فهرس الكتاب
وقد قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] ، وقال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ^25^) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ^26^) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 25 - 27] ، وقال ـ سبحانه وتعالى ـ: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] ، وفي المقابل فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يربط على قلوب المؤمنين، وينزل عليهم السكينة حتى يصل بهم الحال إلى النعاس؛ لما يجدونه في قلوبهم من الطمأنينة والسكينة: {إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11] ، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره، أن أبا طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط فآخذه (1) .
u سادسًا: التكبير:
وهو أن يهتف أولياء الله وأحباؤه من المؤمنين: بلا إله إلا الله والله أكبر؛ فيكون لها من الأثر الحسي والمعنوي في أعداء الله ما لا تثب أمامه قوى الأرض، بل تتلاشى وتضمحل أمام تكبيرات أهل الإيمان الصادقين المخلصين، الذين نصروا الله في أنفسهم؛ فانتصروا، قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «سمعتم بمدينة: جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر؛ فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر؛ فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر؛ فيفرج لهم، فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ! فقال: إن الدجال قد خرج؛ فيتركون كل شيء، ويرجعون» (2) . فقال النووي في شرحه (المدينة التي بعضها في البر، وبعضها في البحر: القسطنطينية، وقوله: «يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق» ، قال القاضي: هو كذا في جميع أصول صحيح مسلم، «من بني إسحاق» والمعروف المحفوظ من «بني إسماعيل» ، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب) (3) .
وفي يوم القادسية قال سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ لجيشه: «الزموا مواقفكم، لا تحركوا شيئًا، حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم الظهر، فإني مكبر تكبيرة، فكبروا، واستعدوا، واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم، واعلموا إنما أعطيتموه تأييدًا لكم، ثم إذا سمعتم، فكبروا، ولتستَتِمَّ عدتكم، ثم إذا كبرت الثالثة، فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس؛ ليبرزوا، وليطاردوا، فإذا كبرت الرابعة، فازحفوا جميعًا حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله» (4) .
ولا شك أن التكبير من جملة الذكر الذي أمر الله ـ تعالى ـ به عند ملاقاة العدو، كما قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] ، ولكن له ميزة خاصة كما تقدم.
u سابعًا: التقوّي بإقامة الصلاة وحسن الصلة بالله ـ تعالى ـ:
الصلاة هي الصلة بقيوم السماوات والأرض، فإذا اتصل العبد بالملك القدوس السلام المؤمن المهيمن الجبار المتكبر ـ سبحانه وتعالى ـ وكان حَسَنَ الاتصال بربه؛ فإنه يفوز بكل ما يصبو إليه، فإن دعا استجيب له، وإن استنصر نُصِرَ، ومن هنا فقد كان إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة، وكيف لا يكون؟ والله ـ جل وعلا ـ يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] ، ولهذا قال علي ـ رضي الله عنه ـ: «لقد رأيتنا يوم بدر وما منا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يصلي إلى شجرة، ويدعو حتى أصبح...» .
u ثامنًا: الدعاء:
وهو طلب النصر والغلبة على الأعداء من الله الواحد الأحد ـ جل في علاه ـ، وقد كان نبينا يفزع إلى ربه ـ جل وعلا ـ في غزواته، ويلح عليه بالدعاء.
ففي غزوة بدر بات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه، ويقول: «اللهم إن تهلك هذه الفئة لا تُعبَد» (5) .
وفي صحيح مسلم أنالنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر استقبل القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبد في الأرض» ، فما زال يهتف بربه، مادًا يديه مستقبلًا القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ـ سبحانه ـ: {إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] (1) .
ولا شك أن الدعاء سلاح لا يقاوم، كما قال الشاعر:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه؟
وما تدري بما صنع الدعاء؟
سهام الليل لا تخطي، ولكن
لها أمد، وللأمد انقضاء
وقد كان السلف الصالح يعدون الدعاء من الأسلحة التي لا غنى لهم عنها في حروبهم وغزواتهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، (أي البراء بن مالك) أَقسِمْ على ربك! فيقول: «يا رب أقسمت عليك لما منحتني أكتافهم؛ فيهزم العدو. فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد؛ فمنحوا أكتافهم، وقُتِلَ البراء شهيدًا» (2) .
وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، ما دعى قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق (3) .
u تاسعًا: التخلق بأخلاق الصالحين:
هذا النوع من السلاح الذي ينصر الله بسببه؛ أهل الإيمان من المجاهدين في سبيله، وهو من أعظم الأسلحة، بل إن كل الأسلحة والأسباب المتقدمة مبنية على هذا النوع المبارك، فإن معية الله الخاصة لأوليائه، إنما تكون لأولئك، وكذلك نصرة الملائكة وغيرهم من جنود الله، إنما تقاتل؛ نُصرةً لعباد الله الصالحين.