فهرس الكتاب
وقد روى مسلم أيضًا في صحيحه عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ «أن رجلًا قال له: لو أدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُ معه وأبليت. فقال له حذيفة: أكنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر... إلى أن قال حذيفة ـ كما في رواية يونس بن بكير عن زيد بن أسلم ـ:... وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا؛ فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم بها، ثم خرجتُ نحوالنبي صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت الطريق؛ إذ أنا بنحوٍ من عشرين فارسًا معتمين «وهم الملائكة» فقالوا: أخبر صاحبك أن الله ـ سبحانه ـ كفاه القوم» (4) .
وقد أخبرالنبي صلى الله عليه وسلم أن الله ـ سبحانه ـ يرسلها (أي الريح) على قوم من هذه الأمة، قد تمادوا في غيهم وعصيانهم؛ فتهلكهم، كما في حديث أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ أنالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبيت طائفة من أمتي على أكل، وشرب، ولهو، ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير، ويُبعث على أحياء من أحيائهم ريح، فتنسفهم كما نسفت من كان قبلكم؛ باستحلالهم الخمر، وضربهم بالدف، واتخاذهم القينات» (5) .
2 ـ الزلازل:
الزلازل من أشد الأسباب الطبيعية التي يقدرها الله ـ تعالى ـ تخويفًا لعباده، كما قال ـ سبحانه ـ: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] ، وقال ـ سبحانه ـ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65] .
والعذاب الذي يكون من فوق هو الصيحة أو الحجارة، والذي من تحت هو الرجفة (الزلازل) والخسف، كما ذكر الأصبهاني في تفسيره عن مجاهد (6) . قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ: وقد يأذن الله ـ سبحانه وتعالى ـ للأرض في بعض الأحيان بالتنفس، فتحدث فيها الزلازل العظام، فيحدث من ذلك لعباده الخوف، والخشية، والإنابة، والإقلاع عن المعاصي، والتضرع إلى الله ـ سبحانه ـ والندم، كما قال بعض السلف وقد زلزلت الأرض: إن ربكم يستعتبكم.
وقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقد زلزلت المدينة: (لئن عادت لا أساكنكم فيها) (7) .
فإذًا، عُلِمَ أن الزلازل الهائلة إنما تحدث بأمر ربها، بل وقد أهلك الله بها ثمود ـ قوم صالح عليه السلام ـ كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ^77^) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 77 - 78] .
قال الشوكاني: (فأخذتهم الرجفة) أي: الزلزلة (8) .
وهي من أوضح الدلالات على عظمة الجبار ـ سبحانه وتعالى ـ وضعف جبابرة الأرض مهما أوتوا من قوة.
كيف؟! وهي في بضع ثوانٍ تُهلِك مئات الألوف من الناس:
ـ ففي مدينة تاتجشان الصينية وقع زلزال في 14/11/1383هـ الموافق 27/مارس آذار/1964م، وقع ضحيته 000،500 نسمة.
ـ ووقع زلزال في العاصمة اليابانية في 24/2/1324هـ الموافق 18/أبريل آذار/1906م، راح ضحيته 000،142 نسمة.
ـ ووقع زلزال في ولاية جو جارات الهندية في 18/10/1421هـ ا لموافق 13/يناير 2001م، راح ضحيته 000،30 نسمة.
3 ـ الخسف:
مما توعد الله به الظالمين الخسف، وهو: أن يهبط جزء من القشرة الأرضية، ويغيب في الأرض. يقال: خسف المكان خسوفًا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (9) .
كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ} [النحل: 45] ، وقال ـ سبحانه وتعالى ـ: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] ، فهذا قارون، ماذا قال الله فيه؟ قال ـ سبحانه ـ: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ} [القصص: 81] ، قال ابن كثير: لما ذكر ـ تعالى ـ اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه، وبغيه عليهم، عَقَّبَ ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض.
كما ثبت في الصحيح عند البخاري ومسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره إذ خُسِف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» (1) .
وفي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيعوذ بهذا البيت ـ يعني الكعبة ـ قوم ليست لهم َمَنَعة، ولا عدد، ولا عدة؛ يبُعثُ إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم) (2) .
ومما تقدم؛ يتبين أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يجعل الخسف على أعدائه؛ نصرة لأوليائه من الأنبياء والصالحين، بل قد يأخذ الله به بعض العصاة إذا تمادوا في غيهم وضلالهم ـ عياذًا بالله ـ.
وهذا مما يجعل أهل الحق على ثقة بربهم، فيعلمون أن قوى الأرض أحقر من أن يؤبه بهم، إذا كان الله معهم يسخِّر لهم أسباب السماوات والأرض، التي لا طاقة لقوة من قوى البشر بشيء منها مهما بلغت قوتها.
4 ـ إمطار الحجارة من السماء:
لقد أخبر الله ـ تبارك وتعالى ـ عن قوم لوط، كيف أمطر عليهم الحجارة من السماء، فقال ـ سبحانه وتعالى ـ: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ^82^) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 82 - 83] ، وتأمل قوله ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} ! قال القاسمي في تفسيره: فيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} : من ظالمي هذه الأمة (3) .