وهو الذي كان يقبل الأطفال, فرآه يوما رجل يقبل الحسن بن علي فقال له: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا. فنظر إليه صلى الله عليه وسلم فقال: (من لا يرحم لا يُرحم) (4)
وهو الذي مر بقرية نمل قد أحرقت, فغضب وقال: (إنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله عز وجل) (5)
وهو القائل في الحيوان فضلا عن البشر: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) (6)
وهو الذي سأله رجل فقال: يا رسول الله. إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها. أو قال: إني لأرحم الشاة أن أذبحها.
فقال صلي الله عليه وآله وسلم: (والشاة إن رحمتها رحمك الله) (7) رواه أحمد وصححه الحاكم.
وهو الذي كان يسير ذات يوم مع خادمه"أنس بن مالك"، لابسا بردا نجرانيا (رداء كان يلتحف به) ، وكان حاشية هذا البرد غليظة، فأدركه أعرابي فجذبه من ردائه جذبًا شديدًا، حتى تأثر عاتقه صلى الله عليه وسلم من شدة الجذبة، ثم قال له في غلظة وسوء أدب: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي الكريم متبسما صلى الله عليه وسلم في حلم وعفو ورحمة، ثم أمر له بعطاء .
وهو الذي كان يغرس الرحمة في قلوب أصحابه, ويحببها إليهم فقال:"بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش. فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثري من العطش. فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي. فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا: يا رسول الله. وإن لنا في البهائم أجرا؟!"
فقال: ( في كل ذات كبد رطبة أجر ) (1)
وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ( الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) (3)
وكان ذات يوم في سير مع أصحابه بأرض الحجاز، فمروا بوادِ به شجر كثير الشوك، في وقت الظهيرة، قد اشتد الحر,فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السير بالتوقف في هذا المكان لينالوا قسطًا من الراحة، فتفرق القوم تحت الأشجار ليستظلوا بها، وكان هو- صلى الله عليه وسلم- ينام تحت ظل شجرة كثيرة الأوراق قد علق بها سيفه، فجاء أعرابي فأخذ سيفه ثم أيقظه
وقال له: من يمنعك منى ؟!،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (في ثبات وثقة بالله) : الله !
فارتعد الأعرابي بشدة، حتى وقع السيف من يده ، فأخذه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ، وقال له: من يمنعك مني ؟
فقال الرجل لا أحد.
ولم يقابل النبي الكريم إساءة هذا الأعرابي له بمثلها، بل- صلى الله عليه وسلم- عفا عنه فعاد الرجل إلى قومه فقال:"جئتكم من عند خير الناس" (1) .
وهذا غيض من فيض, وكله يشهد لهذا النبي الكريم بأنه: (رحمة مهداة) وأنه غرس معاني الرحمة في قلوب أصحابه, وأوصاهم بها وملأ تعاليمه بذكرها, وشمل بها كل ذي روح من إنسان وحيوان, وسبق بها كل لوائح حقوق الإنسان الحديثة, وكل جمعيات البر والرفق بالحيوان مما يحسبه الناس من خصائص الحضارة الغربية وعطائها.
فلا عجب أن كانت بعثته رحمة ? وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ? { الأنبياء: 107}
وأن يعبر هو عن جوهر رسالته لقوله: ? يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة (4) ? (5)
وقبل إقفال الباب على هذه النقطة يجدر لفت الانتباه إلى حقيقة مهمة جدا, وهي: أن في جانب الحملة العدوانية التشويهية الممنهجة لدعوة النبي الكريم- كما هو مشاهد اليوم في الغرب-
إن في جانب هذه الحملة عاملا آخر سبب كثيرا في سوء تصور دعوة الإسلام لدى الكثير من غير المسلمين, وهو واقع حياة غالبية المسلمين السيئ, والذي لا يساعد في تحبيب الإسلام إلى غيرهم.
هذا شيء, وشيء آخر هو تصرفات جنونية ترد من بعض من ينتسب إلى دعوة الإسلام, وهي مضرة جدا للإسلام والمسلمين. فكانت موضع اهتمام واستغلال فائقين لدى أعداء الإسلام, ليجعلوا منها مصداقا لتهمهم الكاذبة المصلقة بعرض النبي الكريم صلى الله عليه وسلم,
وهو بريء من ذلك كله.
ولهذا يفرح أعداء الدعوة الإسلامية أن يروا مثل هذه التصرفات تقع من بعض من قل فهمه للإسلام؛ ليصيحوا بها في الآفاق: إرهاب !!! إرهاب !!! وهم الذين صنعوا الظروف التي دفعت إلى مثل تلك الحماقات, وإن تطلب الأمر إعمال من يفعله لهم, ليكون لهم مبررا لما يفعلون بالمسلمين أولا, ودليلا على أنهم"إرهابيون""عنفيون"ثانيا.
والحقيقة المرة: أن كثيرا من المسلمين اليوم قد انقطعوا عن الإسلام وتعاليمه - تعلما وتطبيقا - كل الانقطاع, ولذا لا يحسن ممن يروم التعرف على الإسلام, وتعاليمه ومبادئه السامية, وعلى نبيه الكريم؛ ليعلم أي رجل كان, أن يقلب نظره في حال المسلمين الراهن هنيهة, ثم يلتف ويقول: هذا هو الإسلام !! لا.
بل الأوجه لهذا الذي يقصد فهم الإسلام صحيحا,وتصوره بعيدا عن أي مؤثر أجنبي, أن يعمد بكل إنصاف وتجرد إلى كتب المسلمين الموثقة لدى علمائهم -لا جهالهم- ليقرأ منها الإسلام, ويسأل عما أشكل عليه رجلا منهم يحسن فهم الإسلام وليس من يُسيئه.
والعجيب من هؤلاء الذي يحاولون تشويه صورة النبي صلى الله عليه, فيتهمونه بأنه كان يستعمل القوة ضد أعداءه, أنهم مع ادعاءهم التحضر والتمدن هم الذين لا يترددون؛ لتحقيق أغراضهم الخاصة, في إشعال الحروب الطاحنة التي يروح ضحيتها آلاف الأنفس دون أدنى مبرر, والأمثلة على ذلك يصعب حصرها.
أ ليسوا هم الذين يبالغون في التسلح بهذه الأسلحة التي قد يكفي الواحد منها لإبادة شعوب بأكملها, في الوقت الذي يشاهدون الملايين من بني البشر يموتون بسبب الفقر وسوأ حالتهم المعيشية, وهم ينفقون مليارات في التفنن في هذه الأسلحة ؟
بل الأمَرّ أنهم الذين يشعلون أغلب هذه الحروب الأهلية التي لا يكاد ينجو منها دولة, وذلك لإقصاء من لا يهوونه عن الحكم, وفرض من يشتهون, أو لزعزعة بعض مناطق العالم؛ حتى يجدوا مبررا للتدخل من أجل حل المشاكل وإعادة الاستقرار, فيفتحون بذلك الباب للتمركز العسكري وفرض سيطرتهم على تلك المناطق.
وحالة الفقر المدقع التي يعيشها القارة الإفريقية أقرب دليل للتيقن من أن هؤلاء الغربيين لا إنسانية عندهم, ولا رحمة في قلوبهم.
لأنهم هم الذين احتلوا هذه القارة, واستعبدوا أهلها, ثم غصبوا, واستنفدوا جل أو كل خيراتها, ثم قطعوها إلى دويلات متناحرة على حدودها, ثم لما منحوهم الاستقلال المزعوم, سلموا السلطات في كثير من دولها لأناس لا يتأهلون لذلك, ونحَّوا المؤهلين حتى لا ينقطع كبلهم عن الأعناق, وحتى لا يستفيد القارة من خيراتها لتتقدم وتتطور.
جرهم ذلك إلى اغتيال العديد من ذوي الشخصيات البارزة في أفريقيا, أو تحريض الناس ضدهم بالتهم وتشويه السمعة. ومنذ ذلك الوقت أحكموا القبض على هذه القارة الفقيرة؛ حتى تظل أبد الدهر تحت أقدامهم.
وما من شر يوجد في هذه القارة إلا وهم السبب المباشر أو غير المباشر فيه, وكل ما يقولون ويولولون على فقر وسوء أحوال هذه القارة, فإنما هو سب وشتم قبيحان لهم ولتاريخهم.
والنفاق كل النفاق أن تراهم اليوم يتظاهرون بالرحمة والإنسانية تجاه الأفارقة, وكأنهم نسوا ما حدث بالليل.
والإنسان الذي هو إنسان إذا اطلع على حقيق الكارثة التي حدثت في رواندا (Rouanda)
وبروندي (Bu صلى الله عليه وسلم undi) , وهو يعرف مدى مسئولية هؤلاء الغربيين فيها؛
ليتسائل ويقول: أ لهم قلوب ؟!!