فهرس الكتاب

الصفحة 1947 من 2255

ولم يحضّ الإسلام أتباعه على العلم وهم مكتوفو الأيدي؛ بل هيأ لهم الحرية الفكرية التي لولاها لما كانت هذه الأعداد الكبيرة من العلماء المسلمين منهم وغير المسلمين في شتى علوم المعرفة. والحرية الفكرية التي بسط الإسلام سلطانها ذات دلالة بالغة فيما يخص علاقة العلم بالدين الحق؛ ذلك أنه لم يشهد تاريخ الإسلام حادثة واحدة من حوادث القتل أو الحرق من جراء الإفصاح أو التلميح بفكرة علمية طبيعية، مثل كروية الأرض أو دورانها أو مثل ظاهرة قوس المطر. وعلى العكس كان الحال في أوروبا؛ فقد كان عقاب الكنيسة لمن يصرح بمثل هذه الأفكار الحرق حيًا أو الإعدام شنقًا.

هذا، ولا يخفى بالطبع أن سكان الجزيرة العربية قبل الإسلام كانوا في معزل عن العالم الخارجي من الناحية العلمية، إلا في أمور يسيرة اقتضتها ظروف المعيشة آنذاك. لهذا فإن الإنجازات والإسهامات الهائلة التي شملت جميع فنون العلوم والمعرفة ما كانت لتكون لولا هذا الدين العظيم دين الإسلام. ومن الصعب أن نلم في هذه العجالة بما أنجزه المسلمون عبر القرون السابقة، وسنقصر الحديث على الإسهامات والإنجازات التي كان لها أثرها المباشر في التقدم الحضاري الإنساني الذي نعيشه اليوم.

إلا أنني أستبق القول، مستشهدًا بما جاء على لسان جورج سارطون (ت 1375هـ = 1955م) شيخ مؤرخي العلوم - في عصرنا - في محاضرة ألقاها في مكتبة الكونجرس الأمريكي عام 1370هـ = 1950م، فقد جاء فيها:

(يحاول نفر من المؤرخين أن يبخسوا قدر هذا الإنتاج العظيم بادعائهم أنه لم يكن فيه ابتكار ما، وبأن العرب لم يكونوا سوى مقلدين... ويبخسونه مرة ثانية بقولهم: إن الأخذ من مصادر متعددة ليس - على كل حال - خيرًا من الأخذ من مصدر واحد. تلك طريقة في المجادلة مضللة، وخصوصًا إذا كان الكلام يتناول الرياضيات. ثم إن الرياضيين العرب لم ينسخوا من المصادر اليونانية والسنسكريتية نسخًا، ولو أنهم فعلوا ذلك لما جاؤوا بفائدة؛ ولكنهم جمعوا بين المصدرين ثم ألقحوا الآراء اليونانية بالآراء الهندية. وإذا لم يكن هذا الذي فعله العرب ابتكارًا، فليس في العلم إذن ابتكار على الإطلاق؛ فالابتكار العلمي في الحقيقة إنما هو حياكة الخيوط المتفرقة في نسيج واحد؛ وليس ثمة ابتكارات مخلوقة من العدم) (1) .

وقد أفلح المسلمون في شتى فنون المعرفة؛ ففي مجال الصيدلة تذكر الموسوعة البريطانية: (أن كثيرًا من أسماء الأدوية وكثيرًا من تراكيبها المعروفة حتى يومنا هذا أيضًا. وفي الحقيقة فإن المبنى العام للصيدلية الحديثة - فيما عدا التعديلات الكيماوية الحديثة بطبيعة الحال - قد بدأه العرب) (2) .

أما (لوبون) فيذكر أن: (الطب مدين للعرب بعقاقير كثيرة.. ومدين لهم بفن الصيدلة وبكثير من المستحضرات التي لا تزال تستعمل كالأشربة واللعوق واللزقات والمراهم والدهان والمياه المقطرة.. إلخ) (3) .

إلا أنه من أهم مآثر المسلمين وإنجازاتهم في ميدان الصيدلة والأدوية إدخالهما في نظام المراقبة، خصوصًا بعدما تفشى الغش وفسدت النفوس. يرى (القفطي) (4) و (ابن أبي أصيبعة) (5) - كلٌ في كتابه: أن (يوسف لقوة) الكيميائي كان من أوائل من أشار على الخليفة المأمون باختبار أمانة وصدق الصيادلة. ثم كان (زكريا الطيفوري) الذي اقترح على (الإفشين) أن يمتحن الصيادلة على هذا المنوال. وبالفعل، فقد تبين للإفشين أن غالبية الصيادلة المرافقين في المعسكر غشاشون، فأمر الإفشين بإحضار جميع الصيادلة، فمن أنكر معرفة تلك الأسماء التي وضعها الإفشين أَذِنَ له بالمقام في معسكره، ونفى الباقين عن المعسكر، ونادى في معسكره بذلك، وكتب إلى المعتصم يلتمس بعثه إليه بصيادلة لهم أديان ومطبّبين مثل ذلك، فاستحسن المعتصم فعله ووجه إليه بمن سأل. وهكذا سُنّ امتحانُ الصيادلة منذ ذلك الوقت، في عهد المعتصم، أي منذ عام 221هـ =836 م، وبذلك كان المسلمون أول من أنشأ فن الصيدلة على أساس علمي سليم وأقام الرقابة على الصيدليات والصيادلة من خلال وظيفة الحسبة التي تقوم على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح بين الناس.

ولقد أقيمت الصيدليات ملحقة بالبيمارستانات وهي المستشفيات، وأقيمت مع المعسكر على صورة مستشفى ميداني، وكانت حافلة بكل ما يحتاجه المرضى في البيمارستان أو في المعركة.

ولقد كُتبت في الأدوية مؤلفات لا يسعنا أن نذكر منها إلا واحدًا، وهو: (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) لعبد الله بن أحمد المالقي المعروف بابن البيطار (ت 646هـ =1248م) ، جمع فيه معلومات يونانية، وأودعه مقدمة تعكس المنهج التجريبي الذي اتبعه في تدوين المعلومات التي جمعها؛ فقد ورد في الغرض الثاني من وضعه الكتاب قوله: (صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرره عن المتأخرين، فما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لديّ بالخُبْر لا بالخَبَر ادخرته كنزًا سريًا، وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه سوى الله غنيًا، والتنبيه على كل دواء وقع فيه وهْم أو غلط لمتقدم أو متأخر؛ لاعتماد أكثرهم على الصحف والنقل، واعتمادي على التجربة والمشاهدة حسبما ذكرت من قبل) (6) .

هذا وقد كان (ابن البيطار) يعاين منابت النبات ويتحقق من هويته قبل أن يدوّنه. أما (رشيد الدين الصوري، ت 639 هـ =1241م) ، فكان يصطحب معه رسامًا ويدرس النباتات في مواطنها وفي جميع مراحل نموها، ويتأمل هناك لون النبات ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله، ويُصور بحسبها ويجتهد في محاكاتها (7) ، وبهذا عرف الصيادلة من أي أجزاء النبات يكون العقار أفيد وأفضل، كما عرفوا مواعيد جمع العقاقير من النباتات وجَنْيِها وقطفها، وكيفية ادخارها.

ولقد كان للصيدلة العربية أثرها في أوروبا؛ إذ كان استيراد العقاقير العربية أحد الأركان الأساسية للتجارة الإيطالية مع الشرق العربي، بل إن ازدهار مدينة البندقية يعود إلى الثروات التي أمكن جمعها من بيع العقاقير العربية ذات الثمن المرتفع.

أما في مجال الفيزياء ومجال الكيمياء، فنقتصر على الإشارة إلى: (علم الحِيَل) أو ما يسمى الآن بـ (علم الميكانيك) وما يشتمل على القوانين الثلاثة، التي تنسب إلى نيوتن (ت 1140 هـ = 1727م) ؛ فالقانون الأول: ويتعلق بالقصور الذاتي أو ما يسمى (العطالة) ، ورد في كتاب (الإشارات والتنبيهات) لابن سينا (ت 428هـ =1037م) ، وقد جاء فيه ما نصه: (لا يجوز أن يكون في جسم من الأجسام قوة طبعية تحرك ذلك الجسم بلا نهاية) . (8) فهو ينفي الحركة الدائمة.

وبخصوص القانون الثاني: يذكر (هبة الله بن ملكا البغدادي، ت 560هـ =1165م) ما نصه: (وكل حركة ففي زمان لا محالة؛ فالقوة الأشد تحرك أسرع، وفي زمان أقصر؛ فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة، فقَصُرَ الزمان، فإذا لم تتناهَ الشدة لم تتناهَ السرعة، وفي ذلك: أن تصير الحركة في غير زمان وأشد؛ لأن سلب الزمان(أي قطع مسافة في مدة زمنية) في السرعة نهاية ما للشدة (أي شدة القوة ) ) (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت