بحسبانها لديه الخطر الحقيقي الذي يتهدد فلسفة النظام العالمي الجديد التي يسعى
روادها إلى تكريس آليات العلمنة داخل الأنساق الإنسانية ، لا سيما عند نقاط
التماس الحضاري الساخنة ، ولدى البؤرة الأشد سخونة هناك في فلسطين المحتلة
بصفة خاصة .. !
والحقيقة أنه من يوم أن تجردت القضية الفلسطينية من بُعدها الديني
الحضاري ، والأوضاع لا تزداد إلا خبالًا وتعقيدًا ، ومضيًا نحو أفق مسدود ، ولئن
عولجت تلك القضية في سياق مفاهيم التدافع لكان أوْلى وأجدر ألا تدخل في
تضاعيف الانتكاس والإخفاق الذريع !
ولعل ما يعفينا من الاستطراد بهذا الخصوص ما صرح به الزعيم الكوبي
فيديل كاسترو Kast صلى الله عليه وسلم o حين قال: « على إسرائيل أن تسعى لتجعل كل دولة
عربية غير إسلامية ، كأن تكون وطنية أو اشتراكية ؛ فإن منتهى المطاف لأي
حركة مقاومة عربية ذات طابع علماني هو التعايش السلمي مع الدولة الإسرائي [1] .
لماذا ؟ لأنه في ظل العلمانية تتجاوز المؤسسات السياسية كثيرًا من الثوابت
الحضارية ، وقد تتجاهلها إلى حد الرفض الصريح في بعض البلدان ؛ وذلك تلافيًا
لأي أفكار من قبيل القيم الدينية التي تظنها تصادمية:[ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ
شَيْئًا ] ( يونس: 36 ) .
العلمانية وأوهام الحل:
إن خرق سنن التعددية ونواميس التنوع والاختلاف والتمايز بين الأمم
والشعوب الإنسانية ، إنما ينم عن اتجاه ما إلى تحييدها قسرًا وإخصائها ، وتغييبها
عن وعيها ، فتفقد عناصر تكافئها ومقومات تنافسها ، مما يعد تكريسًا لمنطق
الأحادية والاحتكار الحضاري بكافة صوره وأنماطه السياسية والاقتصادية
والعسكرية والاجتماعية ، وهو ما يتأكد في خِضَمِّه حدوث حالة من الحساسية وفقدان
معايير الصواب في سياق التدافع الإنساني ، وهو ما يستدرج خطى البشرية إلى شفا
الحروب والمشاحنات الإنسانية غير المحكومة باعتبارات مقبولة .. ! وهذه واحدة
من أخطر مثالب العلمانية .
ولعل أي مشروع بإزاء عزل الدين عن حركة الحياة بمختلف وجوهها - ولو
بصورة نسبية - إنما يمثل في حقيقته انتحاءً بهذه الحياة عن سياقها الفطري ،
وخروجًا على مألوفها . والعلمانية بطبيعة الحال تعد انحرافًا في التصور الإنساني
لطبيعة الوجود ؛ ذلك فضلًا عن كونها مظنة قوية لتصادم الحضارات باعتبار ما
سيقدر للقيم المادية والتوسع والانتشار في الأرض ، وهو ما يعد ذريعة لسنَّة كونية
جديدة من التدافع الإنساني ، ويبزغ من ثم فجر جيل رباني جديد يقود دورة جديدة
من التاريخ الإنساني بشيء من الوعي والتحضر والتفاعل الإيجابي المثمر بين
حضارات هذا العالم ، وتفلت من ثم البشرية من كلاليب التصادم الأعمى ، وسفك
الدماء بغير حق .
ومن ثم فإن الفرضية القائلة بوجود » علاقة وثيقة بين تصادم الحضارات
وعدم علمانية العالم « إنما تطوي دلالات بالغة الخطورة - حسب رؤية هانتنجتون
ولويس - فبمقتضى تلك الرؤية تعمد كل من الأنساق الحضارية إلى تقلد خصال
الحقد والطمع والجور والنهب والاغتصاب والتحرش والاصطدام ، وتلك مغالطة
فاحشة وزيف منكور ، ثم هي على جانب آخر: مدعاة للخوف والترقب .
ولكن إذا ساغ للبعض أن يتخوف من عواقب تلاشي العلمانية من العالم ،
ويلقي ببذور الرعب والترقب في روع الفكر الإنساني ، فحري بهم أن يُبدوا تخوفًا
أعظم من سلطان المفاهيم المادية ، ومن غلبة الشهوات والنوازع الشريرة على
أدمغة البشر أجمعين التي بلغ الصراع بزخمها ذروة الهمجية والتوحش بين الأمم
والشعوب على اختلافها ، والحروب الأهلية الأوروبية التي لم تهدأ نارها منذ بدايات
القرن السابع عشر ، وانتهاءً بالحربين العالميتين: الأولى ، والثانية ليست بخافية
على أحد .
ولم يكن للتاريخ على امتداد عصوره أي نظرة إيجابية إزاء قضية التعايش
السلمي بمنأى عن بيئة القيم الدينية الربانية ، ولقد كانت قيم العلمانية في المقابل
على مدار تاريخها: مثارًا للأحقاد والبغضاء والتحرش والاحتكاك ، والتصادم بين
مختلف الحضارات ، ولعله في ظل تلاشي العلمانية - على عكس مذهب
هانتنجتون - أن يدرك العالم الراحة والسلام والتفاهم والحوار ؛ لأنه كلما اقترب
منحنى الوعي الحضاري من خط القيم الدينية والروحية تحرك مؤشر التفاعل
الإنساني ليسجل نتائج تثير التفاؤل والاستبشار بمستقبل إنساني كريم .
ونحن إذ نعني بمصطلح تلاشي العلمانية من العالم ؛ فإنما نريد أن تتجه
المجموعات الحضارية - على اختلافها - إلى تعاطي مناهجها وقيمها ومأثوراتها
الدينية تعاطيًا إيجابيًا وافيًا بغير ابتسار أو اجتزاء ، فتكون هذه المناهج وتلك القيم
معيارًا وقاسمًا مشتركًا للسلوك الإنساني والتفاعل بمختلف أنماطه واتجاهاته ، مما
يعني ترسيخًا جادًا لمبادئ التسامح والتراحم .
وتأصيلًا لمرجعية التفاهم والمجادلة بالتي هي أحسن . يقول أرنولد توينبي
وهو الشيء الذي يحتاج إليه النوع الإنساني في هذا الوقت . الشيوعية تزعم أنها
تستطيع أن توحد النوع البشري ، وقد أخفقت في ذلك ، كما أن الإسلام يثبت
صلاحيته بوصفه قوة موحدة للإنسان ، والمسيحية أيضًا تستطيع أن تلعب هذا الدور
إذا عملت بمبادئها ، ولكن القومية لا تستطيع أبدًا أن توحد الإنسانية ، بل إنها
توزعها وتشتت شملها ، ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل ؛ وإنها لا تستطيع إلا أن
تدفن الإنسانية في ركامها « [2] .
وهنا ينبغي التقرير بأن حاجة الإنسانية إلى الدين بعامة ، والإسلام بوصفه
رسالة عالمية بخاصة: ليست حاجة ثانوية من قبيل الترف والكماليات .. كلا ، بل
ضرورة ملحة ؛ فلقد أنبأت الخبرة التاريخية عن الصلاحية المطلقة لذلك الدين
لتأسيس علاقة إنسانية سوية ومتوازنة بكل من الكون والحياة ، علاقة ترفد البشرية
بقيم الحق والعدل والحرية والمساواة ، تفصل بكل صرامة في تلك علاقة تفتح
أبواب الحوار المتكافئ بين الحضارات ، وتسد ذرائع الصراع والمشاحنات
الفوضوية التي تقتل في الإنسانية المؤمنة كل طموح إلى عمارة الأرض بمنهج
السماء .
وغاية ما نخلص إليه: أن العقائد الدينية التي يسعى العلمانيون إلى تحييدها ،
ونزع مؤثراتها من واقع الحركة الإنسانية المؤرقة بهواجس تصادم الحضارات هذه
العقائد: إن لم تطلها يد التحريف ، ولم تعبث بها الأهواء ، أو تحركها النوايا
الفاسدة ، كانت بحقٍّ مأمنَ الإنسانية ، وملاذَها الوحيد مما يلاحقها من ويلات التناحر
وهواجس الأحقاد ، بل إن تلك العقائد والعقائد الإسلامية على وجه الخصوص تعد
من أهم مقومات اندفاع التيارات الحضارية في مسارات سوية ومعقولة:[ وَاللَّهُ
يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ] ( يونس: 25 ) .
وعلى الصعيد العلمي: حقق المسلمون في ظلال عقيدة التوحيد ثورة علمية
هائلة قد أثمرت منتجات حضارية فريدة لم يكن للإنسانية إلْفٌ بها في أزمنتها الغابرة ؛
تلك الثورة التي امتدت هداياتها العلمية والتطبيقية إلى العالم أجمع ، حتى لقد
أوعزت تلك العقيدة إلى حركة النهضة الغربية الحديثة بالفكاك من إسار الجهل
وأغلال الفكر الظلامي الشائه الذي غرقت في بركه الآسنة قرونًا طويلة . يقول
( مونتجمري وات ) في تقييم الظاهرة الإسلامية بأوروبا: » حين يصبح الإنسان
على بينة من كامل التجربة العربية والتفكير العربي ( يعني التفكير الإسلامي ) ؛