ووفق هذا التصور الغربي الذي تغلب على جل أدبياته - الفكرية والسياسية
وغيرها - مسحة الكراهية والرفض والتشويه ، يُعَدُّ الإسلام مصدر تهديد ، ومبعث
قلق وتوجُّس غير مقرون ببينة ؛ فمن ناحية الواقع السياسي والاقتصادي الإسلامي:
فإنه ليس ثمة مدعاة للخوف والترقب من جهة الغرب بأي حال . قد تكون قضية
الوعي التاريخي التي انفتحت ملفاتها مع وخز الاستفزاز الغربي المعاصر ، أنعشت
خيالنا المثقل بالقضايا والهموم: تاريخ الصليبيات والاستعمار والعلمانية ، وكلها
ذكريات بالغة في إيلامها الحس الإسلامي مبلغًا مروعًا ، ذلك الوعي الذي تجسده
بصورة أو بأخرى: ظاهرة الصحوة الإسلامية التي تمتد على طول عالمنا الإسلامي
المترامي الأطراف وعرضه .. !
ولعل كراهية هانتنجتون وبرنارد لويس ، وحقدهما الفريد على الإسلام لا
يمنعان بحال من التوقف والتأمل فيما يعنُّ لحاضرنا العربي والإسلامي من منغصات
وحساسيات علائقية بين بعض الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني ، وقد بلغت في
جانب منها حد المواجهات المسلحة تلبية لداعية الفتنة وتمشيًا مع تخطيط المركز
السياسي العالمي للحيلولة دون عملية التبلور الحضاري داخل النسق الإسلامي .. !
وتنطوي مقولة لويس هذه على بعض المعاني والدلالات التي نرى أن تبيانها
من الأهمية بمكان كبير ، ومنها:
أولًا: إن الأحداث الكائنة على المسرح العالمي المعاصر تمخض المفاهيم
الإنسانية مخضًا شديدًا ، فتنفض عنها غبار العوارض والملابسات الأيديولوجية
الآتية ، وتعود بها سيرتها الحضارية الأولى ؛ فبعد طلاق تاريخي موغل في القدم ،
ورغم عوارض العلمانية على مجتمعنا: نلحظ ثمة إرهاصًا بحالة « رجعة » مسيحية
إلى فراش الزوجية اليهودي ، وعلى الرغم من كون تلك الرجعة تكتيكية ،
بيد أنها كما تبدو: حالة فريدة من التناغم المفاهيمي ، والانسجام الفكري ،
والتنسيق الاستراتيجي المؤسس على قواعد وأصول عقدية وحضارية ، والذي لا
حيلة في الافتراق من بعدُ مرة أخرى .
هذا ، ولن يصبح الدعم الغربي للكيان الصهيوني مؤسسًا على المصالح
الاستراتيجية فحسب ، وإنما على العقائد الدينية والأفكار كذلك ، وهو ما يؤمن بقوة
مسيرة تلك العلاقة نحو أهدافها المنشودة في دنيا الوجود !
ثانيًا: أن المرء يتشكك كثيرًا إزاء المقولات التي تذهب إلى أن ميراث ما بعد
القرون الوسطى من عداء للدين لا يزال يلقي بظلاله على الوضع السياسي
الأوروبي .
ويجدر في هذا السياق أن نشير إلى أن موقف العلمانية الغربية من المسيحية
قد خضع بدوره لمنطق المنفعة بصفة عامة ؛ فتارة نراها تعادي الدين إلى حد
« شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس » ، وتارة تهادنه ، حين تنص دساتيرها على
احترام المشاعر الدينية للمجتمع ، وعدم المساس بحرية العقيدة والعبادة ، وتارة
أخرى تسخره لخدمة أغراضها ، كما حدث في حملاتها الاستعمارية على الشرق
المسلم ، مثلًا ؛ حيث كانت الإرساليات التنصيرية بمثابة « هراوات حضارية »
لضرب الفكر الإسلامي ، وتفريغ جوهر التوحيد من مضامينه ومعانيه ، جاعلة من
ذلك نوعًا من الإحلال الحضاري في البلاد المستعمرة ، ولكن الكنيسة الغربية في
كل الأحوال والكنيسة البريطانية بصفة خاصة استطاعت أن تتكيف مع البيئة
العلمانية ، فوفقت أوضاعها على نحو قد سهَّل لها وعبَّد كثيرًا من صعوبات التغلغل
بصورة أو بأخرى - وبمرور الوقت - إلى عمق المؤسسة السياسية في الغرب
المعاصر !
وقد يتأكد هذا الزعم في ضوء الضغوط الغربية اللحوحة على بعض حكومات
الدول الإسلامية لتقويض أركان الصحوة الإسلامية ، وتثبيط تيارها المتدفق بالخير
على امتداد القرن العشرين ، بل وصل الأمر إلى حد التلويح بالعقوبات والمضايقات
السياسية للدول التي تبدي تجاوبًا مع ظاهرة الصحوة ، ليس هذا فحسب ، بل إن
عصا الاتهام الغربي باضطهاد الأقليات غير الإسلامية لا تزال ممتدة ومرفوعة من
حين لآخر في وجه بعض البلاد المسلمة ؛ ذلك فضلًا عن حالات فرض الثقافة
الغربية من غير سبيل على بعض بلادنا ، كالترويج لتيار الفرانكفونية في الشرق
المسلم ، وتحبيب التشيع لثقافة العولمة والطريق الثالث ، وكلها وسائل للخروج
بالعالم الإسلامي عن إطار خصوصياته الحضارية ، وللحد من شعوره بذاتيته
الإسلامية ، وقد وصل الأمر بالغرب إلى استصناع أنماط نخبوية في بيئاتنا المحلية
حملت على عاتقها رسالة إنسانية - بزعمهم - تعنى بتجميل تاريخ الاستعمار
الغربي إلى درجة الجهر في كل واد وصعيد - دون حياء - بالدعوة إلى الاحتفال
بالمئوية الثانية للحملة الفرنسية على مصر ، إيمانًا منها وإيهامًا بأن للحملة الفرنسية
فضلًا سابغًا ليس على مصر وحسب ، وإنما على الشرق الإسلامي كله .. ! كل هذا
يحدث على حساب ذكرى مرور أربعة عشر قرنًا على الفتح الإسلامي لمصر ، تلك
الذكرى التي تلقى من جانب طيور العقوق كل جحود .. ! وهكذا تغرر التيارات
العلمانية بالأمة المسلمة لترديها في حفر التبعية وأغوار المهانة والضياع والتلاشي
والانمحاء .. !
ولعل ميلاد تلك الحالة النفسية الإسلامية المناوئة للغرب ليست مسؤولية
المسلمين بقدر ما هي إفرازات التعصب الغربي لثقافته وقيمه وأيديولوجياته
السياسية المدججة بأقلام وحركات ومنظمات تدندن حول أفكار استفزازية وانفعالية
من أخطر ما فيها أنها مؤسسية ، ليس بوسع أحد أن ينكرها ، أو أن يجهل مدى
نفوذها ، وعظم تأثيرها في مجتمعها الغربي ، وكل مجتمع ينتمي للحضارة الغربية
الممتدة أفقيًا ورأسيًا ، حتى لم يعد للجغرافيا الغربية أي حيلة إزاء زخمها التاريخي -
الحضاري الطاغي .. !
ومما يُستغرَب له: أن تلك الحالة النفسية الإسلامية التي يتحدث عنها برنارد
لويس ، وهذا الشعور بالهضم والاحتواء الذي يعم المجتمع الإسلامي ويسوده ، لم
يصل حتى الآن إلى الدوائر العليا الحكمية في كثير من بلداننا المسلمة ؛ إذ لم تزل
معظم هذه الدوائر تنظر إلى الغرب باعتباره مركزًا للقيم كما هو مركز للتقنيات
الواجب تبنيهما معًا ، ولا جدوى لإحداهما دون الأخرى .. !
وفيما ضمن نظريته اتصالًا بالعلمانية: يزعم هانتنجتون أن « اقتلاع
العلمانية من العالم هي إحدى حقائق الحياة الاجتماعية المهيمنة في أواخر
القرن العشرين » ا هـ .
ومن جملة اعتباراتنا نقرر أن ظاهرة اقتلاع العلمانية من العالم تنم في حقيقتها
عن عمق في التصورات الدينية ، وتعاظم في الشعور بحتمية صياغة الذات
الحضارية لدى الأمم والشعوب على نحو صحيح يرتقي بنظرة الآخر الحضاري
إليها وفق ما يتناسب وقدرها الذي تحسه وتشعر به ، وأبلغ ما توصف به هذه
الظاهرة: أنها حركة « تفلية » حضارية .. !
ومن غير الموضوعية أن نبدي إزاء ولاء هانتنجتون المطلق لليهودية أي شك
هذا ولن يغرنا بتدثره بلباس مسيحي باهت تبدو بغير قصد منه في بعض الأحيان
أنياب تلمودية زرقاء .. ! ومن ثم فهو حين يرصد أفكارًا من قبيل ظاهرة اقتلاع
العلمانية من العالم: إنما يكرس العلمانية ذاتها بدهاء شديد .. ! فهو يرمي إلى أن
الفائدة من بث وترويج الأفكار والفلسفات التي تدفع بالعالم بعيدًا عن الدين والتدين:
تتجلى في استئمان جانب الكيان الصهيوني الغاصب من خطر أي مواجهة حضارية
مع الأغيار - لا سيما العرب والمسلمين - في ظل فريضة اقتلاع العلمانية من
العالم .. ! ومن ثم فهو يستحث من جهة أخرى بل يعنى بتحفيز آلة الفكر السياسي
الغربي للتصدي ومواجهة تلك التيارات التي سماها بالأصولية الرجعية .. ! وذلك