فهرس الكتاب

الصفحة 1554 من 2255

هذه الظاهرة المستفحلة الآن- ظاهرة البحث عن الآباء، أو العكس- هي من عقابيل ثلاثة عقود مضت، أما الآن فظاهرة حمل اليافعات «دون زواج بالطبع» ، أصبحت كالوباء تكتسح المجتمع الأميركي الذي أُجبر- بحكم الواقع- على قبول تلك الظاهرة ونتائجها. أي قبول النسل الحرام كنسل شرعي أو شبه شرعي، ومن ثم فلا حاجة للدير، ولا لمداراة الأمر الذي كاد ينال مشروعيته لدى الجميع.

ودعونا نستعرض بعض الإحصاءات لنعرف كيف أُجبر القوم على قبول تلك الظاهرة.. في أميركا الآن أكثر من عشرة ملايين مراهق يمارسون الجنس، وينتج عن ذلك أكثر من مليون حالة حمل سنويًا وسط اليافعات، 406 آلاف حالة يتم التخلص منها بالإجهاض، و134 ألفًا منها بإسقاط الحمل، بينما يخرج إلى الحياة حوالي 490 ألف طفل غير شرعي، أي أن تعداد السكان الأميركي يزداد بمعدل نصف مليون طفل غير شرعي كل عام !

وحسب إفادات المركز القومي للإحصاءات الصحية، فإن ذلك الرقم يشكل حوالي 28% من الإجمالي السنوي لعدد المواليد. وتقول وزارة الصحة الأميركية: إن ثلثي المواليد السود أصبحوا يأتون من أمهات غير متزوجات، وهذه النسبة تقل قليلًا وسط البيض، وهي تدور حول 25% تصعد حينًا وتهبط حينًا آخر، ويرجح المسؤولون أن تتصاعد تلك النسبة، لأنها كانت نسبة مواليد السود غير الشرعيين قبل عقدين من الزمان، ويرجح المسؤولون أن البيض سيقتفون أثر السود، استنادًا إلى أن عامل الفقر ليس عاملًا ذا تأثير في هذه الظاهرة، وذلك فضلًا عن أن مستوى السود الاقتصادي قد طرأ عليه الكثير من التحسن خلال العقدين الفارطين.

وهكذا فإن استمرت نسبة تصاعد المواليد غير الشرعيين بذات النسق، فإن المراقبين الاجتماعيين يرجحون أن يأتي جلُّ النسل الأميركي من أمهات يافعات وبلا آباء خلال عشرة أعوام فقط، وإذا صدق ذلك التوقع فإنه سيكون أفضل دلالة على حصافة، ودقة ملاحظة وبعد نظر عميد المستقبلين الأميركيين الدكتور الآن توفلر صاحب الكتاب الذائع «صدمة المستقبل» الذي تنبأ فيه عند مطالع السبعينيات بزوال نظام الأسرة نهائيًا من المجتمع الأميركي. وكل ما هناك أن تحقق نبوءته قد تأخر نوعًا ما، لأنه- فيما أذكر- أشار إلى إمكان حدوث ذلك قبل نهاية القرن الماضي، وهو الأمر الذي تنفيه الإحصاءات، لأن معدل الزيادة السنوية في إجمالي حمل اليافعات هو في حدود 9% حسبما أنبأتنا به مجلة اتحاد الأطباء الأمريكيين.

أسباب الظاهرة:

ولكن ما أسباب هذه الظاهرة المرعبة؟! من الأفضل أن نستمع إلى القوم أنفسهم وهم يحللون أسباب الظاهرة، لقد كانوا من قبل يعللون أسباب الظاهرة بالفقر، انطلاقًا من أن معظم الأبناء غير الشرعيين كانت تتولاهم الدولة بالإنفاق، ولكن اندلاع الحريق أخيرًا وسط البيض أبطل ذلك النمط من التحليل. تحدثنا المؤلفة ميجي خلاجير صاحبة كتاب «إلغاء الزواج: كيف نحطم الحب المقيم؟» أن الأمر له أسبابه النفسية والروحية، وتدعم رأيها بكثير من الأمثلة والإحصاءات. وها هو أحد أمثلتها يقول: إن مقاطعة تمبتون بولاية إنديانا تمتاز بأن غالبية سكانها من البيض الذين يتمتعون بدخل مادي أعلى من متوسط الدخل الأميركي، وحوالي 5% فقط منهم فقراء، ولكن مع ذلك فقد ذكر الطبيب وليام ستون أنه اكتشف أن حوالي 40% من الأطفال الذين أشرف على ولادتهم فيها كانوا من أمهات لم يتزوجن.

إذن فإن للمشكلة عمقًا روحيًا ونفسيًا. وهذا صحيح، لأن نسبة وافرة من اليافعات يقررن الإنجاب لإحساسهن بالحرمان من الحنان، إما لانصراف آبائهن للعمل واللهو، وإما لحدوث الطلاق أو الانفصال بين الوالدين، ومن ثم حرمان اليافعات جزئيًا أو كليًا من أحد الوالدين، ومقاساتهن لشعور الوحدة الأليمة، لاسيما إن لم يكن ثمة طفل آخر بالبيت. ومن جراء تلك المعاناة تقرر إحداهن أن تنجب طفلًا تمنحه ويمنحها الحنان، وبعضهن يقررن الإنجاب لأنهن لم يحظين بمعرفة آبائهن أو أمهاتهن ومن ثم يقررن إنشاء رابطة بنوة بأي سبيل. وفي استطلاع أجري وسط اليافعات أجابت 55% منهن بأنهن يفكرن في الإنجاب من غير زواج.

ومن أطرف ما كشفت عنه الإحصاءات أن معظم حالات حمل اليافعات تتم ما بين الساعتين الثالثة والسادسة مساءً خلال أيام الأسبوع، وهي ساعات تنقضي ما بين حضور اليافعين واليافعات من مدارسهم، وحضور آبائهم من العمل، وفيها يخلو الجو من الرقيب، وينتهب القُصَّر فيها اللذة والفتون، ثم يقع المحظور.

ومن الأسباب العاطفية التي تدفع باليافعات إلى الإنجاب، مسعى بعضهن للحفاظ على عشاقهن من الميل إلى الأخريات، ومن ثم تقرر إحداهن أن تحمل منه حتى تربطه نحوها برباط جديد هو رباط الطفل الوليد. وهذا السلوك الطائش لم يأت إلا بأثر عكسي، إذ إن فرار الأب الحقيقي يأتي بعد ولادة الطفل، فيحس أنه غير مهيأ للإنفاق عليه، فهو نفسه يافع دون العشرين، وبلا وظيفة ولا تعليم ، فأنَّى له أن يتكفل بحمل ذلك العبء الثقيل. وأما الأجداد فإنهم عادة لا يساعدون، لأنهم لا يزالون يعملون ويكدحون، ويظنون أنه قد آن لهم أن ينالوا من الراحة القسط الوفير بعد أن أدوا مسؤوليتهم بتربية أبنائهم، أما موضوع الحفيدة فإنه لا شأن لهم به، وكثيرًا ما تطرد الفتاة من بيت أبويها عند اتضاح حملها لا خوف العار وإنما «خشية إملاق» ..!!

وهناك بعض الضغوط النفسية التي تدفع إلى الدخول خطأ في ميدان الإنجاب، وهذه الضغوط هي ما يعبر عنه بموجة اضطهاد العذارى، فالعذرية بعد سن السادسة عشرة، ليست مفهومًا مرادفًا لمفهوم الشرف كما هو في المجتمعات المحافظة، وإنما يوافق مفهوم التخلف والعقد النفسية. وقد كشف الإحصاء الذي أعده مركز «محاصرة الأمراض» Cente صلى الله عليه وسلم fo صلى الله عليه وسلم disease cont صلى الله عليه وسلم ol ما أسماه «سلوك خطير وسط الشباب» ، حيث تتزايد موجة اضطهاد العذارى يومًا بعد يوم، وإليها عزا ذلك الإحصاء تضاعف عدد اليافعات «من عمر 15 عامًا» اللائي مارسن الجنس خمسة أضعاف خلال عقد واحد من الزمان.

ومما يشجع عملية حمل اليافعات كذلك أسلوب المعالجات الإعلامية التي أتيحت لتلك الظاهرة، وهي معالجات متحيزة في الغالب لصالح الظاهرة، ليس بتشجيعها علنًا، وإنما بتهوين أمرها أو الإيحاء بعقم محاولات احتوائها وتصويرها وكأنها قدر لا يرد.

ومما يشجع تلك الظاهرة أيضًا ما تنطوي عليه قوانين المدارس من بنود صريحة في منع مديريها من معاقبة اليافعات الحبالى، واعتبار أي نوع من العقوبة بشأنهن بمنزلة التمييز الذي يمكن أن يقارن بالتمييز الديني أو العنصري. وتمنع القوانين الآباء والأمهات من التدخل في شؤون بناتهم القُصَّر إذا حملن، وتلزم بتركهن «حرائر» يقررن أن ينجبن أو أن يجهضن.

أما دور الذكور في مفاقمة كارثة حمل اليافعات، فقد خصصت له صحيفة U.S.A. Today مقالًا مطولًا بعنوان Role in teenage p صلى الله عليه وسلم egnancies جاء فيه أن الفتيان عادة ما يتفاخرون في مجالسهم بعدد من تسببوا في حملهن من اليافعات، وغدا ذلك عندهم مقياسًا للرجولة والفحولة. وقد استشهدت نائبة برلمانية بتلك المقولة عند تصديها للحديث عن تلك الظاهرة، ولكنها قالت إن الفتيان السود هم الذين يتفاخرون بذلك، وعند احتجاج السود عليها اضطرت إلى الاعتذار علنًا للأمة، قائلة إن الفتيان البيض قد أثر عنهم أيضًا المقال ذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت