فهرس الكتاب
فور أحداث سبتمبر أنهت أمريكا مرحلة من تاريخها في علاقتها بالعالم، ودخلت مرحلة جديده باتت تتطور وتندفع فيها إلى أن وصلت إلى الحالة الراهنة في العراق التي تتهاوى فيها هيبتها بشكل مطلق، فهزيمتها البادية هناك أخطر ما تواجه أمريكا في تاريخها المعاصر باعتبارها النقطة التي سيحدث عندها انقلاب المنحنى الأمريكي في العلاقات الدولية. كانت المرحلة السابقة على أحداث سبتمبر في العلاقات الدولية لأمريكا تقوم على سيطرتها على القرار الدولي، وباستخدام الأمم المتحدة -أخذت قرارًا دوليًا بالإكراه ودون ضجيج بالعدوان على العراق في الحرب الأولى- فجاءت هذه الأحداث لتدخل أمريكا إلى مرحلة جديدة تحوَّلت فيها إلى دولة تصارع على القرار داخل الأمم المتحدة. وكان الأكثر دلالة في التعبير عن التحول أن بات الفيتو الأمريكي أقلية داخل مجلس الأمن، وقد كان في ظل أسوأ مراحل الحرب الباردة أغلبية (أمريكا وبريطانيا وفرنسا في مواجهة روسيا والصين) بل وبمزيد من الوقت أصبح الفيتو الصيني أقرب إلى أمريكا منه إلى روسيا، لكنها تحوَّلت بعد أحداث 11 سبتمبر إلى أقلية وسط من يمتلك حق الفيتو، بل إلى أقلية حتى داخل مجلس الأمن بإضافة الدول غير دائمة العضوية، فعلت كل ما تستطيع من إغراء وضغط ولم تنجح. كانت ضربة سبتمبر هي التي أخرجت ما كان يرتب في السر داخل الولايات المتحدة، وكانت هي الإيذان والمؤشر للدول المنافسة ببدء تسارع انهيار عوامل قوة الإمبراطورية الأمريكية، فتحركت ضدها، وفي حالة أفغانستان تركتها وحيده ترتكب حماقتها العدوانية، أو بالأحرى تركت العملاق الذي ضرب على رأسه يطيح بضرباته في الهواء، وانتهزت فرصه عدوانه على العراق لتنتقل إلى مرحلة الضغط عليه، أو هي باتت تبارزه، أو لنقل تساومه وربما تبتزه، فرنسا تذكَّرت أنها تملك الفيتو، وألمانيا تذكَّرت ثأرها التاريخي وباتت تطلب وضعًا دوليًا جديدًا، وعادت روسيا لتعيد الشعور بالحرب الباردة كلما سمحت الظروف لها، ولم يعد مع الولايات المتحدة سوى أضيق تحالف عرفته في كل تاريخها، ففي الحرب العدوانية الثانية (العالمية) كان إلى جوارها بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي. ..الخ
وفي الحرب الباردة كانت تلتحف بأوروبا كلها وزاد على تحالفها الصين في مرحلة لاحقة، وخلال العدوان الأول على العراق في التسعينيات كانت الأمم المتحدة تتلقى أوامر أمريكا فتنفذها، لكن في العدوان على أفغانستان تغيَّر الأمر ولم يذهب معها إلا بريطانيا مع بعض من الدعم من هنا وهناك، إلى أن جاء العدوان الأخير على العراق فوقف الجميع ضدها، وإزاء ما يتبعه الآن من مقاومة عنيدة باتت الولايات المتحدة هي التي تنشد أو لنقل تتسول تدخُّل الأمم المتحدة التي بدورها باتت هي التي تضع شروطًا على أمريكا.
الخطأ الاستراتيجي الأول!
كان الخطأ الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر أنها اعتبرتها فرصه للهجوم لا للتراجع، وقد كان ذلك ناتجًا في جانب منه عن إصابة العقل الأمريكي بعقدة التفوق الدائم للأنجلو ساكسون -المقابلة لعقدة تفوق الجنس الآري عند هتلر-على رأس الحضارة الغربية التي طغت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وجرى التنظير لها عبر نظريتي"نهاية العالم""وصراع الحضارات".
حينما انهار الاتحاد السوفييتي كان جوهر التغيير في الوضع الدولي هو أن التوازن في العالم قد مال إلى كفه من الكفتين، ولم يكن انتصارًا للولايات المتحدة وحدها، لكن الولايات المتحدة انطلقت وحدها لتملأ فراغ الطرف المنهار وبفرض نفسها طرفا وحيدًا، وجرى التوسُّع في المؤسسات الداخلية وتطوير استراتيجيات تقوم على سرعة اغتنام الظرف الذي تهيأ لتحويله إلى نظام سيطرة لها، حاولت جعل المؤقت دائمًا.
وكان هذا هو جوهر الاستراتيجية الأمريكية، وجوهر خطأ هذه الاستراتيجية في الآن ذاته، ليس فقط لأن الوحدانية لله وحده وقد خلق الكون وأقامه، به من كل شيء اثنين، ولكن أيضا لأن مخططيها الذين أعماهم النصر المزيف -التقدير الاستراتيجي هو أن أحد المتصارعين سقط قبل الآخر لا أكثر ولا أقل- ولكن أيضًا لأن مساحة التراجع التي كان الاتحاد السوفييتي انسحب منها قبل انهياره -الذي بدا منذ السبعينات- كانت هناك قوى أخرى من العالم قد جهَّزت نفسها أيضا إلى احتلالها، بل كانت ترى أن انتهاء الاتحاد السوفييتي سيولد ضغطا باتجاه الولايات المتحدة، وليس العكس كما تصور المخطط الاستراتيجي الأمريكي .قبل انهيار الاتحاد السوفييتي كانت تغيرات مهمة تحدث بتسارع أيضا-وعلى حساب أمريكا والسوفييت في وقت واحد- في العالم، منها أن الدول الإقليمية كان وزنها في تصاعد على حساب القوى العظمى كمثل ما حدث للهند والصين وجنوب أفريقيا وغيرها، كما كان بعض من هذه الدول قد وصلت إلى بداية سلم الدول العظمى، كما هو حال الصين كما كانت أوروبا قد دخلت في مرحلة تسريع مستقبلها المشترك ..الخ.
وفور انتهاء الاتحاد السوفييتي تسارعت هذه التطورات بأسرع مما قدَّر الأمريكان، وهنا بات الأمريكان أمام وضع مرعب بالنسبة لهم قوامه أن أمريكا إذا كانت تواجه من قبل طرفًا عالميًا واحدًا (الاتحاد السوفييتي) إذا بالعالم ينفتح أمامها في الشكل، ويتكالب عليها في الجوهر، و إذا بالأوروبيين يقولون لها نحن الآخرين قوة، قوة عالمية تطلب نصيبها الاستعماري، وإذا بالصينيين وإذا داخل أوروبا يتحول إلى عداء. وفى هذا التوقيت وبينما الأمريكان قد انفتح العالم عليهم- وضدهم أيضا- جاءت ضربات سبتمبر لتكشف نقاط الضعف ولتضيف قوة هائلة في الصراع ضدها، فكان بالإمكان التراجع والتروي لكن الفكر كان قد تأسس على السيطرة على العالم، فلم يكن هناك سوى لغة القوة ضد العرب والمسلمين ولإعادة تطويع العالم، فكان تسريع الانهيار الأمريكي.. لقد كانت تلك الأحداث بمثابة إخراج للحية من جحرها الذي كان حمايتها الممكنة، فباتت مطاردة وغير قادرة على العودة إلى جحرها.. قلبت علاقات أمريكا بالعالم إلى عداء .
العالم الإسلامي..عدو عقائدي!
الخطأ الاستراتيجي الثاني الذي ارتكبته الولايات المتحدة هي أنها وضعت نفسها في مواجهة مع المسلمين كافة ومن بينهم العرب، أو أن العرب والمسلمين أصبحوا عدوًا عقديًا من وجهة النظر الأمريكية والعكس!