فهرس الكتاب

الصفحة 2084 من 2255

وكذلك فعل الله بجيش أبرهة الأشرم والي اليمن من قبل ملك الحشبة، فقد رأى أن يبني بيتًا في صنعاء اليمن، يدعُون العرب إلى حجه بدل حجهم البيت الحرام، والقصد من ذلك تحويل التجارة والمكاسب من مكة إلى اليمن، وعرضها على الملك الحبشي، فوافق وسره ذلك، ولما بُنِيَ البيت (الكنيسة) ، وسماها «القليس» لم يُبنى مثلها في تاريخها، جاء رجل قرشي فتغوط فيها، ولطخ جدرانها بالعذرة غضبًا منها، فلما رآه أبرهة الأشرم بتلك الحال استشاط غضبًا، وجهّز جيشًا لغزو مكة وهدم الكعبة، وكان معهم ثلاثة عشر فيلًا مقاتلًا، ومن بينهم فيل يدعى محمود؛ وهو أكبرهم، وساروا، ما وقف في وجههم حي من أحياء العرب إلا قاتلوه وهزموه، حتى انتهوا إلى قرب مكة، وجرت سفارات بينهم وبين شيخ مكة عبد المطلب بن هاشم جدّالنبي صلى الله عليه وسلم ، وانتهت المفاوضات بأن يرد أبرهة إبل عبد المطلب، ثم هو وشأنه بالكعبة، وأمر رجال مكة أن يخلوا البلد، ويلحقوا برؤوس الجبال بنسائهم وأطفالهم؛ خشية المعرة تلحقهم من الجيش الغازي، وما هي إلا أن تحرك جيش أبرهة ووصل إلى وادي محسر، وهو في وسط الوادي سائرًا وإذا بفرق من الطير، فرقة بعد أخرى ترسل على ذلك الجيش الواحدة ما بين الحمصة والعدسة في الحجم، وما تسقط الحجرة على رجل إلا ذاب، وتناثر لحمه، فهلكوا، وفرّ أبرهة ولحمه يتناثر، فهلك في الطريق، وكانت هذه نصرة من الله لسكان حرمه وحماة بيته. ومن ثم ما زالت العرب تحترم الكعبة والحرم وسكانه إلى اليوم. وهذه الحادثة في العام نفسه الذي ولد فيه الحبيب محمد ، وفيها دلالة واضحة على قوة الجبار ـ سبحانه ـ، وانتقامه المهلك لكل طاغ وباغ ومتكبر، مما يجعل جنده وأولياءه يركنون إلى الثقة والطمأنينة بنصره: {أَلا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ^62^)} [يونس: 62] .

إن إمطار الحجارة من السماء، وإن كان قد حدث لبعض الظالمين من الأمم السابقة إلا أنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد توعد به المشركين من هذه الأمة، مما يدل على إمكانية حدوثه كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 68] .

فقد أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة أنه قال: الحاصب: حجارة من السماء. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير هذه الآية قال: الحاصب مطر الحجارة. وقد أخبر الرسول أنه سوف يحدث في آخر هذه الأمة، ففي حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في آخر هذه الأمة خسف، ومسخ، وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا ظهر الخبث» (4) ، وقال: «بين يدي الساعة مسخ، وخسف، وقذف» (5) ، والقذف هو: الرمي بالحجارة، كما قال المباركفوري في تحفة الأحوذي، ومحمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على سنن ابن ماجه.

وهذا مما يجعل إمكانية نصر الله لأوليائه وعباده الصالحين بمثل هذا النوع من السلاح؛ واردًا وممكنًا عقلًا وشرعًا.

5 ـ الصواعق المحرقة:

ومما يؤيد الله به أولياءه ويعذب به أعداءه الصواعق، وهي: الصوت الشديد يكون معه نار يرسلها الله مع الرعد الشديد، فلا تقع على شيء إلا أحرقته. قال الله ـ سبحانه ـ: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ^12^) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 12 - 13] . وقد أهلك الله بها أهل العناد ممن كذبوا نبي الله (هود) وهم عاد، وكذلك ممن كذب نبي الله (صالح) وهم ثمود، كما قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] ، وفي هذه الآية تهديد واضح للمشركين من هذه الأمة، فإن الخطاب للنبي ، أي: قل يا محمد للمشركين الذي يعرضون عن الحق: أنذرتكم أن تحل بكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. وهذا من أشد الوعيد الذي خافت منه قريش، ووجلت منه قلوبهم، كما في قصة عتبة بن ربيعة حينما أرسلته قريش إلىالنبي صلى الله عليه وسلم يفاوضه، فقد روى الإمام عبد ابن حميد في مسنده بسنده عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: «اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر؛ فليأت هذا الرجل، الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا؛ فليكلمه، ولينظر ماذا يردَّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: يا أبا الوليد! فأتاه عتبة، فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم! حتى نسمع قولك، إنا ـ والله ـ ما رأينا سخلة قط أشأم على قومها منك، فرقتَ جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى؛ أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى ننتفانى أيها الرجل! إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت، فلنزوجنَّك عشرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرغت؟، قال: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم» حتى بلغ: {فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] ، فقال عتبة: حسبك حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: لا، فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: ما تركت شيئًا أرى أن تكلموه إلا قد كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم. قال: لا والذي نصبها بينة ما فهمت شيئًا مما قال، غير أنه قال: {أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] ، قالوا: ويلك، يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة» (صحيح السيرة النبوية للألباني ص 159) .

وفي هذه دلالة واضحة على إمكانية أن يرسلها الله على أعدائه، فتكون من جملة الأسلحة التي يؤيد الله بها عباده الصالحين.

6 ـ الأسقام والأوجاع المؤلمة:

ومما ينصر الله به أولياءه أن: يسلط على عدوهم الأمراض التي تفتك بهم، فيتولى الله ـ سبحانه وتعالى ـ حربهم بهذه الجنود التي لا قبل لهم بها، كما في الحديث القدسي يقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب...» الحديث (1) .

وهذه الأوبئة التي يسلطها الله على أعدائه تكون غالبًا من النوع الذي لا يمكن للأطباء أن يقاوموه؛ حيث أنها أوبئة جديدة لم تكن معروفة لهم من قبل، فيظلوا زمنًا يبحثوا عن طريقة لعلاج ذلك الوباء، ثم يسلط الله عليهم وباءً جديدًا وهكذا، كما قالالنبي صلى الله عليه وسلم: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا» (2) .

ومن الأمراض التي سلطها الله ـ سبحانه وتعالى ـ على المفسدين في هذا الزمان، وما هي من المجرمين ببعيد:

ـ مرض الزهري: وعن خطورة هذا المرض، يقول الدكتور توماس: إن خطر هذا المرض لا يقل عن خطر السرطان (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت