فهرس الكتاب

الصفحة 2232 من 2255

يقول المؤرخ الصليبي"أرنولد"الذي كان حاضرا ذلك اليوم المشهود:"لقد تقدم العادل إلى أخيه صلاح الدين يستوهبه ألفا من هؤلاء الأرقاء فأجابة السلطان ، ثم استوهبه بليسان (الأمير) والبطريرك مثل العادل فأجابهما ، وهنا التفت صلاح الدين إلى الحاضرين وقال:"

لقد أدى أخي صدقته وكذلك فعل الأمير والبطريرك والآن جاء دوري لتأدية صدقتي أنا.. فأمر رجالا من حرسه أن ينطلقوا وينادوا في شوارع القدس: أن كل عاجز عن دفع الفداء يستطيع أن يخرج وأنه حر لوجه الله..""

ويقول المؤرخ الإنجليزي"كوكس"لقد لاقى اللاتينيون من رحمة صلاح الدين وتلطفه وإنعامه فوق ما انتظروا ومن المؤكد أن مثل هذه المعاهدة لو عقدت في زمن"بطرس الناسك"و"جود فري"لخرقت ساعة النصر وانصب الويل على المغلوب.

إن هذه هي الحقيقة التي يعترف بها الإنجليزي"كوكس"لكن الذي لم يدركه"كوكس"هو أن القضية ليست فرقا بين صلاح الدين وبطرس الناسك لكنها (الفرق الكبير) بين تاريخ المسلمين وتاريخ غيرهم ، وبين معاملة المسلمين لمخالفيهم ومعاملة غيرهم من الأمم ـ ولا سيما النصارى لمخالفيهم.

والحق أننا لا نقول شعارات متعصبة بل نقول حقائق تاريخية ثابتة فعبر أربعة عشر قرنا من الزمان هي عمر الإسلام على الأرض لم يجد المسلمون فيها صورة من صور التسامح من اليهود والنصارى عندما تتحقق لهم الفرصة التاريخية، إن بينهم من الإحن والأحقاد الكثير الذي يختفي في مرحلتنا هذه تحت عباءة المصلحة الطارئة في هذا المنعطف التاريخي الكلوح ... لكنهم ـ مجتمعين أو منفردين ـ لم تسنح لهم فرصة لإبادة المسلمين إلا واهتبلوها.. هكذا فعلوا بالمسلمين في الأندلس وهكذا فعلوا بهم في جزر البحر الأبيض. وهكذا فعلوا بهم في الفلبين على يد الاستعماريين الأسبان والأمريكيين وهكذا يفعلون اليوم بالمسلمين في البوسنة والهرسك وفلسطين وأوربا الشرقية وآسيا الوسطى وفي غيرها من البلاد التي تمكنوا منها ،بل ويتعاونون حتى مع الوثنيين في العالم كله ضد الإسلام.. دين الحب والرحمة والتسامح.

أما تاريخ الإسلام مع غير المسلمين من أهل الكتاب فهو أشرف صفحة في تاريخ البشر لا يجادل فيها إلا كل موتور وجاهل أو مريض أو ظالم لا سبيل إلى أن يبصر الحق.

إن تاريخ المسلمين مع أنفسهم أو مع مخالفيهم ليس تاريخ ملائكة معصومين، لكنه ـ مع أنه تاريخ بشر يصيبون ويخطئون ـ هو أشرف وأزكى تاريخ عرفته البشرية في اعترافه بالآخرين وفي حواره الحضاري وفي تقديره النبيل لحقوق الإنسانية من زاوية إنسانيتها المجردة مهما كان عقيدتها أو لونها أو جنسها، فالناس سواسية كأسنان المشط وكلهم لآدم وآدم من تراب.

مكانة القدس في الإسلام:

هناك آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة تؤكد المكانة الدينية المقدسة للقدس: وحسبنا الإشارة إلى الآية التي استهلت بها سورة الإسراء والإشارة إلى حديث شد الرحال للمساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.

ولهذه القداسة وبناء على هذه المكانة نظر المسلمون إلى بيت المقدس على أنه مزار شريف ومنزل مبارك وموضع مقدس كريم.. فشدوا إليه الرحال وأحرموا منه للحج والعمرة وزاروه لذاته بغية الصلاة والثواب وأحاطوه برعايتهم الدينية الكريمة.

