فهرس الكتاب

الصفحة 919 من 2255

والحرية التي يزعمونها في بلدانهم, إنما هي لامبالاتية وهمجية تنبئ بفشل أنظمتهم في سياسة أمور الناس, وتربية المجتمع على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب.

لأن من أكبر مقاصد وضع الأنظمة, وسن السياسات, وتشكيل الحكومات, أن تحفظ للمجتمعات حياتها, وأمنها, وتطورها نحو الأفضل والأكمل في الماديات والمعنويات, وليس أن يصل بها في الماديات إلى القمر, ويخر بها في المعنويات إلى ما تحت الأرض. ومتى كان عجز النظام عن تأدية هذا الدور, وترك الناس شذر مذر كالأنعام, حرية ؟

وهم أبعد الناس من مبدأ المساواة والعدالة بين الشعوب, بل العنصرية هي المهيمنة على نظرهم نحو حقوق الآخرين, وإنما ينادون بهذه"الحقوق"والحرية" حيث كانت"الحقوق"أو "الحرية"لهم, أما إذا كانت لغيرهم فلا"حق"ولا"حرية" , وإلا فالشعوب التي يستعبدونها قوة أو فكرا, هم أيضا يستحقون"الحقوق"والحرية"

وإلا؛ لماذا نرى أمريكا التي تترأس تشكيل هذه المحاكم الدولية وإقامتها لمعاقبة من يسمونهم:"مجرمون"لماذا تستثني من صلاحيتها محاكمةَ الأمريكي ؟

ولماذا لا تقبل من أية سلطة خارج أمريكا أن تطالب بمحاكمة الأمريكي؛ مهما اشتد جرائمه ؟

وكأن الفرد الأمريكي فرد خاص !

أ هذا العدل والمساواة ؟

ومع ذلك تبعهم على جورهم بقية دول الغرب؛ إذ لو رفضوا هذا الظلم لما قامت هذه المحاكم في يوم من الأيام. نعم العالم بحاجة إلى قوة دولية تحافظ على أمن الدول ومصالحها؛ لكن على أساس العدالة والمساواة؛ لا الظلم والمحاباة.

ودعاياتهم"الحرية"و"الحقوق"أصبحت آلة قوية يستخدمونها لتضليل الشعوب, وتغطية الأعين عن جورهم وعدوانهم على الناس, أو للضغط على ما لا يشتهون من حكومات, وتحريض العامة عليها.

وليس من الضروري أن يوافقهم الناس الذين يطالبونهم بهذه"الحقوق"و"الحرية"على مفهومهم لها, ففرضها إذًا على الناس كافة بمفهومهم الخاص تحكم واستبداد, بل قد سبب هذا الفرض في تفكك وزعزعة الكثير من الدول؛ كما هو الشأن في غير واحد من مناطق العالم.

3.العقول: وقد جاء الإسلام بالمحافظة عليها أحسن المحافظة: ? يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ? {المائدة: 90}

وفي الحديث: ( كل مسكر حرام, وما أسكر كثيره فقليله حرام(1) ), ولأجل المحافظة على العقول وجب الحد على شارب الخمر.

وهذا الحديث قاعدة كلية تطرد في جميع المواد التي يتضرر عقل الإنسان بتعاطيها.

ومما يحزن أن نرى اليوم هؤلاء الذين يدعون أنهم أكمل الناس عقلا, قد أهانوا هذا العقل كل هوان, وعطلوا دوره في حياة الناس.

4.النسل: وللمحافظة عليه شرع الإسلام حد الزنا: ? الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ? {النور:2}

وليس حفظ النسل مقتصرا على المنع من خلطه وتدنيسه فقط, بل ومن الضياع والانقراض.

ولهذا شرع الإسلام النكاح, وقننه, ونظمه؛ صيانة له من الانحلال. لأنه ببقاءه طاهرا نظيفا سيبقى المجتمع طاهرا نظيفا, وإلا فلا.

فيا عجبا من قوم يحافظون كل الحفاظ على أنساب الحيوان الخسيس وبقاءه, ويقضون على أنساب البشر الشريف وسر بقاءه؛ بالعديد من الأساليب والوسائل المدهشة !!!

فأباحوا اللواط, والدعارة, وجميع أنواع الشذوذ الجنسية التي يترفع عن يعضها الحيوانات, بل الجنس لا يعدو عندهم آلة لقضاء الشهوة الحيوانية فحسب, وعلى أي طريق كان.

ومفهوم حفظ النسل البشري أوسع مما يتصور البعض, وحتى أنماط الحياة التي يسلكها المجتمعات تدخل فيه.

فكان لزاما على الأنظمة التي تسعى للحفاظ على النسل البشري أن توجه المجتمع بكامله نحو النمط الذي يساعد على حفظ هذا النسل؛ لا على ضياعِه وانقراضِه.

وليس منه في شيء, ما هو عند بعض دول الغرب, حيث أباحوا للرجل المتزوج الكونَ مع أية امرأة يشتهيها, دون أدنى رابط من روابط النكاح, بل هو زنى وسفاح, ولو أراد أن يتزوجه لتكون زوجته الثانية, فإن كان بينهم أولاد من ذلك النكاح الطيب, كان لهم أب رسمي وأم رسمية, وظفروا بتربيتهما وعنايتهما الضروريتين, ويقوى به مجتمعهم, منعوه من النكاح !!!

أي اصنعوا كل شيء إلا النكاح !!! أيساعد مثل هذا النظام على حفظ صلاح المجتمع ؟

نظام يرضى للمرأة أن يصل بها الذل والهوان إلى أن تتاجر بنفسها, ولا يرضى لها أن يجمعها زوجها بامرأة أخرى في نكاح حلال طاهر طيب, وإن اتفق عليه جميع الأطراف (1) !

وكذلك للحفاظ على النسل؛ منع الإسلام من الاعتداء على الأولاد بالقتل أو غيره, وذلك منذ أن كونه إنسانا, بأن ينفق فيه الروح وهو في بطن أمه, فإنه إنسان له ما لغير من حقوق, خلافا لمن قصر نظره إلى"الحقوق"على حالة ما بعد الولادة:

? ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ? {الأنعام: 151} . ? ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئًا كبيرًا ? {الإسراء: 31}

5.الأعراض: للمحافظة عليها شرع الإسلام جلد القاذف ثمانين: ? والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ? {النور: 4} .

ومتى لم يكن هذا التأديب اُنتهكت الأعراض, وتُجرأ عليها بدون حق.

وكذلك حرم الغَيبة والبَهت, والاستطالة على أعراض الناس بجميع أنواعها.

6.الأموال: بحفظها من الضياع والتبذير والاحتكار وسوء الاستعمال. والمال بمفهومه الواسع يراد به جميع الخيرات المادية بمختلف أنواعها. ? والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ? {المائدة: 38} ? ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ? {النساء: 5} ? ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ? {النساء: 29}

والنظام المالي الإسلامي هو الكفيل الوحيد للناس الحفاظ على أموالهم لا الذهاب بها. وأقرب مصداق لذلك أنه أمر بالحجر على الإنسان من التصرف في ماله إذا كان تصرفه مضرا به أو بغيره.

وهو من محاسن الشريعة, حيث منعت الإنسان من التصرف في ماله الذي كان في الأصل مطلق التصرف فيه, ولكن لما كان تصرفه ضرره أكثر من نفعه وشره أكبر من خيره حََجَر عليه الشارع حجرًا للتصرف في ميدان المصالح, وإرشادا للعباد أن يسعوا في كل تصرف نافع غير ضار. (1)

وتضيع هذه المصالح الضرورية إذا لم يكن للناس نظام يتكفل لهم الحفاظ عليها.

الأمر الثاني: جلب المصالح, وهذه المصالح على مراتب ينضوي تحتها جميع المصالح المتبادلة بين العباد؛ كالمآكل, والمشارب, والملابس, والمناكح, والبيوع, والإجارات وغيرها.

وهذه المصالح أيضا قد حافظ عليها النظام السياسي الإسلامي حق المحافظة, لأنه لا بد للناس منها في تعايشهم. ومتى درست الفقه الإسلامي قطعت بذلك, لأنه ما ترك جزئية من هذه المصالح إلا وفصلها تفصيلا.

وقد أباح الشريعة الإسلامية البيوع, والإجارات, والشركات, وأنواع المعاملات التي تتبادل فيها المعوضات بين الناس في الأعيان والديون والمنافع وغيرها.

فقد جاءت الشريعة الكاملة بحل هذا النوع, وإطلاقه للعباد, لاشتماله على المصالح في الضروريات والحاجبات والكماليات, وفَسَحَت للعباد فسحا صلحت به أمورهم وأحوالهم, واستقام معايشهم.

وشرطت الشريعة في حل هذه الأشياء الرضا من الطرفين, واشتمال العقود على العلم, ومعرفة المعقود عليه, وموضوع العقد, ومعرفة ما يترتب عليه من الشروط.

ومنعت من كل ما فيه ضرر وظلم من أقسام الميسر والربا والجهالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت