فهرس الكتاب

الصفحة 2231 من 2255

وقد ذكر (أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي) أن أهم القبائل العربية المعروفة التي استوطنت بيت المقدس في العهد الإسلامي (إضافة لمن سكنوها من العرب قبل الإسلام) هي:

قبيلة بني عمر، ويقال لهم العمريون وهم بطن من بني عدي بن كعب عدنانية من قريش استوطنوا القدس.

بنو فيض، وهم بطن بني صقر من جذام الجنوبية الأصل، وهم قحطانيون استوطنوا القدس.

الجعافرة، وهم بطن من بني الحسين من بني هاشم من العدنانية وهم ينتسبون إلى جعفر الصادق بن محمد الباقر.. استوطنوا القدس.

أما عن الفئات الإسلامية الأخرى ـ غير العرب ـ فقد استوطن القدس:

1-المغاربة ولهم في القدس حارة تنسب إليهم ويسكنونها وقد وقفها عليهم ـ على اختلاف أجناسهم وذكورهم وإناثهم ـ الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن على بن السلطان صلاح الدين وكانت لهم زاوية تعرف باسمهم وشيخها يسمى بشيخ المغاربة في القدس.

2-الهنود وكانت لهم زاوية في القدس عرفت بزاوية الهنود.

3-الأكراد وكانت لهم حارة تنسب إليهم.

4-اللاجئون سياسيا وهم كثير من الأعلام اللاجئين ـ وعائلاتهم ـ الذين كان السلاطين يبعدونهم عنهم وبعضهم اختار الإقامة فيها بعيدا عن مشكلات الحكم عن طيب خاطر.

على أنه من الجدير بالذكر هنا ـ أن هذه الطوائف كلها ـ قد ذابت في بوتقة العروبة ولم تكن أصولها الهندية والكردية والتركية أو غيرها حائلا بينها وبين الذوبان في العروة عن رضا واقتناع وذلك بتأثير الإسلام عليها، فالعروبة عند المسلم الرشيد مرتبطة ارتباطا وثيقا بدنيه الإسلامي ، وهي عند العربي غير المسلم حضارته وثقافته التي تشكل حياته الاجتماعية وعلاقته بالآخرين.. ومعروف أن المسيحيين هم الذين سلموا القدس للمسلمين، ومن هنا فقد بقيت دائما أقلية (عربية مسيحية) تعيش في القدس وتدافع عنها ضد التسلل اليهودي ولها ما للمسلمين وعليها ما عليهم.

بل إننا لنعتقد أن هذه الأقلية المسيحية كانت أكثر صلابة في وجه التسلل اليهودي إلى القدس لأنها عانت منهم الكثير بدليل أنه كان من شروط تسليم القدس التي خضع لها المسلمون ألا يساكن اليهود فيها المسيحيين والمسلمين وهو شرط شرطه النصارى أنفسهم عند تسليم المدينة لعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وللمسلمين ودلالة هذا الشرط قوية لا تحتاج إلى بيان.

التسامح الإسلامي في القدس:

وقد توالت عصور التاريخ الإسلامي والمسلمون يعاملون أبناء الأديان الأخرى في القدس وغيرها أفضل معاملة عرفت في التاريخ، لدرجة أن المؤرخ الإنجليزي الكبير"أرنولد توينبي"اعتبر ظاهرة التسامح الإسلامي ظاهرة فريدة وشاذة في تاريخ الديانات.

وكان أهل الذمة الأصليون يعاملون كأهل البلاد الأصليين دائما لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في إطار ما نص عليه الإسلام..

وقد نص القرآن على معاملتهم بالحسنى ومجادلتهم بالتي إلا الذين ظلموا منهم، كما أوصى الرسول بهم خيرا.

وقد كان الخليفة العباسي هارون الرشيد يعامل الزوار النصارى للقدس المعاملة الإسلامية المعتمدة لأهل الكتاب وقد سمح الرشيد للإمبراطور"شارلمان"بترميم الكنائس ولا سيما كنيسة العذراء التي تقوم على مكانها كنيسة الدباغة وفي سنة 796م ـ أهدى هارون الرشيد (شارلمان) ساعة دقاقة وفيلا وأقمشة نفيسة وتعهد بحماية الحجاج النصارى عند زيارتهم للقدس ـ كذلك كان شارلمان يرسل كل سنة وفدا يحمل هدايا إلى الرشيد.

وقد زار القدس في القرن التاسع عشر"برنار الحكيم"وذكر أن المسلمين والمسيحيين (النصارى) في القدس على تفاهم وأن الأمر مستتب فيها،وأضاف قائلا:

"وإذا سافرت من بلد إلى بلد ومات جملي أو حماري وتركت أمتعتي مكانها وذهبت لاكتراء دابة من البلدة المجاورة سأجد كل شيء على حاله لم تمسه يد".

