فهرس الكتاب

الصفحة 922 من 2255

وعلى هذا القول: يقتل الرهبان وغير الرهبان لوجود الكفر. وذلك أن الله علق القتل لكونه مشركًا بقوله (فاقتلوا المشركين) فيجب قتل كل مشرك، كما تحرم ذبيحته ومناكحته لمجرد الشرك. وكما يجب قتل كل من بَدَّلَ دينه لكونه بدله، وإن لم يكن من أهل القتال، كالرهبان. وهذا لا نزاع فيه. وإنما النزاع في المرأة المرتدة خاصة.

وقول الجمهور: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار"انتهى كلام شيخ الإسلام، (ص 116، من طبعة الفقي) ."

وقد رد -رحمه الله- على هذا القول الضعيف في رسائله الأخرى بما يوافق ما في هذه الرسالة لمن تأمله. فلا جديد فيها !

ومن أصرح ذلك وأوضحه ما ذكره في"السياسة الشرعية". يقول -رحمه الله-:"إذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة؛ كالنساء والصبيان، والراهب والشيخ الكبير، والأعمى والزَمِن (3) ، ونحوهم، فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يُقَاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين. والأول هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله…" (4) -إلى أن قال متعرضًا للرد على ذاك القول الضعيف-:"ولهذا أوجبت الشريعة قتل الكفار، ولم توجب قتل المقدور عليهم منهم، بل إذا أُسر الرجل منهم في القتال، أو غير القتال؛ مثل أن تلقيه السفينة إلينا، أو يضل الطريق، أو يؤخذ بحيلة؛ فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح؛ من قتله أو استعباده، أو المن عليه، أو مفاداته بمال أو نفس، عند أكثر الفقهاء، كما دل عليه الكتاب والسنة" (5) .

قلت: ففي هذا النص المهم ما يجلي حقيقة تلك الرسالة، ويبين أنها أنشئت للرد على هذا القول الفقهي الضعيف الذي يرى قتل الكفار لمجرد كفرهم دون استثناء إلا للنساء والصبيان فقط -كما سبق-، وهو ما رده شيخ الإسلام وبين مخالفته للكتاب والسنة سواء في تلك الرسالة أو في هذا الموضع من"السياسة الشرعية"أو في مواضع أخرى من"الفتاوى"-كما سيأتي إن شاء الله-.

ويبين هذا النص أيضًا أن شيخ الإسلام مع رده على ذاك القول الضعيف فإنه لا ينكر -كما يزعم البعض- شرعية جهاد"الطلب"! وحاشاه من ذلك، وهو أمر مقرر بالنصوص ومجمع عليه بين العلماء (6) ، ولهذا قال -كما سبق-"فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين". وهذا الجهاد إنما يكون"لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله".

ومن المواضع التي رد فيها الشيخ -رحمه الله- على هذا القول الفقهي الضعيف بما يوافق الرسالة المنسوبة إليه ما جاء في الفتاوى (28/659-661) عندما سئل عن الرهبان فأجاب بقوله:".. إنما نهي عن قتل هؤلاء؛ لأنهم قوم منقطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يسمى أحدهم حبيسًا، لا يعاونون أهل دينهم على أمر فيه ضرر على المسلمين أصلًا، ولا يخالطونهم في دنياهم، ولكن يكتفي أحدهم بقدر ما يتبلغ به. فتنازع العلماء في قتلهم؛ كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لا بيده ولا لسانه؛ كالأعمى والزَمِن، والشيخ الكبير ونحوه؛ كالنساء والصبيان. فالجمهور يقولون: لا يُقتل إلا من كان من المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان، ومنهم من يقول: بل مجرد الكفر هو المبيح للقتل، وإنما استثنى النساء والصبيان؛ لأنهم أموال .."

وانظر أيضًا:"الفتاوى" (20/101-103) .

فلا جديد في الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام! فقد تعرض له كثيرًا في رسائله الأخرى بتوضيح لو تأمله من طار فرحًا برسالته لعلم أنه في وادٍ والشيخ في وادٍ آخر.

يقول الدكتور عبد الله القادري:"إذا كان الجهاد في سبيل الله شرع لرفع كلمة الله وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ورفع الظلم عنهم، فإنه لا داعي للخلاف فيه: هل شرع لقتال من قاتل من الكفار أو شرع لمجرد الكفر؟ لأن رفع كلمة الله يقتضي قتال كل من صدّ عنه والقضاء عليه، سواء كان صده بالقتال أو بالرأي، أو بأي نوع من الأنواع . وأما من لم يصدّ عنه بأن دخل في دين الله أو خضع لحكمه فأدى الجزية وهو صاغر فإنه لا يقاتَل ولا يُكره على الدخول في هذا الدين كما مضى. ولعل هذه الإشارة كافية إلى ما كتبه سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان -رحمه الله- في الرد على رسالة نسبت لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعنوان (قاعدة في قتال الكفار هل هو لأجل كفرهم أو دفاعًا عن الإسلام؟) وقد أنكر المؤلف نسبة هذه الرسالة لابن تيمية. والذي يظهر من أسلوب الرسالة أنها له؛ لأن أسلوبه -رحمه الله- واضح فيها، ولكنه أنكر أن يكون القتال لمجرد الكفر وإنما لرفع كلمة الله وذلك بأن يكون الحكم الغالب هو حكم الله لا سلطان الكفار، وإذا كان الكفار مغلوبين وسلطانهم منتفيًا، وهم يؤدون الجزية صاغرين، فإنهم حينئذ لا يقاتَلون لكفرهم؛ إذ قتالهم لكفرهم يقتضي إكراههم على الدخول في الإسلام، وهذا من الاعتداء الذي نهى الله عنه. ومعنى قتال المقاتلين عنده -رحمه الله- هو أن يقاتل من أعد نفسه لقتال المسلمين سواء باشروا القتال فعلًا أو لم يباشروا، والذين لا يقاتلون هم الذين لم يعدوا أنفسهم للقتال؛ كالرهبان والشيوخ، فأي غبار على هذه المعاني جعل المؤلف سليمان بن حمدان يرهق نفسه لإنكار نسبة هذه الرسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية؟ وإذا كانت بعض الجمل في الرسالة منكرة وقد نقلها -رحمه الله- عن بعض العلماء ولم يقرها لأنه قد بين رأيه في أول الرسالة وفي أثنائها، فإنه لا يسوغ نفي نسبة الرسالة إليه، وقد بين -رحمه الله- خلاصة رأيه في رسالته السياسة الشرعية" (7) .

ويقول الدكتور علي بن نفيع العلياني:"يعمد أهل الدفاع إلى تعليل بعض علماء الإسلام قتل الكفار بأنه لأجل المحاربة ويحورونه بشكل مثير للعجب حتى يخيل للقارئ بأن هناك من علماء الإسلام من يقول إن الكفار لا يجاهَدون حتى يعتدوا على المسلمين!."

والحق أن المسلمين قبل أن يدخل الاستعمار بلادهم ويتخذ له صنائع منهم ما كانوا يعرفون هذا القول المنكر، بل الإجماع منعقد على وجوب تطلب الكفار في عقر دارهم وتخييرهم بين خصال ثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال -على خلاف في قبول الجزية من غير أهل الكتاب والمجوس-.

ولم يفهم أهل الدفاع تعليل بعض علماء الإسلام قتل الكفار بالمحاربة والمقاتلة أو تعمدوا كتمان ما فهموه. وذلك لأن العلماء الذين عللوا قتل الكفار بالمحاربة والمقاتلة نصوا على مرادهم، وهو تلمس الحكمة الشرعية في أمر الله سبحانه بقتال كل كافر باستثناء النساء والأطفال والرهبان والشيوخ العجزة، فقالوا: لو كان علة القتال الكفر لوجب قتل كل كافر، فإذًا العلة هي القدرة على المحاربة والمقاتلة، فإن من عنده الإطاقة على القتال فهو مصدر خطر على المسلمين، ولم يقل هؤلاء العلماء إن الكافر لا يقاتَل إلا إذا حارب بالفعل واعتدى، كما هو قول أهل الدفاع الذين يحرفون نصوص العلماء لكي يظهروا للناس بأنهم لم يخرقوا الإجماع، وأن هناك طائفة من العلماء تقول بقولهم"!! (8) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت