{ محمد:4} ولو كان الأمر كذلك لأخرجه عن العادة الجارية في الكون, وعن طبيعة البشرية, إلى الملكية, فيعتذر الناس بذلك عن الاقتداء به ونهج منهجه؛ لأنهم دون ذلك بمراحل.
لكنه القائل: ?إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي? {الكهف: 110}
وهو الذي قيل له ? ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ? {الفرقان: 7}
فيجيب: ? لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسول ? {الإسراء: 95} فإنه بشر وليس بملك, وأرسل إلى البشر لا إلى الملائكة.
ومن تلك السنن أن جعل لكل نبي عدوا من المجرمين: ?وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين? {الفرقان: 31} وهو عدو مجرم ينصب الصدود والعراقيل للحيلولة دون استجابة الناس لدعوته, فكان لزاما أن يأخذ بالأسباب المادية والمعنوية لتنحية هذا العدو وتأمين خطره, وإن أدى الأمر في بعض الأحيان - لا كلها - إلى إراقة الدماء, لأنها وإن كانت مفسدة من وجه, إلا أنها مفسدة اقتضى ارتكابها تحصيل مصلحة أكبر منها بكثير, وهي هداية الناس التي تحقق لهم الفلاح والسعادة وفي هذه وتلك.
ولا شك أن تحصيل مصلحة بارتكاب مفسدة دونها عقل وعدل, وكذلك درء مفسدة بتفويت مصلحة دونها عقل وعدل.
ولا يتوقف عاقل في قطع عضوه المتآكل إذا توقف عليه حياة وسلامة بقية الجسد, والقطع - وإن أراده القاطع - إلا أنه ليس مرادا لذاته, وإنما هو مراد لغيره, فلم يكن هناك أي تعارض بين هذا وهذا. القطع من حيث هو قطع ضرر, ولا بد منه لأنه الوسيلة, والقطع من حيث هو وقاية وسبب برء منفعة, وهي الغاية.
فإن من أقبح الجهل أن يقصر أحد نظره على لفظ:"قطع عضو"وكراهته إلى النفوس دون التعمق في نوعيته ونتائجه المترتبة عليه.
وكذلك الشدة في محل اللين حمق وخرق, واللين في محل الشدة ضعف وخور:
إذا قيل حلم قل فللحلم موضع
وحلم الفتى في غير موضع جهل
وأصور لك ذلك بالتمثيل (1) : فالأمم المتحدة مثلا, يقولون إنها هيئة سلمية تسعى لاستقرار السلام بين الأمم, ولذا يحق له التدخل في بعض القضايا الجارية بين الشعوب للحيلولة دون تفاقم الأمر, والسعي لإعادة الأمن, فرسالتها سلمية بحتة, ولا يجرأ أي منا مثلا على وصفها بالشدة أو الإرهاب أو نحو ذلك من الأوصاف التي تتناقض وأهدافها السلمية, ولكن هل معنى ذلك أنها لا تستعمل القوة بحال من الأحوال, وإن توقف عليه تحقيق أهدافها السلمية ؟
وهل لا يلومها العقلاء إذا توقف عن استعمال القوة لوقف عدوان المعتدي على شعب من الشعوب؛ إذا استلزم وقفه ذلك ؟
وهل الضرر الناتج من ردع هذا الجاني شيء يذكر في جانب الأضرار التي ستلحق الشعوب إذا لم يكن ثمة قوة عادلة وحيادية تمنع من الاعتداء عليها: ? ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العلمين ? {البقرة: 251}
فمن الحكمة إذًا أن يتصف من له مثل هذه الرسالة بالشمولية والاعتدال والتوازن, وليس أن ينحصر في ميدان ليغيب عن ميادين, أو يركز اهتمامه في قضية ويهمل قضايا أخرى.
فطبيعة رسالة محمد عليه الصلاة والسلام, والعقبات التي كانت تحول دون إبلاغها, كانت تقتضي منه هذه الشمولية مع التوازن والاعتدال في القوة والسلم أكثر.
يتبن لك ذلك أكثر إذا عرفت أصناف المناوئين لدعوته, فإنهم لا يخرجون عن رجلين:
إما جاهل لا يتصور فحوى دعوته تصورا صحيحا, وهو حال أكثر الناس، فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله؛ كما هو حال كثير من الغربيين الذين قد أحكمت القبضة عليهم القوى الإعلامية في الغرب, والتي لا تعرض دعوة النبي الكريم إلا مشوهة, ولا تعرِّف المسلمين إلا"إرهابيين",
وفي الوقت نفسه, تقطع عنهم كل مصدر خارج عن لعبتهم.
وهذه القوى وراءها أيدٍ خفية, وهي المتحكم في الرأي العام الغربي بالقلب والتصريف, ومن المؤسف أن لا يكاد ينفلت عنها مصدر معتبر عندهم.
وهذا الاحتكار لمصدرية المعلومات, مع الحصار الثقافي المعرفي, أكبر خطر يهدد الغرب بكليته؛ إذ تصورهم للعالم الخارجي ينبني على جهاز خاضع لأغراض وأهواء رجال.
وهذا الجاهل الذي نتحدث عنه جهله مركب, وهو بحاجة إلى دواءين ضروريين إن رام لمرضه برءا:
الدواء الأول: أن يعترف بجهله وسوء تصوره لهذه الدعوة, وليس أن يركب رأسه ليبقى على خطأه إذا كان منصفا مع نفسه, ومع الناس الذين يتفرع موقفه منهم عن هذا التصور الخاطئ. هذا الاعتراف هو الذي يفتح له الطريق إلى:
الدواء الثاني: أن يُصحَّح له خطأ تصوره هذا, ثم إن أراد الله به خيرا فتح صدره لاستجابة هذه الدعوة العظيمة. وأما إن صحب جهلُه بغضَ من دعا بهذه الدعوة, ومعاداته له وحسده, كان المانع من القبول أقوى, يتطلب دواء أقوى.
فإن انضاف إلى ذلك توهمه أن الحق الذي دعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعزه وشهواته وأغراضه قوي المانع من القبول جدًا, وقد يحمله بعض ذلك أو كله على معاداة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاربته.
وأحسن من يضرب مثلا لذلك هم النصارى, فإنهم لجهلهم أطبقوا على أن الإله الحق - سبحانه وتعالى عما يقولون - صلب وصفح وسمر ووضع الشوك على رأسه ودفن في التراب ، ثم قام في اليوم الثالث وصعد وجلس على عرشه يدبر أمر السموات والأرض ، فلا يكثر عليهم إذًا أن يطبقوا على جحد دعوة من جاء لبيان غلط عقيدتهم هذه, وأنها كفر وضلال ؟
وكيف ينكر لأمة أطبقت على صلب معبودها وإلهها ثم عمدت إلى الصليب فعبدته وعظمته، وكان ينبغي لها أن تحرق كل صليب تقدر على إحراقه، وان تهينه غاية الإهانة إذ صلب عليه إلهها, أن تجحد حق عبده ورسوله وتكفر به ؟
وكيف يكثر على أمة قالت في رب الأرض والسموات: إنه هبط بذاته من السماء ، والتحم في بطن مريم ، فاخذ منها حجابًا ، وهو مخلوق من طريق الجسم ، وخالق من طريق النفس، وهو الذي خلق جسمه وخلق أمه، وأمه كانت قبله بالناسوت، وهو كان من قبلها باللاهوت ، وهو الإله التام ، والإنسان التام، ومن تمام رحمته تبارك وتعالى على عباده أنه رضي بإراقة دمه عنهم على خشبة الصليب، فمكن أعداءه اليهود من نفسه ليتم سخطه عليهم، فأخذوه وصلبوه وصفعوه وبصقوا في وجهه, كيف يكثر على أمة كهذه أن تقول في عبده ورسوله إنه ساحر وكاذب وملك مسلط ونحو هذا ؟ (1)
الرجل الثاني: هو المكابر المعاند الذي قد اتضح عنده وجاهة هذه الدعوة وصدقها, وهو عابد لهواه والشيطان اللذين حالا دون قبوله الحق حيث ظهر. فهذا الرجل هو الذي يحارب ويعادي هذه الدعوة, وإن جر معه الرجل الأول؛ إلا أن ذاك جاهل مخدوع, وهو عالم مصدود, وما صده إلا عبادته لهواه والشيطان. الأمر الذي يفسر لك تفاني هذا الصنف في محاولة إطفاء نور دعوة
النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
وأحسن مثال لهذا, عداوة اليهود لهذه الدعوة منذ بدايتها, فإنهم كانوا على علم بأنها حق؛ لأنهم قد أخبروا بأمرها وأمر صاحبها حتى كانوا منهما على بصيرة, إلا أنهم كانوا يتمنون أن يخرج منهم لا العرب؛ كما قد تعودوه, إلا أن القدر الإلهي جانب أمنيتهم, فكان أن خرج ذلك الداعي من غيرهم, فأخذهم الكبر والحسد عن تصديقه وطاعته, و منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا, ما زالت عداوته تحرق قلوبهم, وهم يستعملون كل ما يمكنهم من وسيلة لدفع الناس إلى أن يقفوا منه موقفهم.
واعلم أن الحسد من أكبر أسباب رد الحق والصد عنه، فانه داء كامن في النفس، ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه وأوتي ما لم يؤت نظيره فلا يدعه الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه.
وهل منع إبليس من السجود لآدم إلا الحسد ؟!