وتتوالى صفحات التاريخ في القدس فلا نكاد نجد فيها انقطاعا لفعالية الروح الإسلامية المتسامحة العادلة التي تقوم على حراساتها دروس المسجد الإبراهيمي والحلقات العلمية الإسلامية في المسجد الأقصى، ومسجد الصخرة، ولا تنطوي صفحة مضيئة من صفحات التاريخ إلا لتبدأ أخرى حتى نهاية العصر العثماني الذي يتحدث عنه مؤرخ مسيحي معاصر هو الأستاذ (هنري كنن) بقوله:

وفي سنة 1518م / 924هـ فتح العثمانيون فلسطين وظلوا بها إلى سنة 1917م / 1336هـ غير أن هذا الفتح لم ينطو على أي استعمار ولم يترتب عليه أي تغير كان في قوام الشعب إذ إن الفتح التركي لم يغير أو يؤثر على أي نحو في الطابع العربي للبلاد..

وقد استمتع جميع المواطنين في الدولة العثمانية على اختلافهم من ترك وعرب ومسلمين وعرب مسيحيين ويونانيين وأرمن ويهود بحقوق مدنية متساوية دون نظر إلى جنس أو معتقد أو دين ثم جاء الدستور العثماني في 23 من كانون الأول (ديسمبر 1876 ـ 1293هـ) فأكد مرة أخرى مبدأ المساواة في الحقوق وهو المبدأ الذي كان مرعيا فيما سبق.

ولم يتعرض تاريخ القدس لأحداث دموية واضطهاد ديني منذ الفتح الإسلامي إلا في تلك الفترة التي استولى فيها الصليبيون على بيت المقدس (1099 - 1187م) (429 - 573هـ) وهي فترة شغلت من هذا التاريخ نحو تسعين سنة.

أشرنا في مقال سابق إلى التسامح الذي نعمت به القدس في ظل الحكم الإسلامي عبر مختلف العصور،وعرضنا لشهادات المؤرخين والرحالة من أتباع الديانات الأخرى ، وفي هذا المقال نكمل ما بدأناه

القدس تحت الحكم الصليبي:

وعلى نقيض التسامح الإسلامي الذي فرض السلام والأمن وحقق العدل والرعاية والحق لكل من وجدهم الإسلام في بيت المقدس.. أجل.. على النقيض من ذلك ما إن دخل الصليبيون بيت المقدس حتى عقدوا أول اجتماع لـ (ديوان المشورة العسكرية) قرروا فيه قتل كل مسلم بقى حيا فيها ، ويستمر تنفيذ الإعدام الصليبي أسبوعا كاملا سجله المؤرخون النصارى بقولهم:"إن الدماء وصلت في رواق المسجد حتى الركب".

ويقول مؤرخ نصراني آخر:"لم يوفر الصليبيون أحدا من سيوفهم لا من الرجال ولا من النساء والعجزة ولا من الأطفال وظن المسلمون أن مسجد عمر يحميهم من الموت ولكن ظنهم خاب إذ إن الصليبيين لحقوا بهم خيالة ومشاة ودخلوا المسجد المذكور وأبادوا كل من وجدوه فيه بحد السيف".

ويقول كاتب نصراني آخر:"لم يميز النصارى في إبادتهم بين رجل وامرأة وبين صغير وكبير وراحوا يتباهون بأنهم قتلوا سبعين ألفا من المسلمين وأنهم لم يغمدوا سيوفهم قبل أن تخمد نار الانتقام المتأججة في قلوبهم".

والغريب أنه لما شاء الله أن تقهر هذه الغارة البربرية الصليبية وظهر صلاح الدين الأيوبي. الذي أعاد القدس إلى الإسلام وكانت لديه الدوافع القوية للانتقام بكل معنى الكلمة نظرا لما ارتكبه النصارى من جرائم لا تحصى ولا تليق بإنسانية الإنسان طيلة الغزوة الصليبية.

الغريب أن صلاح الدين ـ باعتراف كل مؤرخي النصارى بلا استثناء ـ لم يحاول أن يتشفى أو ينتقم.. بل استولى على القدس دون أن ينتهك حرمة كنيسة واحدة ودون أن يقتل لاجئا واحدا إلى أية كنيسة ودون اعتداء على طفل أو شيخ أو عجوز.

والأغرب من ذلك ما فعله صلاح الدين ـ خضوعا للتسامح الإسلامي الرفيع ـ حين وقع الصليبيون بالقدس في يده أسرى.. ومع أن الذاكرة التاريخية لصلاح الدين تعي ما حدث لدماء سبعين ألفا من المسلمين تباهي الصليبيون بأنه أخمدوا بها نار الانتقام المتأججة في صدورهم ـ إلا أن صلاح الدين مع ذلك أبدى من ضروب التسامح الإسلامي ما أبقى ذكره خالدا في التاريخ الإنساني كله باعتراف النصارى قبل المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت