فهرس الكتاب

الصفحة 1792 من 2255

ومن هنا يحق لنا أن نقول إن الحضارة كانت هي المقصد الذي من أجله أنزل الله الإنسان إلى الأرض ، لتكون إبداعًا إلهيا: كالفلك ، والشمس ، والقمر ، والأرض والنهر ، والزهرة . وكالغابة . وكبيت النمل . وكعش النحل . هو إبداع من إبداعات الله تعالى ، خلق الله من أجله الأرض والدنيا، وأنزل فيهما الإنسان .

لا يؤثر في كونه إبداعًا لله أن كان الإنسان مكلفا بإقامته ، أو بعبارة أدق: أن كان الإنسان باختياره عنصرًا فعالًا في إقامته . لأن كون الإنسان عنصرًا فعالًا وبإرادته في مكونات هذا الإبداع هو نفسه إبداع من إبداعات الله سبحانه وتعالى ، ظهر بإرادته وقدرته وكرمه .

ومن هنا كان وجود الشيطان ـ أيضًا ـ على مشارف الحضارة ودخائلها عنصرًا فعالًا في إقامتها من حيث إنه يدعم مبدأ تكوين الإنسان المسئول ، ويؤكد دور الإنسان المختار . الشيطان يتعرض للإنسان بالوسوسة ، فيتغلب الإنسان على وسوسة الشيطان ـ أو ينهزم ـ فيستقيم أو يظهر دور الإنسان الفعال المختار المسئول . { إن كيد الشيطان كان ضعيفًا } 76 النساء ، تمامًا كما كان كيد أعداء يوسف ـ وهم أعداء له يسعون إلى موته وتأثيمه وسجنه الخ ـ يمضون بإرادتهم في مشروعهم ، ولكنهم في نفس الوقت يمضون ـ وبكيد الله ـ في إقامة القدر النافذ الذي أراده الله: ليوسف { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض . } 21 يوسف { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين . } 30 الأنفال { إنهم يكيدون كيدا ، وأكيد كيدا }

ومن هنا كانت أهمية"لا إله إلا الله"باعتبارها شرطًا في تحقيق التكليف الأكبر بإقامة"الحضارة".

ألم يقل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجعلت لي الأرض مسجدًا .. } متفق عليه وقال الله تعالى: { وأن المساجد لله .. } 18 الجن ، إذن - وبقياس منطقي - فهي الأرض لله . وهى إذن - وبقياس منطقي أيضًا -: الحضارة ( الأرض + الإنسان + الزمن ) لله .

وأن الحضارة لله .

ومن هنا كان الرفض القاطع للشرك . فهو ـ أي الشرك ـ لا يعنى إهدارًا للإنسان الذي يتجه لغير الله فحسب. ولكنه يعنى إهدارًا للمشروع الأكبر"للحضارة"إذ تتجه لغير الله . أية حضارة تتجه لغير الله فهي فوق أنها حضارة مشركة هي أيضًا حرب على المشروع الذي يضعه الله ( للإنسان والأرض والزمن ) أي للحضارة .

لابد من"لا إله إلا الله"لتكون الحضارة"لله"حسب المشروع الإبداعي ، والتكليف الإلهي فإذا لم تكن كذلك كانت انحرافًا عن الحضارة الإلهية المرادة أصلًا. انحرافًا إلى مشروع آخر ينظر إلى وجوده ـ كما ننظر إلى الشيطان أو إلى عصيان ما ـ باعتباره تأكيدًا لكينونة المشروع الأصلي ، أي ليكون المشروع ـ حسب التصميم الموضوع له ـ قائما باختيار الإنسان ومسئوليته حسب تكليف صاحب المشروع .

ومع ذلك تصبح الحضارة"لغير الله"تأكيدًا للحضارة التي هي"لله"من حيث كون الأخيرة قد قامت رغم كيد الأولى ، أي انها قامت - وفقا للمشروع - باختيار الإنسان ، ، في نفس الوقت الذي تكون فيه تلك الحضارة: حضارة غير الله"نوعا من الاعتداء على الحضارة التي هي لله ."

تمامًا كما ينحرف أحد المنفذين لمشروع هندسي عن إرادة صاحب المشروع ـ ليقيم مشروعًا آخر ـ عمارة بدلًا من بيت ، أو كوبري بدلًا من شارع ـ ليتأكد بظهوره هكذا - موضوعيا - أن الآخر الذي التزم إنما التزم باختيار وإرادة .

وبنفس القدر كانت أهمية"… رسول الله"كعنصر أساسي لقيام الحضارة . أهمية"محمد رسول الله"ومن قبل مبعثه: عيسى رسول الله ، موسى رسول الله ، إبراهيم رسول الله ، نوح رسول الله .. إلخ . لأنه بعد أن ترتبط الحضارة بكونها لله وحده ، كان لابد من رسول يبين ما هو"لله"، وما هو"لغير الله". رسول من صاحب المشروع مبين للمشروع . وبيان الرسول الذي يأتي هو شريعة الله سبحانه . وفي شريعته تأتى الملامح والمواصفات الأساسية للمشروع المطلوب. وكان لابد أيضًا من أن يأتي الرسول بحيث يمكن تصديقه ويمكن تكذيبه: ليقوم الإنسان بالمشروع مختارًا غير مقسور وفقا لأصول المشروع نفسه . غير مقسور كالنحل في مشروعه . غير مقسور كالنمل في مشروعه . غير مقسور كالقمر في مشروعه .

شريعة الله هي"كتالوج"المشروع الذي بغيره لا يكون المشروع لصاحبه . بغيره لا تكون الحضارة لله .

ولقد وضع مشروع الحضارة على الأرض وفقا لأركان ثلاثة من عناية الله: العلم ، والعمل ، والإيمان .

ولهذا أعد آدم منذ البداية وجهز بهذا العلم . { اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم . } سورة العلق

{ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } 31 ـ 32 البقرة . وتعليم الأسماء هو في بعض وجوهه تعليم عملي ، لأنه تعليم لا من أجل العلم بالأشياء في حد ذاتها ، ولكن من أجل"التعامل مع الأشياء".وهذا العلم ـ العلم العملي ـ هو جوهر بناء الحضارة .

يقول تعالى: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ... } 29 ص لم يقل ليتأملوا ، وما تدبر آياته ؟ إتباع بعمل . { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون .} 3 الصف ( اللهم إنى أعوذ بك من الأربع . من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع . ) أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه .

وفي الأثر: ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ) ذكره ابن كثير في تفسيره لسورة اقرأ ، وذكره أبو نعيم في الحلية مرويا عن أنس عن الرسول صلى الله عليه وسلم

يقول عيسى بن مريم عليه السلام فيما يروى عنه في الآثار الإسلامية: ( إلى متى تصفون الطريق إلى الدالجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين ؟ إنما يبتغى من العلم القليل ومن العمل الكثير . ) ومن أقواله أيضا ( إن الزرع لا يصلح إلا بالماء والتراب ، كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل ، ويلكم يا عبيد الدنيا إن لكل شيء علامة يعرف بها وتشهد له أو عليه ، وإن للدين ثلاث علامات يعرف بهن: الإيمان والعلم والعمل . ) انظر اقتضاء العلم العمل للبغدادى ص68 . وعن سهل بن عبد الله التستري ( الناس كلهم سُكارى إلا العلماء ، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه . ) وقال أبو سعيد الخراز ( العلم ما استعملك ، واليقين ما حملك . ) أى على الفعل ، وعن ابن المنكدر قال: ( العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه حلّ وإلا ارتحل . ) ، ويقول ابن عبد ربه ( العلم علمان: علم حمل ، وعلم استعمل ، فما حمل منه ضر ، وما استعمل منه نفع ) . ويعرِّف ابن فورك ـ من المتكلمين ـ العلم ( بأنه ما يصح ممن قام به إتقان الفعل . ) وعن أبى الدرداء ( إنك لا تكون عالما حتى تكون متعلمًا ولا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملًا . ) .

وينضم إلى ركني العلم والعمل في المشروع الإلهي للحضارة على الأرض: ركن الهداية بالايمان .

ذلك أنه إذا كان العلم حظا مبذولًا للجميع ( علّم الإنسان ما لم يعلم..) فإن العلم وحده لا يكفي ، وبعبارة أخرى: العلم الذي يرشح لابتناء العمل عليه ـ هذا العلم وحده لا يكفي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت