فهرس الكتاب
قال ابن حجر في الفتح: «هما جبريل وميكائيل كذا وقع في مسلم من طريق أخرى» (5) . «وجاء جبريل إلىالنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة» (6) ، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ «بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم! إذ نظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا، قال: فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط فخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: صدقت؛ ذلك من مدد السماء الثالثة» (1) .
ولم تكن مشاركتهم مقتصرة على غزوة بدر، فقد حاربت الملائكة في مواقع أخرى، ففي غزوة الخندق (يوم الأحزاب) أرسل الله ملائكة تقاتل في صفوف أهل الإيمان، كما قال ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .
وقد ثبت في الصحيح أنهم يقاتلون بأسلحتهم، ففي صحيح البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: لما رجعالنبي صلى الله عليه وسلم من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل، أتاه جبريل ـ عليه السلام ـ فقال: «أوَضعتم سلاحكم! فإننا لم نضع سلاحنا بعد. فقال: إلى أين؟ فأشار إلى بني قريظة» (2) .
وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبلق، ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أَسَرْتُه يا رسول الله، فقال: «اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم» (3) .
فإذا علم ذلك فإن الملائكة خلق من خلق الله ـ تعالى ـ وقد أوتوا من القدرة ما يعجز عنه الوصف، كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ عن ملائكة النار: {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ، وفي الحديث الصحيح أنالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش، ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام تخفق الطير» ، وقد رفع جبريل قرى قوم لوط بطرف جناحيه إلى السماء ثم فلتهم... كما ذكر ابن كثير في تفسيره عن مجاهد أنه قال: (أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم كفاها، وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن) (4) .
فسبحان الله! كيف يُهزم جندٌ يقاتل معهم الملائكة؟! وهذا من أهم الأسرار التي تجعل كفة الغلبة والنصر في أكثر الغزوات، ترجح لصالح أهل الإيمان؛ رغم عدم التكافؤ في العدد والعدة.
u ثالثًا: مؤازرة مسلمي الجن لإخوانهم المؤمنين:
الجن خلق من خلق الله ـ تعالى ـ، خلقهم الله ـ تعالى ـ قبل خلق آدم ـ عليه السلام ـ، فكانوا أول من سكن الأرض كما قال ـ سبحانه ـ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ ^26^) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26 - 27] . وقد وهبهم الله ـ تعالى ـ من القدرات العظيمة التي لا يعلمها إلا الله، وقد بين ـ سبحانه ـ في كتابه شيئًا من ذلك، كما في قصة سليمان ـ عليه السلام ـ حينما طلب إحضار عرش ملكة اليمن (بلقيس) من اليمن إلى بيت المقدس، فقال عفريت من الجن: أنا آتيك به في مدة لا تتجاوز قيام الرجل من مجلسه. كما في قوله ـ سبحانه ـ: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] . ويدل على ما أوتوا من القدرات الهائلة قدرتهم على اختراق الفضاء، ووصولهم إلى السماء، كما قال ـ سبحانه ـ عنهم: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} [الجن: 8] .
ومما لا شك فيه أن فيهم الصالحين الذين تعلقت قلوبهم بحب الله، كما قال ـ سبحانه ـ: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن: 11] .
ففي صحيح البخاري «باب إسلام عمر ـ رضي الله عنه ـ» ، عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: «ما سمعت عمر يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا؛ إلا كان كما يظن. بينما عمرٌ جالسٌ إذ مرّ به رجلٌ جميلٌ، فقال عمر: لقد أخطأ ظني، أو إنَّ هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليّ بالرجل! فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استُقِبل به رجلٌ مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني! قال: كنتُ كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتُك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم ترَ الجنَّ وإبلاسها، ويأسها من بعد انتكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم؛ إذ جاء رجلٌ بعجلٍ فذبحه، فصرخ به صارخٌ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح! أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلا أنت. فوثب القوم. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح! أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمتُ، فما لبثنا أن قيل: هذا نبي» . (البخاري رقم 3866) .
u رابعًا: أسباب السماوات والأرض:
ومما ينصر الله به عباده المتقين أن يسخر لهم أسباب السماوات والأرض، التي لا يحيط بعلمها إلا هو ـ سبحانه وتعالى ـ.
ومن هذه الأسباب ما يلي:
1 ـ الريح:
الريح من جنود الله ـ تعالى ـ التي لا يقاومها شيء، فإذا خرجت عن سرعتها المعتادة ـ بإذن ربها ـ دمرت المدن وهدمت المباني، واقتلعت الجبال والأشجار، وقد وصفها الله ـ سبحانه وتعالى ـ (العاتية) في قوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6] ، قال مجاهد: العاتية التي عتت عن الطاعة فكأنها عتت على خُزَّانها، فلم تطعهم، ولم يقدروا على ردها؛ لشدة هبوبها (1) ؛ فقد أهلك الله بها قوم عاد.
وفي الحديث المتفق عليه «أنالنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال لأصحابه: «ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يَقُمْ فيها أحد، فمن كان له بعير فليشد عقاله» فهبت ريح شديدة، فقام رجل، فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء» (2) .
بل إن الريح قد قاتلت معالنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، كما قال الله ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .
قال مجاهد: هي الصَّبا، أُرسِلَتْ على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم، ونزعت فساطيطهم.
ويدل على هذا ما ثبت عند مسلم أنه قال: «نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكتْ عاد بالدَّبُور» (3) .