فهرس الكتاب
قد تكون هناك فرصة للاعتقاد ما أمكن أن بريطانيا في بداية طريقها للانفصال عن ماضيها العنصري، وأن نأمل بأنّنا نعيش في مجتمع متعدّد الثقافات ولا يفرق بين ألوانه المختلفة ومتسامح مع أفراده حقًا. برغم أنه أصبح واضحًا جدًّا أن ما يقبله أكثر الناس في بريطانيا من عنصرية ضد العرب والمسلمين لن يكون مقبولًا لو مورس ضد جماعات أخرى كاليهود أو الكاثوليك أو السود.
فعلى أقل التقديرات أوضح الغضب بشأن كيلروي بشكل سيئ كيف أنه من الضروري للبريطانيين أن يثقفوا حول الإسلام والعالم العربي، في الوقت الحاضر؛ فالمساهمة الإسلامية في الحضارة العالمية مهملة بالكامل في مناهج المدارس البريطانية؛ ففي مدرستي على سبيل المثال لم أصادف سوى الإسلام السلبي والمستهدف في سياق حملة صليبية.
لنأخذ مثلًا مايكل جوف في جريدة"التايمز"الذي يحذّر من أخطار"الإرهابيين المسلمين المتعصّبين المترصدين بيننا"قائلا:"هم هناك بالآلاف وإنهم لن يحترموا ضعف أحد بعد الآن، وسيفعلون أكثر مما فعل لينين". وفي هذه الأثناء، كتب كونراد بلاك مالك صحيفة"الجارديان"واصفا الفلسطينيين بالحقراء والبدائيين. بينما كتبت باربرة أميل -المتزوجة من رجل أسود- في أحد تبجّحاتها، مساوية بين العرب والحيوانات.
والملاحظ أن مثل هذا الهجوم المجحف ضدّ المسلمين، وانتشار الآراء المنمطة والبلهاء عن السلوك والاعتقادات الإسلامية تطوّرت بنسبة مخيفة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001.
ومما يثير السخرية أنّ معظم الهجوم على المسلمين يأتي من اليمين المسيحي المحافظ، ما أعطى ذلك الإسلام البريطاني الدافع للحفاظ على قيمه بنجاح، ومنها التأكيد على تكوين عائلة وأسرة والعفة قبل الزواج، واحترام شيوخ الإسلام وصلاة الجمعة الأسبوعية بالإضافة إلى مراعاة الأعياد الدينية المهمة.
مد إسلامي
لكن القضية أكبر من ذلك وهي أن الإسلام بدأ يأخذ مكان اليهودية كديانة ثانية في بريطانيا بعد النصرانية، وقد يكون العداء المرَضي للإسلام أخذ مكان معاداة الساميّة كخطاب رئيس للمتعصبين من الغرب ضد"الآخر"؛ فقد هاجموا ذوي القمصان السود قبل حربهم ضد اليهود، واليوم لدينا حالة مناظرة بالنسبة للهجوم على المسلمين الآن، حيث تحول العداء إلى درجة الهجوم على من يبكون ضحايا مذبحة"سريبرينيتشا"والتي راح ضحيتها أكثر من 7,000 مسلم 1995 مما أنتج موجة من المقالات الصحفية التي حملت ميلًا مسيحيًّا للعنف، حتى إن أي تحرك لتنظيم القاعدة يجلب نقدًا للإسلام كديانة، إضافة لتذمر مغرض حول تعاطف المسلمين البريطانيين مع الإسلام.
وقد بدأت أعداد المسلمين المترددين على المساجد في لندن يلحق بعدد المسيحيين الذين يذهبون إلى الكنيسة بسرعة، كما أن إيمان مسلمي الجيل الثاني من البريطانيين يتميز بالقوة، وهناك الآن تقريبًا ألف مسجد تخدم 1.8 مليون بريطاني مسلم، الغالبية العظمى من هذه المساجد افتتحت في السنوات الـ15 الماضية.
وهناك دلائل كثيرة على أن الإسلام يعد الدين الأسرع تمددًا ليس فقط في بريطانيا وإنما أيضًا في فرنسا والولايات المتّحدة، وأن التحول إلى الإسلام يحدث كثيرًا بشكل أشبه بالهجرة، غير أن الخطأ الملازم للتناول الإعلامي الغربي للإسلام هو أنه يتجاهل نجاحه البدهي وشعبيته المتزايدة.
قضايا النهضة..بحث في الأيديولوجيا
محمد أبو رمان 7/9/1425
احتوى عدد مجلة الكلمة (شتاء 2004) على مجموعة من الدراسات والمقالات والمتابعات، وقد تنوعت من حيث المواضيع والقضايا المطروحة؛ فكتب مدير التحرير محمد محفوظ عن"الإصلاح الديني"، فيما تناول رئيس التحرير زكي الميلاد الثقافة والحضارة: قراءة في نظرية علي عزت بيجوفتش، وطاهر مسعود (كاتب جزائري) مشكلة الثقافة والحضارة في فكر مالك بن نبي، وناقش أ.د سيف عبد الفتاح (المفكر الإسلامي واستاذ العلوم السياسية) موضوع العولمة والإسلام رؤيتان للعالم قراءة معرفية ومنهجية، وكذلك عبد الإله التاروتي موضوع الشباب وثقافة العولمة السياسية، بالإضافة إلى موضوعات متعددة أخرى.
وتلقي هذه القراءة الضوء على بعض الدراسات المحورية في هذا العدد والمرتبطة بقضية الإصلاح الديني وإشكالية العلاقة بين الثقافة والحضارة في مشروع النهضة..
الإصلاح الديني
في دراسته عن"معنى الإصلاح الديني"بيّن محمد محفوظ أن الإصلاح الديني يعني إعادة تأسيس فهمنا للدين بعيدًا عن الأحادية في التفكير والقشرية في الفهم؛ إذ إنّ البنية التحتية لعملية الإصلاح الشامل في الاجتماع الوطني لا يمكن أن تُنجز دون الانخراط الفعلي والنوعي في عملية الإصلاح الديني الذي يوفر لنا إمكانيات هائلة على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية.
ومن متطلبات الإصلاح الديني كذلك تفكيك الاستبداد داخل البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والعمل على تحرير المجال الاجتماعي من تبعاته ومتعلقاته التي تحول بين المجتمع وانعتاق طاقاته وإمكانياته. وتتطلب عملية تفكيك الاستبداد تنقية مصادر المعرفة وسلم القيم الثقافية من جراثيم ثقافة الاستبداد، والقيام بمبادرات اجتماعية تحد من ظاهرة الاستبداد في حياتنا العامة وبين مختلف فئات المجتمع وتعبيراته.
ومن مقومات الإصلاح الديني المطلوب صيانة حقوق الإنسان والعمل على توفير مجال فكري وفقهي واجتماعي يقوم على احترام قيمة الإنسان وكرامته مهما اختلفت ديانته أو اتجاهاته الفكرية أو أصوله اللغوية والعرقية.
الثقافة والحضارة عند علي بيجوفتش
في دراسته"الثقافة والحضارة قراءة في نظرية علي عزت بيجوفتش"رأى زكي الميلاد أن بيجوفتش قد حسم التناقض والتعارض بين الثقافة والحضارة، وحدد لكل منهما مسارًا تاريخيًا ودينيًا وأخلاقيًا متباعدًا ومتعارضًا، إذ ينتصر للثقافة انتصارًا كاملًا.
وتقوم إشكالية التناقض بين الثقافة والحضارة عند بيجوفتش على ثنائية رئيسة يربط من خلالها الثقافة بعالم السماء والمثل العليا في حين يربط الحضارة بعالم الأرض أو الطبيعة أو الأشياء المادية؛ فالثقافة هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على نفسه بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي.
ووفقًا للرؤية السابقة؛ فإن هناك تعانقًا بين الدين والثقافة في نظرية بيجوفتش، بينما الحضارة تشير لديه إلى الإلحاد أو الشيئية أو التقليل من سلطة الروح على الإنسان، ويمكن إرجاع رؤية بيجوفتش هذه إلى أمرين اثنين: الأول الموقف من الإنسان، والثاني الموقف من الأيدلوجيا؛ فبخصوص الأمر الأول فإنّ مسألة"أصل الإنسان"هي حجر الزاوية في الاختلاف بين الثقافة والحضارة، فإذا كان أصل الإنسان هو الخلق والتكريم الرباني فهذه رؤية الدين والثقافة، أما إذا كان أصل الإنسان التطور والنشوء والارتقاء فهذه رؤية الحضارة والعلم الغربي الحديث. أما بخصوص الأمر الثاني؛ فإنّ العالم الحديث يشهد صدامًا أيدلوجيا كبيرًا ينحاز فيه بيجوفتش إلى الإسلام وتقوم رؤيته على الانتصار للفلسفة الإسلامية في مواجهة الفلسفات الأخرى، خاصة الغربية، الأمر الذي يظهر جليًا في كتابيه:"الإسلام بين الشرق والغرب"و"الإعلان الإسلامي".