات المجتمع كالتدين والعفة والفضيلة . أما صيانة حقوق الأفراد وتحقيق العدل والتساوي في الفرص المتاحة لجميع أفراد الشعب فهذه من الحقوق التي تقرها الأديان جميعها فكيف بدين الإسلام؟!

وكذلك الديمقراطية ليست مشكلتنا معها معشر المسلمين أن الشعب يحكم نفسه بنفسه من خلال مجالس شورى أو برلمانات منتخبة أو معينة لها صلاحيات حقيقية. والبديل لحكم الشعب بنفسه هو حكم الفرد وتسلطه ، وهذا هو الظلم والطغيان الذي حذرت منه الشريعة. إن مشكلة المسلم مع النظام الديمقراطي ليست هنا، ولكنها في أن يشرع الشعب لنفسه، والتشريع هو حق لله - عز وجل - لا يشركه فيه أحد. وهناك فرق كبير بين الحكم والتشريع.

من الشعارات التي رفعتها الحضارة الغربية في وجوه مخالفيها شعار حقوق الإنسان. هذا الشعار رفعته في وجه المعسكر الشرقي ، ورفعته في وجه بعض دول ما يسمى بالعالم الثالث أو الدول النامية ورفعته في وجه بعض الدول الإسلامية، ونحن لا ننكر أن كثيرا من الدول التي انتقدت في مجال حقوق الإنسان يوجد فيها تعد صارخ على الإنسان ؛ فهو مضطهد ومضيق عليه بسبب آرائه ومطالبته بحقوقه وحقوق العامة من الشعب ممن لا يجدون ناصرا لهم. ومن حقوق الإنسان حقه في المحاكمة العادلة وأنه بريء حتى تثبت إدانته ، وحقه في المعرفة وحقه في التعبير عن رأيه. ومن الشعارات التي رفعها الغرب شعار

الديمقراطية واحترام إرادة الشعوب.

هذه المبادئ وغيرها كان الغرب يطرحها منذ زمن حتى في عصور الاستعمار المقيتة. وكان الفلاسفة في الغرب يطرحون هذه القضايا وينادون بحرية الإنسان وكرامته ، بينما كانت الجيوش المستعمرة تدك قيم الإنسان وتمتهن كرامته في شتى بقاع الدنيا. كتب الكاتب الاسترالي الجنسية الإنجليزي الأصل (كليف تورنبل) كتابه"الحرب القذرة"وروى فيه كيف أباد الانجليز سكان جزيرة"فان ديمين"أو ما يعرف الآن ب"تسمانيا"في استراليا. وروى (كليف تورنبل) في شهادته القيمة كيف بلغت الوحشية ببعض الانجليز المستعمرين أن أكلوا خصومهم أحياء في الوقت الذي تبث فيه الدعاية الاستعمارية أن الرجل الملون من أكلة لحوم البشر زورًا وبهتانًا.

ويقول (تورنبل) : إنه لم تسجل حالة واحدة أن شعب (تسمانيا) أكل أحدا من البشر بينما سجل عددًا من الحالات التي أكل فيها متوحشو الإنجليز خصومهم. وجرائم الاعتداء على الكرامة البشرية مارسها الأبيض الأوروبي ومن بعده الأمريكي في شتى بقاع الأرض في أمريكا مع الهنود الحمر وفي أفريقيا وفي آسيا وفي كل مكان فيه شعب ملون. ولم يتحرك الضمير الغربي ، ويجعل من قيم الحرية العدالة والمساواة قيما عالمية ويفعلها في مؤسسات دولية إلا حين اعتدى الرجل الأبيض على أخيه الأبيض بعد الحرب العالمية الأولى فأنشأت الدول الأوربية عصبة الأمم، ولكن هذه المؤسسة عجزت فانفجرت الحرب العالمية الثانية فأنشأت الدول الغربية هيئة الأمم المتحدة وأعلنت ميثاق حقوق الإنسان. وظن العالم أنه دخل في عصر جديد تحترم فيه حقوق الإنسان وينتشر العدل ولا يغير فيه القوي على الضعيف. ولكن ياللسخرية، ففي الوقت نفسه الذي صدر فيه ميثاق حقوق الإنسان في أروقة هيئة الأمم المتحدة في الولايات المتحدة الأمريكية كان المجتمع الأمريكي يعيش تفرقة عنصرية قاسية ، وكان الرجل الأسود عليه أن يتأكد من اللافتة الموضوعة على دورة المياه هل هي خاصة بالسود أو بالبيض قبل أن يدخل ويقضي حاجته.

ومع ذلك كانت القيم التي تتبناها الحضارة الغربية تعظم وتنتشر ، ومؤسساتها تتنامى والمجتمع الغربي يحاول أن يتخلص مما يضاد حرية الاختيار عند الفرد ويقيم المؤسسات التي تضمن له حقوقه. ولما سقط الاتحاد السوفيتي رفع الغرب شعار"العولمة"فظننا أننا دخلنا عصرا جديدا من عصور حقوق الإنسان حيث يتمتع الإنسان أيا كان لونه وعرقه بحقوقه كاملة وتتمتع الشعوب أيا كان لونها وعرقها بحقوقها وتمارس حريتها في الاختيار في تحديد مصيرها. وظن كثيرون أن الشعارات المرفوعة في الغرب شعارات حقيقية وأن العدل قيمة مطلقة لا تحابي لونا أو جنسا أو شعبا .

ووقف الغرب من خلال مؤسساته العتيدة (هيئة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان) يقيم المؤتمرات و يعلم الناس قيم الحضارة ويصحح ما عندهم من أخطاء ، ويأمرهم بالانضمام إلى ما قرره من عهود ومواثيق تحمي حقوق بعضهم الآخر المهمل (المرأة والطفل) .

وظن كثيرون منا أن ذلك حقيقة حتى وقعت حادثة الحادي عشر من سبتمبر، وهنا وقعت الحضارة الغربية على المحك مرة أخرى، وكان عليها أن تثبت أن القيم التي تتحدث عنها قيم عالمية لا لون لها ولا عرق وليست مفصّلة على مقاس الرجل الأبيض !!

إن القيم الحقيقية ليست القيم التي نتبناها في وقت السلم فإذا جاءت أوقات الشدة تخلينا عنها. إننا نكون صادقين فيما نحمله من قيم حينما نقدم هذه القيم على مصالحنا ورغباتنا التي تعارضت معها. إننا لا نستطيع أن نحكم لشخص بالصدق أو الوفاء والأمانة إلا إذا تعرض للامتحان فوقع صراع بين مصلحته وقيمه فقدم قيمه على مصالحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت