فهرس الكتاب
لا شك أن ميزان القوى ومعادلة التكافؤ بين الأطراف المتحاربة تخضع لمن يناصر كل طرف، ومن يقف بجانبه ويؤيده، وإن كان بمجرد التأييد العاطفي والتشجيع المعنوي، فكيف تكون المعادلة إذا كان الله ـ جل وعلا ـ مع أهل الإيمان يؤيدهم وينصرهم؟! كما قال: {وَاذْكُرُوا إذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] . وقال الله ـ سبحانه ـ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] ، وقال ـ سبحانه ـ: {إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128] .
(فهو معهم سبحانه وتعالى بالإعانة، والكفاية، والنصر، والتأييد، والهداية، والتوفيق، والتسديد...، وغير ذلك مما تجفو عبارة المخلوق عنه، ويقصر تعريفه دونه، وهذه هي معية الله الخاصة لأحبابه وأوليائه) (1) .
ومن كان الله معه كان النصر حليفه، مهما ملك عدوه من قوة، وأصبح ذلك العدو أحقر من الذباب في نظره، وإن كانت الأسباب المادية كلها في يده، كما قال موسى ـ عليه السلام ـ حينما خرج فرعون بغطرسته وجنوده يطاردونه هو والقلة المؤمنة معه، حتى قال فرعون: {إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] ، وهذه المفارقة العظيمة بين الطرفين جعلت بعض من كان مع نبي الله موسى ـ عليه السلام ـ يقول: (إنا لمدركون) . كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ، ولكن موسى ـ عليه السلام ـ لما كان يعي حقيقة المعادلة: {قَالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] ، ثم قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ بعد ذلك: {وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ^65^) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ^66^) إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 65 - 67] .
وكذلك نبي الرحمة حينما خرجت قريش بغطرستها وكبريائها تطارده ، فأوى إلى الغار ومعه صاحبه الصديق ـ رضي الله عنه ـ، وما كانا يملكان من القوة المادية شيئًا يذكر، حتى خاف أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ علىالنبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى أن القوم قد وصلوا إليهم، ولكن الثقة بموعود الله جعلتالنبي صلى الله عليه وسلم يُطَمئن صاحبه، ويقول: {لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] . كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {إلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40] .
وحينما تمتلئ قلوب أهل الإيمان يقينًا بأن الله معهم لن يأبهوا بعدوهم مهما يكن معه من قوة، ولقد أخبرنا الله ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه العزيز عن هذا النوع من الناس فقال: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ 249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 250) فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 249 - 251] .
u ثانيًا: قتال الملائكة في صفوف المؤمنين:
قبل أن نستطرد في الحديث عن الأسباب الغيبية لنصرة أهل الإيمان أو ما نسميه (بالأسلحة التي لا تصنعها الحضارات) ، فإنه من المهم دفع شبهة قد ترد على بعض الناس عن: ما هي الحكمة من تسخير جنود السماوات والأرض؛ لمناصرة أهل الإيمان، والله سبحانه قادر على أن يهزم أعداءه بقوله: كن فيكون؟! {إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] .
فقد ذكر السبكي ـ رحمه الله ـ جوابًا على ذلك فقال: (وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي وأصحابه، وتكون الملائكة ـ وغيرها من جنود السماوات والأرض ـ مددًا على عادة مدد الجيوش؛ رعاية لصورة الأسباب وسنتها، التي أجراها الله ـ سبحانه ـ في عباده. والله هو فاعل الجميع) .
(وكلام السبكي ـ رحمه الله ـ يكشف عن طبيعة الإسلام في تحقيق أهدافه معتمدًا على الجهد البشري، وفي حدود السنن والقوانين الطبيعية والاجتماعية. وهذا الكلام يدل على بصيرة نافذة، وعمق في فهم طبيعة هذا الدين) (2) .
ومما يجعل كفة المعادلة ترجح لصالح أهل الإيمان؛ أن الملائكة تقاتل في صفوفهم، فقد ثبت بالكتاب العزيز والسنة الصحيحة أن الملائكة شاركت في قتال المشركين يوم بدر كما قال ـ سبحانه ـ: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 123) إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ 124) بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 123 - 125] ، وقال ـ سبحانه ـ: {إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] .
وقد رأى الرسول الملائكة في غزوة بدر؛ ففي صحيح البخاري: «باب شهود الملائكة بدرًا» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هذا جبريل أخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) (3) . بل إن رؤيتهم لم تكن مقتصرة علىالنبي صلى الله عليه وسلم ، ففي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: «رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، لم أرهما قبل ولا بعد» (4) .