أتدري أنهم لما احمرت الحرب العالمية الثانية (1) , وأحاط بهم الألمان من كل جانب, لجئوا إلى أفريقيا, وطلبوا منها الغوث, والإمداد البشري. فأخذوا 80.000 من أبنائها؛ لتضحيتهم وجعلهم في المقدمة, والأماكن الخطرة, وقتل منهم الآلاف؛ حتى يعود لهم حريتهم واستقلالهم.
ثم ما تتوقع أن قابل الغربيون بتضحية هؤلاء الذين أهرقوا دماءهم في ساحة القتال وقدموا نحورهم دونهم ؟
إياك أسأل! ما عساك أن يكون جزاء هؤلاء الذين عرفوا ب ( Ti صلى الله عليه وسلم ailleu صلى الله عليه وسلم s Senegalais ) ؟
دع التاريخ يجيب عن سؤالك المحرج: قتل منهم من لا يحصون كثرة, ودفنوا هنالك في
ثم رجعوا بمن بقي منهم, والجرحى فيهم كثير -نفسيا أو حسيا-, وقد ملأهم الغضب والأسف؛ جاهلين أن نهاية مطافهم أمر وأمر!
وهو أنهم بعد كل ما حصل منهم, كانوا يتوقعون أن يكون جزاء الإحسان هو الإحسان, لكن لما مدوا أيديهم ليسألوا حقهم وجزاء تضحيتهم, رجع عليهم السلاح الذي كان بالأمس يصوب معهم نفس الهدف؛ ليقتل منهم الكثير, ولما رأوا أهاليهم بعد!!!
وهم يحاولون تبرير هذا الغدر المنتن بأنهم تمردوا!
لكن للسائل أن يسأل: ما الذي أغضب هؤلاء الذين لا يستحقون أن يغضبوا حتى تمردوا عليهم, وقد أراقوا دماءهم من أجلهم ؟
وهل من الممكن أن يصدر منهم تمرد يستحق أن يقابل بشتم؛ فضلا عن قتلهم ؟
ثم لم يسووا في المعاملة والمكافئة بين الغربيين الذين شاركوا فيها, والأفارقة الذين كانوا معهم جنبا إلى جنب. أين مبدأ المساواة الذي ينادون به في الآفاق ؟
هؤلاء الذين سودوا تاريخ العالم ببغيهم وعدوانهم, هم الذين وصل بهم الجرأة والحماقة إلى اتهام نبي الرحمة بالعنف واستعمال القوة في دعوته !!! ألا يستحيون ؟!!
أ ليسوا هم الذين يبيدون القرى بأكملها في حروبهم العدوانية هذه, ويموت فيها المئات من الأطفال والنساء وكبار السن؛ ثم لا يكون منهم إلا إطلاق بضع كلمات غابرة:"نحن متأسفون لهذه الحادثة التي تخرج عن إرادتنا"ونفوس الأبرياء تذهب هدرا ؟!!!
أ ليسوا هم الذي يطلقون الرصاص المعد للدبابات, والغازات الملوثة على الأطفال في فلسطين ؟
طفل لا يجاوز السابعة من عمره, خرج يعبر عن يأسه وآلامه المتراكمة؛ بإلقاء حصى صغيرة على هؤلاء الجنود المحتلين لأرضه, والذين حرموه حق العيش في سلام, والجنود الذين قد تسلحوا إلى الأسنان, فما كان من هؤلاء إلا أن صوبوا أسلحتهم بكل شراستها ودقتها إلى الطفل وهو يستغيث, ويتقي منهم بكل ما يصيب؛ لكن كان نصيبه الموت, فقتلوه بهذا الرصاص الذي يقطع العروق, ويمزق القلوب, ويكسر العظام, أ يفعل هذا إنسان ؟
وما هي إروشيما (Hi صلى الله عليه وسلم oshima) ونغازكي (Nagasaki) ؟
وماذا فعلوا في فيتنام (Vietnam) ؟
وماذا حدث ويحدث بالفعل في شيشان ؟
وغير ذلك من الأمور التي يتقطع القلب بتذكرها فضلا عن ذكرها. إلا أن المؤسف في الأمر أنهم بالوسائل الإعلامية والترويجية التي يملكونها, قد استطاعوا اللعب بعقول الناس, وقلب الحقائق في أنظارهم, أو تغطيتها عنها.
5)فمن الضروري أن يكون ذاك الرجل صاحب سياسة ونظام عادل يصلح به أمور الناس.
ولما كانت سياسات الناس إنما تستمد من نتائج أفكارهم, وهي قاصرة؛ قد تستحسن الشيء اليوم, وتستنكرها غدا, أو ترى النفع فيما فيه الضر, والعكس كذلك, كان من لوازم تلك السياسة أن تستمد وتستقى من الوحي الإلهي المعصوم؛ لتكون صالحة لكل زمان ومكان.
ولأن الناس لا يفصل بين نزاعهم إلا كتاب منزل من السماء, وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل (1) .
الأمر الذي يفسر لك سبب الصراع الساخن في عالمنا اليوم, والذي يعبر عنه بعضهم باصطدام الحضارات, ولا اصطدام, وإنما كل ما هناك أن الغربيين ومن نحى منحاهم, زعموا أنهم أعقل البشر, ولذا يستفرغون أقصى وسعهم للانفراد بالتحكم في سير العالم, وأن لا يشاركهم فيه غيرهم.
فإنهم لا يسمحون لأية نظرية مؤثرة في توجهات الناس وهي مخالفة لأهوائهم, أن تقوى على وجه الأرض, فقد حاولوا حتى استطاعوا تمييع جميع نظريات العالم إما بالقوة أو المكر حتى سايرت أهوائهم, فلم يبق أمامهم إلا الإسلام صامدا, ومع أنه دين, إلا أنه منهج حياة للعالمين, ولهذا تراهم اليوم أعلنوا الحرب ضد الإسلام والمسلمين بالفكر والمكر تارة, والقهر والنحر أخرى.
بيان كمال السياسة الإسلامية, وأنها الأصلح للبشر في كل زمان ومكان
لما كان المصالح البشرية التي بها نظام الدنيا راجعة إلى ثلاثة أمور:
الأول: درء المفاسد, وحاصله: دفع الضرر عن ستة أمور:
1.الدين: وقد جاء الإسلام بالمحافظة على الدين, وجعله في المقدمة من مقاصده؛ لأن الناس بلا دين صحيح لن يقوموا بالغاية التي من أجلها جيء بهم إلى هذا الكون.
وبما أن الإنسان مكون من بدن وروح, وهو حيوان كغيره ببدنه, وإنسان مفضل على غيره بروحه, فإنه لا بد إذاٌ إن أراد الحفاظ على إنسانيته أن يهتم بحياة روحه كما يهتم بحياة بدنه وأكثر, والروح له غذاء يغذيه؛ كما أن للبدن غذاء يغذيه, فمتى انقطع الغذاء عن أحدهما هلك بلا شك.
والإسلام يحافظ على هذه الحياة أكثر مما يحافظ على حياة البدن؛ لأنها أهم, وهذا من مميزات هذا الدين العظيم: ? يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ? {الأنفال: 24}
أقبل على الروح واستكمل فضائلها --- لأنك بالروح لا بالجسم إنسان
وحفظ الدين نفسه يضمن لنا حفظ الأمور الخمسة الآتية: النفس, والعقل, والعرض, والمال, والنسل, وما تفرع عنها, فإن حفظها من أعظم أهداف الدين.
ومن حفظ الدين صد جميع الأبواب التي يدخل منها الانحرافات العقدية والفكرية على المجتمع. أما ترك الأفكار والعقائد المنحرفة الهدامة تختطف أبناء المجتمع واحدا بعد واحد, وترمي بهم إلى ما يستقذره البهائم؛ من أنواع الضلالات والانحرافات؛ باسم حرية الأفكار!! فهذا لا يفعله قيادة مسئولة.
نعم ? لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ? {البقرة: 256} وكذلك ? قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر? {الكهف: 29} وهذا لا يعنى إطلاق الصراح للأفكار والنظريات الهدامة أن تغزو المجتمع, لا !, ولكن على القيادة - إن كانت مسئولة- أن تغرس في نفوس أبناءها العقيدة الصحيحة, وأن تقف حيلولة دون انحرافهم في العقيدة والفكر؛ لأن الدين هو أنفس ما يملكونه, فإذا لم تحفظها لهم, فماذا تحفظ ؟!
2.الأنفس: وشرع في الإسلام القصاص؛ محافظة على الأنفس, وإلا ذهبت الأنفس هدرا: ? ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ? [البقرة:179] ?كتب عليكم القصاص في القتلى ? [البقرة: 178] , ? ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ? [الإسراء: 33] ? ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ? {النساء: 29}
ولا يتوقف حفظ النفس عند المنع من قتلها فحسب؛ بل ومن أي اعتداء عليها بدون حق؛ سواء كان على مستوى الأفراد أو المجتمعات؛ خلافا لسياسة الدول الغربية.
ففي الوقت الذي ينادون فيه بحقوق الإنسان وحريته, نجدهم يبيدون الشعوب ويعتدون عليها دون أي حق.
ونجدهم يبررون جرائمهم بدعوى"الحرية"و"حقوق الإنسان"إلا أن الإنسان الذي له هذا"الحق"وهذه"الحرية"إنسان خاص عندهم, وليس كل إنسان, وتفسيرهم للحرية والحقوق إنما هو بما يتمشى وأهوائهم, لا العدل والمساواة.