فهرس الكتاب

الصفحة 2040 من 2255

بحسبانها لديه الخطر الحقيقي الذي يتهدد فلسفة النظام العالمي الجديد التي يسعى

روادها إلى تكريس آليات العلمنة داخل الأنساق الإنسانية ، لا سيما عند نقاط

التماس الحضاري الساخنة ، ولدى البؤرة الأشد سخونة هناك في فلسطين المحتلة

بصفة خاصة .. !

والحقيقة أنه من يوم أن تجردت القضية الفلسطينية من بُعدها الديني

الحضاري ، والأوضاع لا تزداد إلا خبالًا وتعقيدًا ، ومضيًا نحو أفق مسدود ، ولئن

عولجت تلك القضية في سياق مفاهيم التدافع لكان أوْلى وأجدر ألا تدخل في

تضاعيف الانتكاس والإخفاق الذريع !

ولعل ما يعفينا من الاستطراد بهذا الخصوص ما صرح به الزعيم الكوبي

فيديل كاسترو Kast صلى الله عليه وسلم o حين قال: « على إسرائيل أن تسعى لتجعل كل دولة

عربية غير إسلامية ، كأن تكون وطنية أو اشتراكية ؛ فإن منتهى المطاف لأي

حركة مقاومة عربية ذات طابع علماني هو التعايش السلمي مع الدولة الإسرائي [1] .

لماذا ؟ لأنه في ظل العلمانية تتجاوز المؤسسات السياسية كثيرًا من الثوابت

الحضارية ، وقد تتجاهلها إلى حد الرفض الصريح في بعض البلدان ؛ وذلك تلافيًا

لأي أفكار من قبيل القيم الدينية التي تظنها تصادمية:[ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ

شَيْئًا ] ( يونس: 36 ) .

العلمانية وأوهام الحل:

إن خرق سنن التعددية ونواميس التنوع والاختلاف والتمايز بين الأمم

والشعوب الإنسانية ، إنما ينم عن اتجاه ما إلى تحييدها قسرًا وإخصائها ، وتغييبها

عن وعيها ، فتفقد عناصر تكافئها ومقومات تنافسها ، مما يعد تكريسًا لمنطق

الأحادية والاحتكار الحضاري بكافة صوره وأنماطه السياسية والاقتصادية

والعسكرية والاجتماعية ، وهو ما يتأكد في خِضَمِّه حدوث حالة من الحساسية وفقدان

معايير الصواب في سياق التدافع الإنساني ، وهو ما يستدرج خطى البشرية إلى شفا

الحروب والمشاحنات الإنسانية غير المحكومة باعتبارات مقبولة .. ! وهذه واحدة

من أخطر مثالب العلمانية .

ولعل أي مشروع بإزاء عزل الدين عن حركة الحياة بمختلف وجوهها - ولو

بصورة نسبية - إنما يمثل في حقيقته انتحاءً بهذه الحياة عن سياقها الفطري ،

وخروجًا على مألوفها . والعلمانية بطبيعة الحال تعد انحرافًا في التصور الإنساني

لطبيعة الوجود ؛ ذلك فضلًا عن كونها مظنة قوية لتصادم الحضارات باعتبار ما

سيقدر للقيم المادية والتوسع والانتشار في الأرض ، وهو ما يعد ذريعة لسنَّة كونية

جديدة من التدافع الإنساني ، ويبزغ من ثم فجر جيل رباني جديد يقود دورة جديدة

من التاريخ الإنساني بشيء من الوعي والتحضر والتفاعل الإيجابي المثمر بين

حضارات هذا العالم ، وتفلت من ثم البشرية من كلاليب التصادم الأعمى ، وسفك

الدماء بغير حق .

ومن ثم فإن الفرضية القائلة بوجود » علاقة وثيقة بين تصادم الحضارات

وعدم علمانية العالم « إنما تطوي دلالات بالغة الخطورة - حسب رؤية هانتنجتون

ولويس - فبمقتضى تلك الرؤية تعمد كل من الأنساق الحضارية إلى تقلد خصال

الحقد والطمع والجور والنهب والاغتصاب والتحرش والاصطدام ، وتلك مغالطة

فاحشة وزيف منكور ، ثم هي على جانب آخر: مدعاة للخوف والترقب .

ولكن إذا ساغ للبعض أن يتخوف من عواقب تلاشي العلمانية من العالم ،

ويلقي ببذور الرعب والترقب في روع الفكر الإنساني ، فحري بهم أن يُبدوا تخوفًا

أعظم من سلطان المفاهيم المادية ، ومن غلبة الشهوات والنوازع الشريرة على

أدمغة البشر أجمعين التي بلغ الصراع بزخمها ذروة الهمجية والتوحش بين الأمم

والشعوب على اختلافها ، والحروب الأهلية الأوروبية التي لم تهدأ نارها منذ بدايات

القرن السابع عشر ، وانتهاءً بالحربين العالميتين: الأولى ، والثانية ليست بخافية

على أحد .

ولم يكن للتاريخ على امتداد عصوره أي نظرة إيجابية إزاء قضية التعايش

السلمي بمنأى عن بيئة القيم الدينية الربانية ، ولقد كانت قيم العلمانية في المقابل

على مدار تاريخها: مثارًا للأحقاد والبغضاء والتحرش والاحتكاك ، والتصادم بين

مختلف الحضارات ، ولعله في ظل تلاشي العلمانية - على عكس مذهب

هانتنجتون - أن يدرك العالم الراحة والسلام والتفاهم والحوار ؛ لأنه كلما اقترب

منحنى الوعي الحضاري من خط القيم الدينية والروحية تحرك مؤشر التفاعل

الإنساني ليسجل نتائج تثير التفاؤل والاستبشار بمستقبل إنساني كريم .

ونحن إذ نعني بمصطلح تلاشي العلمانية من العالم ؛ فإنما نريد أن تتجه

المجموعات الحضارية - على اختلافها - إلى تعاطي مناهجها وقيمها ومأثوراتها

الدينية تعاطيًا إيجابيًا وافيًا بغير ابتسار أو اجتزاء ، فتكون هذه المناهج وتلك القيم

معيارًا وقاسمًا مشتركًا للسلوك الإنساني والتفاعل بمختلف أنماطه واتجاهاته ، مما

يعني ترسيخًا جادًا لمبادئ التسامح والتراحم .

وتأصيلًا لمرجعية التفاهم والمجادلة بالتي هي أحسن . يقول أرنولد توينبي

وهو الشيء الذي يحتاج إليه النوع الإنساني في هذا الوقت . الشيوعية تزعم أنها

تستطيع أن توحد النوع البشري ، وقد أخفقت في ذلك ، كما أن الإسلام يثبت

صلاحيته بوصفه قوة موحدة للإنسان ، والمسيحية أيضًا تستطيع أن تلعب هذا الدور

إذا عملت بمبادئها ، ولكن القومية لا تستطيع أبدًا أن توحد الإنسانية ، بل إنها

توزعها وتشتت شملها ، ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل ؛ وإنها لا تستطيع إلا أن

تدفن الإنسانية في ركامها « [2] .

وهنا ينبغي التقرير بأن حاجة الإنسانية إلى الدين بعامة ، والإسلام بوصفه

رسالة عالمية بخاصة: ليست حاجة ثانوية من قبيل الترف والكماليات .. كلا ، بل

ضرورة ملحة ؛ فلقد أنبأت الخبرة التاريخية عن الصلاحية المطلقة لذلك الدين

لتأسيس علاقة إنسانية سوية ومتوازنة بكل من الكون والحياة ، علاقة ترفد البشرية

بقيم الحق والعدل والحرية والمساواة ، تفصل بكل صرامة في تلك علاقة تفتح

أبواب الحوار المتكافئ بين الحضارات ، وتسد ذرائع الصراع والمشاحنات

الفوضوية التي تقتل في الإنسانية المؤمنة كل طموح إلى عمارة الأرض بمنهج

السماء .

وغاية ما نخلص إليه: أن العقائد الدينية التي يسعى العلمانيون إلى تحييدها ،

ونزع مؤثراتها من واقع الحركة الإنسانية المؤرقة بهواجس تصادم الحضارات هذه

العقائد: إن لم تطلها يد التحريف ، ولم تعبث بها الأهواء ، أو تحركها النوايا

الفاسدة ، كانت بحقٍّ مأمنَ الإنسانية ، وملاذَها الوحيد مما يلاحقها من ويلات التناحر

وهواجس الأحقاد ، بل إن تلك العقائد والعقائد الإسلامية على وجه الخصوص تعد

من أهم مقومات اندفاع التيارات الحضارية في مسارات سوية ومعقولة:[ وَاللَّهُ

يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ] ( يونس: 25 ) .

وعلى الصعيد العلمي: حقق المسلمون في ظلال عقيدة التوحيد ثورة علمية

هائلة قد أثمرت منتجات حضارية فريدة لم يكن للإنسانية إلْفٌ بها في أزمنتها الغابرة ؛

تلك الثورة التي امتدت هداياتها العلمية والتطبيقية إلى العالم أجمع ، حتى لقد

أوعزت تلك العقيدة إلى حركة النهضة الغربية الحديثة بالفكاك من إسار الجهل

وأغلال الفكر الظلامي الشائه الذي غرقت في بركه الآسنة قرونًا طويلة . يقول

( مونتجمري وات ) في تقييم الظاهرة الإسلامية بأوروبا: » حين يصبح الإنسان

على بينة من كامل التجربة العربية والتفكير العربي ( يعني التفكير الإسلامي ) ؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت