فهرس الكتاب

الصفحة 1793 من 2255

لابد من الهداية ، وهى لا تعطى كما يعطى العلم ـ للجميع ـ وإنما تعطى لمن يتعرض لها بالإيمان والتسليم . لأن التسليم شرط بديهي في قبولها. { قل إن هدى الله هو الهدى . } 120 البقرة . { إن علينا للهدى .. } 12 الليل . { من يهد الله فهو المهتد . } 97 الإسراء . { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . } 43 الأعراف . { وإن اهتديت فبما يوحي إلىّ ربي . } 50 سبأ . ( والله لولا الله ما اهتدينا .. ) أخرجه البخاري في صحيحه

ولذلك كان أنفع الدعاء وأعظمه ـ كما يقول ابن أبى العز في شرحه للعقيدة الطحاوية ـ دعاءُ الفاتحة ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . )

إن العقل المتعلم ـ المستقل عن الهدى ـ يمكنه أن يصل إلى شيء من الظن ، لكنه لا يصل مستقلًا إلى شيء من الهدى الذي تشعر فيه النفس بالطمأنينة والسكون واليقين . إن الفلسفات والعلوم التجريبية التي يصل إليها العقل مستقلًا خاضعةٌ لما تخضع له عقولنا من النسبية والنقصان . لذلك فإن ما نصل إليه اليوم من علم يظهر لنا نقصُه غدًا ، وما نزال نكتشف بتقدم البحث جهلنا ، وهزال معارفنا ، وحاجتنا إلى الهدى واليقين الذي لا تفرزه عقولنا .

في ظل العلوم التجريبية والفلسفات الناقصة يتقدم العلم التجريبي ، ويطرد الحصول على منافع الدنيا ، لكن الإنسانية في عملية بناء الحضارة لابد لها من أهداف ثابتة واضحة راسخة على مدى القرون ، وإلا كان ضلالها عن أهدافها لا يمكن تلافيه أو البرء منه .

والعلوم النسبية تضل دائمًا عن الأهداف البعيدة الراسخة . فهذا ليس من شأنها ولا يمت إلى قدرتها بسبب ، ومن هنا كان الإنسان"حيوان الحضارة"بحاجة إلى مصدر خارجي يهديه إلى هذه الأهداف ويرسم لها الطريق: ( الصراط المستقيم . )

ومن هنا جاءت ملاحقة العناية الإلهية للإنسان وهو يُعَد للقيام بمهمته"بناء الحضارة"بعد أن"علمّه"جاءت هذه الملاحقة في قوله تعالى { فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } 123 - 124 طه.ولا يتلقى الإنسان هذا الهدى إلا من نافذة الإيمان . ولكي يقوم الإيمان فالطريق في"التسليم".

ويتضح ذلك ـ في الذاتية الإسلامية ـ من حقيقة كبرى مؤداها أن الاتجاهات الفكرية البشرية مهما اختلفت ومهما وضعت من شروط ـ على اختلافها ـ للتوصل إلى المعرفة فإنها تتنازل عن شروطها هذه في الأسس التي تقوم عليها ، وتؤمن بهذه الأسس إيمانا تسليميًا نزولا على حكم الضرورة العملية .

فعلت ذلك الفلسفة العقلية اليقينية ، والفلسفة اللاأدرية ، والفلسفة التجريبية ، أقرت بذلك علنا ،

أو أقرت به خفاء .

ومن هنا جاء خطاب الوحي إلى البشرية وكان مدخل هذا الخطاب عن طريق"الإنذار باليوم الآخر"في جميع رسالات الأنبياء كما تحدث عن ذلك القرآن الكريم ، وفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في القرآن الكريم أيضًا ، وفي السيرة النبوية في وضوح شديد . { يا أيها المدثر قم فأنذر . } سورة المدثر ، { يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغنى عنكم من الله شيئًا } .رواه أحمد في مسنده ، ومسلم في صحيحه ، وفي غيرهما بمثله .

والإنذار يصنع موقفا يتلخص في كلمتين: خبر عن مجهول ، يقابل بالتصديق أو يقابل بالتكذيب . وهو منطق عملي يركز فيه المنذر على أمر نمارسه في حياتنا العملية ـ جميعا مهما اختلفت فلسفاتنا ـ: الأخذ بالأحوط فيما يتضمن الخبر عنه تحذيرا من خطر شديد محتمل { إن عليك إلا البلاغ } 48 الشورى .

وهنا تبدأ الخطوة الأولى في الإيمان ، وهى خطوة تحقق اليقين في النجاة . ولأنها خطوة مبنية على التسليم لله ـ في موازاة الذين يسلمون لغيره ـ فإنها تستتبع وراءها عناية الله بزيادة الهدى ، وعنايته بزيادة الإيمان ، وعنايته باليقين التام { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم . } 4 الفتح .

وهكذا صنع إيمان أبى بكر وعمر وعلى وعثمان والصحابة والتابعين ـ وفقا لشروط عملية طبقت فيما يتعلق بأركان الإنذار الأربعة: في مصدره ، وموضوعه ، وحامله ، ومتلقيه . { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا . } سورة الفرقان هكذا وفقا للذاتية الإسلامية . - . انظر كتابنا"الأسس المنهجية لبناءالعقيدة الإسلامية"نشر دار الفكر العربى 1976 وانظر كتابنا""فلسفة التسليم"، وكتابنا"مداخل إلى العقيدة الإسلامية"لطلاب كلية أصول الدين -"

إذن فالحضارة ـ وفقا للمفهوم الإسلامي ـ مقصد شرعي إلهي يصنع باختيار وابتلاء ، وفق الإرادة الإلهية . وقيام حضارة أخرى تتصف بالإنسانية دون الإلهية هو ابتلاء وفرز يؤذن بتدافع حضاري محتوم . ومن هنا فإننا نؤكد أنه لا أمل في قيام نظام إسلامي دنيوي بحت ، حتى في الأمور الدنيوية ، حتى في الأمور المتصلة بماديات هذه الدنيا .

التصور الإسلامي لابد أن يجعلها مغموسة بالنظرة الأخروية . هذه هي طبيعة هذا النظام . وهذا هو اختيار الله لنا في هذا النظام . فمن أراد نظامًا إسلاميًا للحضارة فليدرك البعد الأخروي في كل فقرة من فقراته ، وكل حلقة من سلسلته ...والذين يتصورون قيام حضارة إسلامية دنيوية بحتة يجربون خدعة بلقاء .وسوف ينتهي بهم الطريق إلى سد . لأنهم من البداية حاولوا أن يطلبوا من النظام الإسلامي للحضارة ألا يكون إسلاميًا . البعد الأخروي لابد منه عند اختيارنا للإسلام . وتلك هي الحضارة الإسلامية في ذاتيتها التي تحققت . وهى هي الحضارة الإسلامية في ذاتيتها إن أردنا لها أن تتحقق مرة أخرى .

وهكذا وفقا للذاتية الإسلامية قامت الحضارة الإسلامية على أركانها الثلاثة المترابطة: العلم والعمل والإيمان . حضارة فذة في تاريخ البشرية ، مرت بأطوارها في البناء والاستقرار قرونا طويلة .

وفي ضوء هذا التصور يمكنني القول بأن الحضارة وهي مقصد شرعي إلهي فإنها تمثل الكل بالنسبة لأجزائه من المقاصد الشرعية الأخرى الخمسة في حفظ الدين والعقل والنفس والعرض والمال ، ولكنها فوق ذلك تمثل طابع الحركة الناشطة من داخل هذه المقاصد الحافظة . كما يمكنني القول بأن هذا التصور يعد بوجه من الوجوه استجابة من ناحية المبدأ ، وتطويرا من ناحية التطبيق ، لما طرحه الداعية الكبير فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الغزالي في بعض كتاباته من ضم مقصد"العدالة"أو ما طرحه العلامة التونسي الكبير الشيخ ابن عاشور من ضم مقصد"الحرية"، - أنظر جريدة الاتحاد في حوار مع الشيخ الغزالي بتاريخ 26\1\1990 -

وفي تقديري أن مقصد"الحضارة"أكثر شمولا من ناحية وأكثر التصاقا بنص القرآن من ناحية أخرى في تحديده للغرض من نزول آدم وزوجه إلى"الأرض"، حسبما قدمناه ، وهو المقصد الذي يفترض أن ينتقل بالمقاصد الخمسة - في حالة تغلغله فيها - من حالة السكون والكمون إلى حالة الحركة والحياة .

وفي رأيي أنه لم يبدأ التداعي في هذا المشروع بعد أن تم إنجازه تاريخيا إلا بدخول التفكك في هذه الثلاثية التى قام عليها المشروع . التفكك في ثلاثية العلم والعمل والإيمان . وقد جاء هذا التفكك على مرحلتين: أولاهما مبكرة على يد الفلسفة اليونانية: في التفكك بين العلم والعمل ، وثانيتهما جاءت متأخرة على يد العلمانية: في التفكك بين العلم والعمل من ناحية و الإيمان من ناحية أخرى ، وفي المرحلتين جاء المرض من الغرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت