إنَّ الغيرةَ على دينِ الله يجب أن تكون هاجسُ كل واحدٍ منا ، وهمًا في عروق كل مسلم صغيرًا كان أم كبيرًا ، ذكرًا ًكان أم أنثى، عالمًا أو جاهلًا ، صالحًا أو فاسقًا ، فلا يصحُّ أن تكون الذنوبُ والخطايا حاجزًا وهميًا بين العبد وبين العمل الإيجابي لهذه الدين، نريدُ أن يكون همَّ هذا الدين يلاحقُ المرأةَ في بيتها، والرجلُ في متجره، والمعلمُ في فصله ، والطالبُ مع زملائه، والموظف في دائرته ، بل ويحملهُ الشاب على الرصيفِ وفي مدرجاتِ الملاعب ، فلم تكن الخطيئةُ يومًا مهما عظمت حائلًا بين المسلمِ وبين أن يُساهم في نُصرةِ هذا الدين، فقد ذهب بعضُ الصحابة إلى غزوة أُحد بعد ليلةً من شرب الخمر كما في البخاري ، اصطبح أناسٌ الخمر يوم أُحد ثُمَّ قُتلوا شهداء .
وفي قصة أبي محجن الثقفي لنا عبرةً وعظة، فقد كان يشرب الخمر ، وفي القادسيةِ شربها، فعاقبهُ سعدٌ بأن حرمَه من القتال، وكبلهُ بالقيود ، ولما اشتدَّ القتال وحميَّ الوطيس وانكشف المسلمون، أخذت أبا محجن الغيرةَ للدين والحميةَ لأهله، فطلب من زوجةِ سعدٍ أن تفكَّ قيده، وأن تعطيه خيلَ سعدٍ على أن يعود بعد المعركة إلى قيده، وتوسل إليها قائلًا
كفى حزنًا أن تلتقي الخيل بالقنا وأترك مشدودًا علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وغلقت مصادر مع دوني قد تصم المنادي
ارمني سلاحي لا أبا لك إنني أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا
ولله عهدٌ لا أبخس بعهده لئن أفرجت ألاَّ ازور الحوانيا
فرحمتهُ امرأة سعد، وأعطتهُ الخيل، فشقَّ الصفوف وأثخن في الأعداء، وأبلى بلاءً حسنا .
إن أقوى الناس دينًا أعظمهم غيرةً على حُرمات الله وحدوده ، فمحبُّ الله ورسوله يغارُ لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبهُ من الغيرة لله ورسولهِ، فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنَّهُ من المحبين ، فكيف يصحُّ لعبدٍ أن يدعي محبةَ الله وهو لا يغارُ لمحاره إذا انتهكت، ولا لحقوقه إذا ضيعت .
أخي المسلم إن مما يقوي الغيرة في قلبك، أن تستشعر المسؤولية وجسامتها، وأن تُقدرَ الخطر الداهم على أمتك، وتستشعر استمرارية دُعاة الباطل في إشاعة باطلهم، (( ) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )) (التوبة:32) .
(( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) ) (صّ:6) .
(( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ) (لأنفال:36) .
أو لم تسمع عن مُنصرين يمكثون سنوات في الصحاري القاحلة، والمناطق الآسنة، دون انتظار أجر دنيوي، وإنِّما نُصرةً لباطلهم ونشر الضلالة .
فما بالنا معشرَ المسلمين يجلسُ الواحدُ منا شبعان متكأً على أريكته، إذا طلب من نصرةِ دينهِ الحق، أو كُلف بأبسط المهام، أو عُوتب لاستغراقهِ في اللهو والترفيه انطلق كالسهم مرددًا، (( يا حنظلةَ ساعةً وساعة ) )هذا إذا سلمَ من قدحِ العاملين، ولمزِ المجاهدين، وتثبيطِ همم الباذلين.
تبلدَ في الناس حسن الكفاح وقالوا الكسب والعيش رتيب
بكاءٌ يزعزع من همتي سدود الأمين وعزم المريب
ألا فليستثر الشعور بالاستحياءِ من الله عز وجل في قلوبنا، حين نرى من الإخلاص لهم عند الله ، يُكرمون ويضحون لنصرة باطلهم، ويوفون مع إمامهم إبليس بالعهد الذي قطعه على نفسه، فبعزتك لأغوينهم، في حين يتباطأ كثيرٌ من المسلمين عن نصرةِ دينهِ الحقِّ، مع أنهم عاهدوا على الانقياد لشرعه (( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ) (المائدة:7) أقول هذا القول .
الخطبة الثانية
أما بعد .
فإننا إذ نتحدثُ عن الغيرةِ على دين الله، وننظر بعين الأسى والحزن لواقع الأمة، فإننا ننظرُ بالعين الأُخرى إلى ما يجري في عراق العزِّ والإباء، فعن أيِّ شيءٍ نتحدث .
هل نتحدثُ عن عيدهم عيدنا ، عيدهم نارٌ ودمار ، ودماءٌ وأشلاء، عيدهم جروحٌ غائرة ، ونفوسٌ ثائرة ، عيدهم أطفالٌ يتامى ونساءٌ أيامى ، وشيوخٌ ثكالى ، عيدهم مساجدُ تهدم ، وجراحٌ تنزف، وحثثٌ ملقاةٌ في الشوارع ، وعدوٌ صليبيٌّ يسومهم سُوءَ العذاب، هذا عيدهم ، أما عيدنا ،فغناءٌ وطرب ، ولهوٌ ولعب ، رجالٌ يختلطون بالنساءِ وشبابٌ يرقصون، عيدنا فنان يغني على ساحلِ البحر، في ليلةٍ الجمعة فغباء؟ تسمعه حتى النساء
أهنئكم وعينُ القلب تجري على أحبابنا في الرافدين
وأشجبُ صمتكم وأقولُ إني براءٌ من عميل أو خؤون
ففي أعيادكم لعبٌ وحلوى وألوانُ المعازفِ والمجون
وفي فلوجةِ الأبطالِ قتلٌ وحربٌ للصليب تجاهَ ديني
هل نتحدثُ يا مسلمون عن الحضارة الغربية المزيفة، والمدنيةِ الغربية الكاذبة، والتي يُمجدها المستغربون، ويغني لها المنهزمون ، والتي ظهرت معالمُها على أرض العراق ، هدمًا للبيوت على العزَّل، وإجهازًا على الجرحى، وتخريبًا للمُدن وإهلاكًا للحرث والنسل، وتترسًا بالأطفال الأبرياء، وانتهاكًا لحُرمات المساجد، وتمزيقًا للمصاحف، وإهدارًا لكرامةِ الإنسان، هذه هي حضارتهم، وتلك حريتهم التي جاءوا يبشرون بها، فيا ليت المنافقين يعقلون .
هل نتحدثُ يا مسلمون عن الأسودِ المزمجرة، والصواعقِ المدمرة ، عن الرجالِ حقًا والأبطال صدقًا، والذين رسموا بدمائهم وصمودهم أجملَ لوحاتِ العزِّ والشرف، في زمنِ الضعف والوهن، والذين مرغوا وجهَ الصليبية، وأرغموا أنوف الحاقدين وأثبتوا للعالم أنَّ القوةَ قُوة الحقِّ، وأنَّ النصرَ مع الصبر، وأنَّ في أمةِ الإسلام (( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) ) (الأحزاب: من الآية23) ، لا يلتفتون إلى الوراءِ، ولا ترهبهم قوةُ الأعداء ولا تثبطهم أقاويل المرجفة،
إنَّ ما يجري يا مسلمون على أرضِ العراق إنَّما هو نصرٌ وعز، ولو قُتل من قُتل، وجُرح من جُرح وأُسر من أسر، ولو سقطت مدنٌ، وخربت بيوتٌ، ليس النصر في ميزان الإسلام مدينة تفتح، أو بلدة تسرق، وإنَّما هو انتصارُ القيمِ والمبادئ، وارتفاعُ رايةَ الحقِّ .
إنَ الناسَ يُقصرون معنى النصر على صورةٍ معينة، معهودةٍ لهم قريبةَ الرؤيةِ لأعينهم ، ولكن صورُ النصر شتى، وقد يتلبس بعضها بصورة الهزيمةِ عند النظرة القصيرة .
إنَّ وعدَ اللهِ قاطعٌ جازم (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا ) ) (غافر: من الآية51) .