وقد احرم الخليفة عمر بن الخطاب نفسه للحج و العمرة من المسجد الأقصى كما أحرم منه سعيد بن العاص - أحد المبشرين بالجنة وقد وفد سعد بن أبى وقاص قائد جيش القادسية إلى المسجد الأقصى فأحرم منه بعمرة ولذلك فعل الصحابة عبد الله بن عمر وعبد الله بن العباس ومحمود بن الربيع الأنصارى الخزرجى وأما الصحابة والفقهاء وأعلام الفكر الإسلامي الذين زاروا بيت المقدس وبعضهم أقام فيه فهم أكثر من أن يحصوا وحسبنا أن نذكر بعضهم لندل على المكانة الدينية التي احتلها بيت المقدس في ذكر المسلمين وحضارتهم.

فمن هؤلاء أبو عبيدة الجراح وصفية بنت حيي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل وبلال بن رباح مؤذن الرسول الذى رفض الأذان بعد وفاة الرسول فلم يؤذن إلا بعد فتح بيت المقدس وعياض بن غنم وعبد الله بن عمر وخالد بن الوليد وأبو ذر الغفاري وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وسلمان الفارسي وأبو مسعود الأنصاري وتميم الداري وعمرو بن العاص وعبد الله بن سلام وسعيد بن زيد ومرة بن كعب وشداد بن أوس وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وعوف بن مالك وأبو جمعة الأنصاري كل هؤلاء من طبقة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ومن التابعين والفقهاء الأعلام: مالك بن دينار، وأويس القرني وكعب الأحبار ورابعة العدوية والإمام الأوزاعي وسفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم ومقابل بن سليمان والليث بن سعد ووكيع بن الجراح والإمام الشافعي وأبو جعفر الجرشي وبشر الحافي وثوبان بن يمرد وذو النون المصري وسليم بن عامر والرسي السقطي وبكر بن سهيل الدمياطي وأبو العوام مؤذن بيت المقدس وسلامة المقدسي الضرير وأبو الفرج عبد الواحد الحنبلي والإمام الغزالي والإمام أبو بكر الطرطوشي والإمام أبو بكر العربي وأبو بكر الجرجاني وأبو الحسن الزهري ومئات غيرهم، ومن الخلفاء الذين زاروا بيت المقدس عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز والوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك الذي هم بالإقامة في بيت المقدس واتخاذها عاصمة لدولته بدلا من دمشق وأبو جعفر المنصور والخليفة المهدي بن المنصور وغيرهم من خلفاء الأيوبيين والمماليك والعثمانيين وقد درج بعض الخلفاء والملوك بداء من العصر المملوكي ـ على كنس الصخرة وغسلها بماء الورد بأيديهم ومن هؤلاء الظاهر بيبرس والمالك العادل زين الدين كتبغا المنصوري والملك الناصر محمد بن قلاوون وأخوه السلطان حسن والملك الظاهر برقوق والملك الأشرف قايتباي والسلطان سليمان القانوني والسلطان محمود الثاني والسلطان عبد الحميد والسلطان عبد العزيز والسلطان عبد الحميد الثاني وغيرهم.

إننا كمسلمين ـ نؤمن عن يقين نابع من الإسلام أن بيت المقدس وما حوله إنما هو أرض مقدسة لا نستطيع أن نفرط فيها إلا إذا فرطنا في تعاليم ديننا.

وغنى عن البيان التذكير بأننا وحدنا في الأرض بالأمس واليوم ـ الذين نؤمن بكل الأنبياء ونكرمهم وننزههم عن كل نقص بدءا من آدم وإبراهيم ونوح.. وحتى موسى وعيسى ومحمد ـ عليهم جميعا السلام ـ وليس في ديننا نص واحد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الشريفة ينسب إلى نبي فاحشة أو جريمة أو كذبا.

ولا يقبل إيمان المسلم إلا إذا آمن بكل الأنبياء وأنزلهم جميعا منزلة كريمة: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) . (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ ومَا أُنزِلَ إلَيْنَا ومَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ ومَا أُوتِيَ مُوسَى وعِيسَى ومَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت