فهرس الكتاب

الصفحة 1514 من 2255

أيها المسلمون: إننا ومنذ بداية الإستعمار الأجنبي على العالم الإسلامي والعربي نبت نبتة غريبة في العالم الإسلامي هذه النبتة بل هذه النحلة والبدعة أصلها ومنشؤها وملابسات نشأتها في الغرب النصراني ثم صدرت إلينا . وبالأصح إستوردها بعض المحسوبين على الأمة ضمن ما أُستورد من طرود الفكر والثقافة: إنها فكرة أو اتجاه العلمانية حيث كانت في الأصل ثورة علمية في وجه قيود وأغلال الكنيسة في أوربا التي حرمت العلم والتفكير والإنتاج والإبداع ثم طرقت أبواب العالم الإسلامي على يد المستغربين من الرواد الأوائل الذين قبلوا وبإعجاب شديد جميع ما لدى الحضارة الغربية من خيرها وشرها وحلوها ومرها.

معاشر المسلمين: لتعلموا أن العلمانية معناها والمراد بها: هو بناء الدنيا منفصلًا عن الدين وفصل الدين عن حياة الناس ، وجاء في أحد القواميس الغربية أن هذه الكلمة تعني: دنيوي أو مادي وفي دائرة المعارف البريطانية تصفها بأنها حركة اجتماعية تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب.

أيها المسلمون: هذا الاتجاه العلماني الرامي إلى إقصاء حكم الإسلام عن السياسة والإقتصاد والاجتماع وسائر الأمور الحياتية وقصره على العبادة الخاصة وأحكام الزواج والطلاق والمواريث - مع منازعتهم إياها أخيرًا - هذا الاتجاه وهذا الفكر متغلغل لدى طائفة من أبناء المسلمين من حملة الشهادات وأرباب الفكر ومن الأكاديميين والإعلاميين ..

لهذا كان من الواجبات في هذا العصر بيان هذه النحلة وكشف عوارها وفضح أصحابها وبيان أحوالهم وصفاتهم وأثرهم على الأمة وعلى رسالة الإسلام فهم الطابور الخامس وهم خناجر يحركها الأعداء في الأزمات لينوع بها الطعنات على أهم المقومات وأرسى الثوابت مستغلين بذلك انشغال العامة والخاصة .

وهم أشبه الناس بالمنافقين بل هم يقومون بدورهم في الأمة أكمل قيام .

أيها المسلمون: الحركة العلمانية في بلاد المسلمين ذات توجهين:

الأول: حركة علمانية إلحادية جاحدة بالرب منكرة لوجوده رافضة لكل تعاليم الإسلام في كل شيء وهذا القسم من الوضوح والظهور بحيث لا يخفى على أحد حكم أصحابها وقلة خطرهم لا لقلة جرم وإنحراف مقالتهم وتأثيرها وإنما لإنكشافهم ومعرفة الناس لهم بالإلحاد المطلق.

القسم الثاني: علمانية لا تنكر وجود اللَّه بل تؤمن به لكنها تنكر حكم الدين في شؤون الدنيا وتنادي بعزل الدين عن الدنيا وهذه هي الصورة أكثر انتشارًا وأشد خطرًا وأسوأ أثرًا من حيث الإضلال والتلبيس على عامة المسلمين ؛ لأنهم لا يرونهم يجحدون الصلاة ولا الزكاة ولا الحج بل ربما يرونهم يفعلون هذه العبادات معهم .

والحاصل أيها المسلمون: أن العلمانية بصورتيها السابقتين نوع من أنواع الردة بلا شك ولا إرتياب .

ومن آمن بها وتبناها بعدما علم دين الإسلام وتبين له الحق وقامت عليه الحجة وزالت عنه الموانع فقد خرج من دين الإسلام .. ذلك لأن الإسلام دين كامل ومنهج واضح لا يقبل ولا يجيز أن يشاركه منهج آخر ، قال تعالى مبينًا وجوب الدخول في كل مناهج الإسلام وتشريعاته: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ) ) (البقرة: 208) .

وقال سبحانه مبينًا كفر من أخذ بعضًا من مناهج الإسلام ورفض الآخر: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) (البقرة: 85) .

والأدلة الشرعية كثيرة جدًا في بيان ضلال من أنكر شيئًا معلومًا بالضرورة من دين الإسلام .

أيها المسلمون: إن من أحد التحديات التي تواجه الإسلام الصحيح الذي هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا العصر هو إسقاط اللافتات الزائفة وكشف المقولات الغامضة وفضح الشعارات الملبِّسة التي تتخفى وراءها العلمانية والتي طالما أقصت المسلمين عن دينهم وخدرتهم عن العمل له وألصقتهم بالحياة الدنيا.

قال ابن تيمية في ( رسالة العبودية) : ( إن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما: فإما أن يختار العبودية لله ، وإما أن يرفض هذه العبودية ، ليصبح لا محالة في عبودية لغير اللَّه وكل عبودية لغير اللَّه ، كبرت أو صغرت ، هي في نهايتها عبادة للشيطان ) . [1]

قال تعالى: (( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) ) ( يس: 60-61) ، يشمل ذلك العرب الذين قال اللَّه فيهم: (( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا ) ) ( النساء: 117) .

ويشمل كذلك كل عبادة لغير اللَّه على مدار التاريخ .

فالأوثان لم تتغير، وحلت محل الأوثان القديمة أوثان أخرى، كالحزب، والقومية ، والعلمانية، والحرية الشخصية، والجنس وغيرها. وعشرات الأوثان الجديدة ، إنها عبادة الشيطان والطاغوت ، وهذا منافٍ لشهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه ، فمعنى ( لا إله إلاَّ اللَّه ) : الكفر بالطاغوت ، والإيمان باللَّه .

وبناء على هذا يمكن أن نعرف حكم الإسلام في العلمانية ، فنقول: إن العلمانية نظام طاغوتي جاهلي كافر ، يتنافى ويتعارض تمامًا مع ( لا إله إلاَّ اللَّه) من ناحتين أساسيتين متلازمتين:

أولًا: من ناحية كونها حكمًا بغير ما أنزل اللَّه .

وثانيًا: كونها رفضًا وكفرًا ببعض ما جاء به الإسلام .

عباد اللَّه . إن العلمانية تعني بداهة: الحكم بغير ما أنزل اللَّه ، تفضيلًا أو مساواة أو إستحلالًا وتحكيم غير ما أنزل اللَّه ، وتحكيم غير شريعة اللَّه ، وقبول الحكم والتشريع والطاعة والإتباع من الطواغيت من دون اللَّه ، فهذا معنى قيام الحياة على غير دين .

قال تعالى: (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ) (المائدة: 44) .

والعلمانية تجعل العقيدة والشعائر لله وفق أمره ، وتجعل الشريعة والتعامل مع غير اللَّه وفق أمر غيره ، وهذا هو كفر الإباء والإستكبار في حقيقته وأصله؛ لأن أهل الجاهلية الأولى لم ينكروا وجود اللَّه ، قال تعالى: (( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ) ( لقمان: 25) .

وكذلك لدى أصحاب الجاهلية الأولى بعض الشعائر التعبدية ، قال تعالى: (( وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا ) ) ( الأنعام: 136) ، وكانوا يدعون اللَّه ويتضرعون إليه في الشدائد.

وبماذا حكم الله على مجتمع قريش ؟

لقد حكم عليهم بالكفر والضلال ، وعد تلك العبادات والأعمال هباءً منثورًا حين لم تبن على أصلٍ صحيح ، جميعها صفرًا في ميزان الإسلام.

ولذلك نشبت المعركة الطويلة بينهم وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وإشتد النزاع بمعركة شرسة ونزاع حاد، على كلمة واحدة ، كلمة لا إله إلاَّ اللَّه، كلمة يدعو إليها النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إلى أقصى حد، وترفضها الجاهلية إلى أبعد حد، لأنه منذ اللحظة الأولى، حين دعاهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إلى شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه، كان الجواب الفوري: (( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) ) (ص:5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت