ولئن كانت المرحلة الأولى ( وهي مرحلة الفساد الفكري والخلل العقدي ) تتميز بالضلال وظهور أئمة الفساد الذين يدعون الناس إلى الباطل ويبررون كل منكر ويخضعون مبادئ الصراط القويم للمسار المنحرف بواسطة التأويل . . . فإن مرحلة الذنوب تتميز بأنها مرحلة انتشار وسائل الترف . وخضوع الأفكار للأشياء ، وبروز العوامل المادية التي تهوي بالمجتمع إلى قاع الاستهلاك ، حتى تصبح الثانويات والكماليات جزءا أساسيا في حياته .
وفي هذه المرحلة يتبلد الإحساس: سورة يونس الآية 101 وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ وتنغمس القيادات والشعوب في ترف مزر ، وتتحول العلاقة بين الحكام والمحكومين إلى ( علاقة مادية مطلقة ) فما دام الحكام يوفرون للشعوب حاجاتها التي يطمعون فيها فهي عنهم راضية حتى ولو دمروا الأخلاق وكانوا يمشون سيرة معوجة . . . وفي مثل هذه الحياة المترفة يكثر المفلسفون للفساد والمبررون له . . . وأكثر الفلسفات التي تنتشر تؤيد إشباع الغرائز ، وتدعو إلى الانفتاح على الترف المادي ، وتزين للناس توفير كل سبل الحياة المادية ، ولا مكان في هذه الحياة للآخرة ، ولا لعالم القيم العليا ، ولا لدعوات التسامي والتضحية والإيثار والجهاد بل تقف الماديات وحدها هي الأمل وهي القيم العليا والغاية المرجوة ، يقول القرآن مصورا هذه الحياة المادية بكل أبعادها .
سورة آل عمران الآية 14 زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ .
سورة سبأ الآية 34 وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ سورة سبأ الآية 35 وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 189)
إنها مرحلة ( سيطرة الأشياء على القيم والأفكار ) ، وهي مرحلة التردد والتذبذب في كل شيء ، فالحق قد يكون معروفا بوضوح ، لكن الأمة المنغمسة في الترف لا تعطي الحق إلا بعض الكلمات في بعض المناسبات ، أو تجعله أشبه ما يكون (( بالشعارات ) )، لكنه بعيد عن عالم التطبيق ، إن ضغط (( الأشياء ) )وشتى مظاهر الترف على العقول والسلوكيات تحول دون تطبيق الحق المعروف ، وإن السواعد المترفة تضعف عن تحمل واجبات الحق المعروف والواضح ، وتظهر في الطريق فلسفات تحاول تبرير هذا الوضع ، بل والنظر إليه على أنه ( التقدم ) فتصبح المهرجانات والمباريات والمسابقات والاحتفالات وما يصحبها من صور البذخ والإسراف واللهو وتمجيد التافهين . . تصبح أكبر وسيلة للتعبير عن حالة ( التحضر ) ، وقد يخدع بعض العقلاء أنفسهم فيحاولون مهادنة هذه الأوضاع أو الرضا بها وتبريرها ، وتعلمنا مسيرة الرومان أن حضارتهم في عصر النشأة والقوة كانت تتميز بقلة الرغبات والحاجات ، وكانت عقيدتهم قوية لدرجة أن كل أفرادهم كانوا مستعدين للتضحية ؛ لأن قيمة الحياة ( مع قلة الحاجات والرغبات ) تصبح لعينة ، وترتفع أسهم القيم العليا . . .
ومن خصائص هذا الوضع جفاف منابع الإرادة ، وقلة الخيال السامي الذي يحدو بناة الأمم عادة وصناع الحضارات ، وتنحصر الآمال في (اللحظة) وفي إطار ( العمر الممدود ) الذي يراد الاستفادة منه في المتعة إلى أقصى الحدود دون تفكير في المستقبل ، حتى في المستقبل القريب ، ودون تفكير حتى في الأقطار المحيطة بالأمة ، والتي عادة ما تكون قوية جدا في مثل هذه الظروف .
( لنتذكر حالة ملوك الطوائف في الأندلس وتربص نصارى الشمال الأسباني بهم ولنتذكر قبلهم حالة الرومان كما صورها جيبون أثناء سقوط الإمبراطورية الرومانية ، وإحاطة الحرمان بها ، ولنتذكر حالة معاصرة وهي حالة العرب والمسلمين الآن وإحاطة القوى اليهودية والصليبية والشيوعية والهندوسية بهم ) .
ومن السمات المميزة لهذه الحالة أيضا ظهور فجوة كبيرة بين الطبقات ، ففي ظل الترف تظهر طبقة تصل إلى تكديس معظم الثروة ، ويبدو الفرق شاسعا بينها وبين سائر المجتمع ، وتظهر طبقة قادرة على أن تعيش بلا عمل طول حياتها ، لأن تكديس الثروة ينتهي إلى أن هناك أجيالا من أبناء أو أتباع المترفين تكون قادرة - ومقبلة - على الحياة المترفة دون جهد لعشرات السنين أو لأكثر من ذلك .
ومثل هذه الثروة لا يمكن أن تمتلك بالعمل ، بل تكون لها طرق من الحيل الشرعية المبغوضة أو غير الشرعية ، وهي تجنح إلى الاكتناز أو التكديس ( وأكل الأموال بالباطل ) على غرار ما كان يفعله الأحبار والرهبان: سورة التوبة الآية 34 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .
ومن خصائص هذه المرحلة ذهاب روح الإخلاص والصدق ، وفقدان قوة الإرادة واستسهال الطريق السريعة الوصول ، صحيحة كانت أو غير صحيحة ، ومع ذهاب الإخلاص والإرادة يغلب الشكل على المضمون ، ويصبح المجتمع مهتما بالنواحي الشكلية على حساب الجوانب الحقيقية ، وحتى التدين يصبح شكلا ومظهرا أكثر منه حقيقة ومخبرا ، بل يصبح وسيلة لكسب الدنيا وليس لإصلاحها ، وتظهر النواحي الطائفية سنن الله في التقدم والتخلف ، محمد تقي الأميني ( بالأوردية ) ، ولا تصبح العقيدة والعمل النافع هما ميزان الخير والشر ، بل يصبح الانتماء الطائفي أو العرقي أو الحزبي أو العنصري أو الوطني هو الأصل ، وهو يغفر لأصحابه كل زلاتهم وإهمالهم .
ومن آثار مرحلة الترف على الكيان الإنساني تدمير العاطفة البشرية والابتلاء بقسوة القلب وغلظته ، وعندما تصل القلوب في أمة إلى مرحلة غلظة القلوب وقسوتها تفقد الأمة كثيرا من وشائج الرحمة وأواصر التراحم ، ولا يستجيب الناس للحق إلا على مطارق الموت لغرورهم وفساد قلوبهم ، ويتجرأ السفلة القساة على المصلحين الهداة ، ولربما يبحثون لهم عن مثالب وتهم يسكتونهم بها ، وينتشر العناد والمكابرة ومظاهر الصراع الغليظة ، وينزوي الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وتصبح ( القوة ) و ( الثروة ) و ( الأنانية الفردية ) و ( الأثرة ) هي القيم المسيطرة ، ويضطر الضعفاء - وهم الغالبية تحت ضغط هذه القيم الغابية - إلى الملق والنفاق والكذب والسلبية .