فإنه لما رآه قد فضل عليه ورفع, غص بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.
وهذا الداء بالذات, هو الذي منع اليهود أيضا من الإيمان بعيسى ابن مريم, وقد علموا علمًا لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى, فحملهم الحسد على أن يختاروا الكفر على الإيمان وأطبقوا عليه.
هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعة يخالفهم ولم يقاتلهم، وإنما أتى بتحليل بعض ما حرم عليهم تخفيفًا ورحمة وإحسانا ، وجاء مكملًا لشريعة التوراة، ومع هذا اختاروا كلهم الكفر على الإيمان ، فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع ، مبكتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم ويعلو هو وأصحابه, وهم معه دائمًا في سفال، فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم؟
وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى ؟ (1)
وكل من تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن استعماله للقوة ليس لإكراه الناس على دينه قط: ? لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ? {البقرة:256}
وأنه إنما قاتل من قاتله وأما من هادنه فلم يقاتله مادام مقيما على هدنته لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له: ? فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ? {التوبة: 7}
ولما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم ، فلما حاربوه ونقضوا عهده - كعادتهم - وبدؤوه بالقتال قاتلهم لتأمين خطرهم.
وكذلك لما هادن قريشا عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدأوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاءوا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم.
وإذا دققنا النظر في التوجيهات التي كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يمليها على جنوده, والغايات التي كانت نصب عينيه, أيقنا بأن المثل العليا والرغبة في هداية الناس كانت تمثل الروح المهيمنة على دعوته وجهاده.
وإن تخفيض الضرائب على سكان المناطق المفتوحة, وإبقاء الأملاك الشخصية والمحافظة على البنية الاقتصادية لها يدل على أنه كان تتحكم في مواقف هذا النبي روح الهداية والإعمار, لا الغواية والدمار.
ودراسة الواقع التاريخي لانتشار الإسلام تكشف عن حقيقة اعتناق الناس للإسلام منذ عصر السيرة, وأنه كان يتم في ظروف السلم بنطاق أوسع بكثير من ظروف القتال, فعدد من أسلم بعد الحديبية أضعاف عدد من أسلم قبل الصلح.
وقد استمر انتشار الإسلام بعد انحسار سلطانه العسكري والسياسي, وما زال يمتد في العصر الحديث ويدخل فيه الآلاف والآلاف من جميع قارات العالم, فلا شك إذًا في تهافت مقولة إن الإسلام انتشر بالسيف. (2)
والذين يتشبثون بهذا الهُراء إنما ألجأهم إليه الهروب من القول بأن الاتساع الواسع, والفتوحات العظيمة التي حققها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بسرعتها فائقة, من آياته الدالة على صدق دعوته.
وأنت يكفيك أن تنظر إلى منبع هذا الدين الذي جاء به, وكيف ألف جزيرة العرب على افتراق قلوبها, وكثرة ضغائنها وتعاديها, وكيف ألفهم وجمع قاصيهم لدانيهم, وأزال تلك العداوات, وأحل الأخوة الإيمانية محلها.
ثم اندفعوا في أقطار الأرض يفتحونها قطرا قطرا, وفي مقدمة هذه الأقطار أُمَّةُ فارس والروم أقوى الأمم وأعظمها ملكا, وأوسعها نفوذا, وأشدها قوة, وأكثرها عددا وعدة, ففتحوهما وما وراءها بفضل دينهم, وقوة إيمانهم, ونصر الله ومعونته لهم, حتى وصل الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها.
فصار هذا يعد من آيات الله, وبراهين دينه, ومعجزات نبيه, وبهذا دخل الخلق فيه أفواجا ببصيرة وطمأنينة, لا بقهر وفتنة.
فإذا نظرت نظرة إجمالية إلى هذا الأمر عرفت أن هذا هو الحق الذي لا يقوم له الباطل مهما عظمت قوته وتعاظمت سطوته.
هذا يعرف ببداهة العقول, ولا يرتاب فيه منصف, وهو من الضروريات.
بخلاف ما يقوله طائفة من كتاب العصر الذين دفعهم جحدهم للحقائق إلى التفوه بمثل هذا.
فزعموا أن انتشار الإسلام وفتوحاته الخارقة للعادة مبني على أمور مادية محضة, وحللوها بمزاعمهم الخاطئة, لأنهم قد أهدروا تأثير الأمر الإلهي في الأمور, فراحوا يحللون كل ما يحدث بتحليلاتهم المادية البحتة, وهو غلط بلا شك, لأن المحلل لا يهتدي إلى الحق فيما يحلله إلا إذا شمل تحليله جميع جوانبه, أما أن يقصر نظره في جانب فقط, وإن رأى ما يخرج عنه لواه ليكون منه, فهذا ليس بتحليل منصف.
وهم بصفتهم محللين, وإن لم يؤمنوا - أو يحبوا- بالتأثير الإلهي في الأمور, كان عليهم أن يضعوا هذا الجانب تحت الأشعة, بما أن من يحللون أمرهم هم يؤمنون به, ويعللون به جميع انجازاتهم, و ليس لهم أن يلغوا هذا الجانب نهائيا ليحصروا نظرهم في جانب آخر, ويحللوا الأمور بتحليلات مادية يكذب الواقع إمكانها, فهذا تضليل وليس بتحليل.
وهم يعللون انتشار وانتصار الإسلام بضعف دولة الكاسرة ودولة الرومان, وقوة المادة في العرب.
وهذا مجرد تصوره كاف في إبطاله. فأي قوة في العرب تؤهلهم لمقاومة أدنى حكومة من الحكومات في ذلك الوقت ؟ فضلا عن الحكومات الكبيرة الضخمة, فضلا عن مقاومة أضخم الأمم في وقتها على الإطلاق وأقواها وأعظمها عددا وعدة في وقت واحد, حتى مزقوا الجميع كل ممزق, وحلت محل أحكام هؤلاء الملوك الجبابرة أحكام القرآن والدين العادلة, التي قبلها وتلقاها بالقبول كل منصف مريد للحق.
فهل يمكن تفسير هذا الفتح المنتشر المتسع الأرجاء بتفوق العرب في الأمور المادية المحضة ؟
وإنما يتكلم بهذا من يريد القدح في الدين الإسلامي, أو راج عليه كلام الأعداء من معرفة للحقائق.
ثم بقاء هذا الدين على توالي النكبات, وتكالب الأعداء على محقه وإبطاله بالكلية, من آيات الإسلام, وأنه دين الله الحق, فلو ساعدته قوة كافية ترد عنه عداء العادين وطغيان الطاغين لم يبق على وجه الأرض دين سواه, ولقبله الخلق من غير إكراه ولا إلزام, لأنه دين الحق, ودين الفطرة, ودين الصلاح والإصلاح, ولكن تقصير أهله وضعفهم, وتفرقهم, وضغط أعدائهم عليهم هو الذي أوقف سيره, وصبر الأمر كما ترى.
وأغلق القوس لأرجع إلى الكلام عن رحمة هذا الرجل صلى الله عليه وسلم, فإنها كانت من أسرار تقبل الناس لدعوته, والتفافهم حوله, وحبهم العميق له: ?فبما رحمة من الله لنت لهم, ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ? {آل عمران: 159}
وهو الذي تمكن من أعداءه الذين صبوا عليه وأصحابه جميع أنواع العذاب, وسلبوا أموالهم، وديارهم، وأجلوهم عن بلادهم ، لكنه- صلى الله عليه وسلم- قابل كل تلك الإساءات بالعفو والصفح والحلم قائلًا: (يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم ؟)
قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم،
فقال-صلى الله عليه وسلم: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
وقد أنزل الله عليه: ? وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ? {النحل: 126} فاختار أن يعفو عنهم ويصبر على ما كان منهم, وأن لا يعاقب فقال: (نصبر ولا نعاقب) (2)
وهو الذي أرسل إليه أحد أصحابه عند موت ابنه ليحضر عليه الصلاة والسلام, فلما جاء رفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه, فقيل له: يا رسول الله ما هذا ؟
فقال: (هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) (3)