والنتيجة زيادة الجريمة والانحطاط الخلقي والاجتماعي، وتفشي الأمراض، والمزيد من النفقات الاقتصادية لعلاج ذلك كله..
وهذه المشكلة لم تنشًا من فراغ، بل إنها جاءت نتيجة انحراف موجه في مناهج التعليم، ووسائل الإعلام، وثالثة الأثافي تساهل القانون في القضاء على الجريمة.
وإن لوسائل الإعلام حصة الأسد من إشاعة مثل هذه الجرائم فما يُعرض في قنوات التلفاز من أفلام ولقطات تحرض على الجريمة الجنسية، وما يعرض في أشرطة الفيديو والمسارح والمجلات التي تعرض وتباع على مسمع ومرأى بل وبحماية من القانون والسلطات..
كل هذا مما يزيد معدل هذه الجريمة..
وليست الخمور والمخدرات من الساحة ببعيدة في مثل هذه الجرائم..
إذًا، كل شيء في بلدان الحضارة المعاصرة يحرض على الجريمة وبصفة قانونية رسمية يحارب القانون نفسه من يحارب الجريمة أو يحاول أن يقف في طريقها..
إنه القانون الوضعي القائم على مثل نظرية فرويد الحيوانية..
إنه البعد عن منهج الله..
إنه الضياع..
وإلى أبناء أمتنا نسوق هذه الأمثلة التي تعكس الوجه المظلم للحضارة المعاصرة مستهدفين أن يزداد أبناء هذه الأمة تمسكًا بما لديهم من منهج حكيم ومن شرع إلهي - أنزله الله الحكيم الخبير بما يُصلح عباده - فهو الملجأ والعاصم من أمثال هذه الجرائم.
وصدق الله القائل: (ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [سورة الأنبياء 107] .
إن القوانين الوضعية الجاهلية قد ثبت فشلها وعجزها عن محاربة الجريمة بأنواعها، فهي - كالصانع الأخرق - كلما عالجت أمرًا أفسدت أمورًا كثيرة بل إن هذه القوانين مهما بلغت من الحكمة في التقنين والحدة والشدة في التنفيذ والعقوبة فالجريمة باقية في النفوس.
انه الإسلام..
والإسلام وحده الذي يعالج النفوس قبل أن يحد الحدود والعقوبات..
إنه المنهج الرباني.
فيامن وليتَ أمرًا من أمور التعليم والتربية أو وسيلة من وسائل التوجيه في عالمنا الإسلامي: اتق الله فيما وليت، ولتكن هذه الأمثلة ماثلة أمامك، وأنت تضع الخطط والبرامج، ولا يغرنّك خبراء التعليم والإعلام في العالم الغربي أو الشرقي، فالنتيجة كما ترى مزعجة مفزعة ولو كان عندهم خبرة شاملة كاملة لاستفادت منها بلادهم.
ولقد خاطبنا ربنا قائلًا: (وسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ) [سورة إبراهيم 45] والعاقل من اتعظ بغيره.
حضارة الإيمان والتوحيد
عماد الدين خليل
إن من أهم ما تميّزت به حضارتنا الإسلامية زمن تألقّها وعطائها أنها قامت في أساسها وجوهرها على الإيمان والتوحيد؛ بمعنى أنها انبثقت عن أصول عقدية مستمدة من منهج عمل الهي..وحي قادم من السماء..وهي بهذا تجاوزت اعتبار (الوجود) المصدر الوحيد للمعرفة، وتميزت عن الأنشطة المعرفية الأخرى باعتماد هذا الأصل الخطير جنبًا إلى جنب مع الوجود. ومن ثم تغدو الحضارة الإسلامية بشكل من الأشكال تعبيرًا متفردًا عن ذلك اللقاء المرسوم بين السماء والأرض. وهي مهما تضمنت من أخطاء وانحرافات، متعمدة أو غير متعمدة، ومهما شذت أو بعدت أحيانًا عن مسارها الأصيل، عن كونها التعبير الصادق للمنطلق المستمد من الجذور، المتوجه صوب الهدف، فإنها تظل في نسيجها العام.. في إيقاعها وصيرورتها وتوجهاتها ونبضها، حضارة إيمانية تعتمد (الوحي) جنبا إلى جنب مع (الوجود) .
وهي من أجل ذلك تلتزم العمل في إطار منظومة القيم التي تحددها العقيدة، وليس خارج هذه المنظومة.. ويعبر هذا الالتزام عن نفسه في مفردات سلوكية النشاط الحضاري وفي صيغ التعامل مع نتائجه، كما أنه يعبر عن نفسه في توظيف هذه النتائج لخدمة الأهداف الإيمانية العليا للإنسان، وليس جعلها هدفًا بحد ذاته، أو أداة منفعية صرفة.
تتمحور إيمانية هذه الحضارة، كما هو شأن كل ممارسة إسلامية، عند (التوحيد) وتنطلق منه، منداحة دائرتها باستمرار لكي تغطي كل مفردة في حياة المسلمين المعرفية والسلوكية على السواء.. إنه نقطة الجذب والإشعاع معًا.. القلب الذي يعطي ويأخذ، يضخ ويتلقى.
بما أن التوحيد الذي ينبثق عن الشهادة التأسيسية الكبرى (لا إله إلا الله) هو المرتكز والهدف، فإنه سيدخل منذ اللحظة الأولى، في الزمن، وسيمتد في المكان إلى كل جزئية من جزئيات النشاط الحضاري لكي يطبعه بهذا التقابل المؤثر الفعال مع الله الواحد جل في علاه، ويصبغه بكلمة الله التي يأخذ عنها المسلم منهاج العمل، ويتوجه إليها في الصيرورة والمصير.
ولسوف تتأكد هذه الخصيصة المحورية لدى مقارنة الحضارة الإسلامية بأية حضارة أخرى، دينية محرفة أو وضعية. إننا هنا بإزاء عودة إلى الجذور.. إلى الحقيقة الكبرى في أقصى درجات وضوحها وفاعليتها وتألقها.. إن الحضارة الإسلامية سيقدر لها أن تمنح الفعل البشري، وهو يعمل، فرصته في أن يستعيد وظيفته الأصيلة خليفة عن الله وحده في هذا العالم، مستعمرًا له وحده فيها: في التاريخ، في الجغرافيا، في النفس، في المجتمع، في الفلك، في الطب، في الهندسة، يعبر التوحيد الإسلامي عن نفسه.. في المعادلات الكيمياوية والجيوب واللوغارِتمات.. في المنائر الواثقة المتفردة الصاعدة إلى السماء، وفي القباب المتكورة على الخشوع والتسليم.. في كلمات الشعراء ولمسات المعماريين.. يتجلى التوحيد كما لم يتجل في أية حضارة أخرى.
لقد منح التوحيد نشاطنا الحضاري عبر التاريخ وحدته المتماثلة وشخصيته المتفردة.. شد جزئياته وتفاريقه في أنساق واحدة تتجه خيوطها جميعًا صوب الهدف الواحد، وتنبثق عنه، لكي ما يلبث النسيج في نهاية الأمر أن يجيء معبرًا بلسان الحال عن صنع يدي نساج واحد.
على مستوى الدافع يضع التوحيد العالم المسلم قبالة الله - سبحانه - مسؤولًا عن قدراته التي أودعه الله إياها، ساعيًا لأن يستثمرها حتى حدودها القصوى. على مستوى الهدف تصاغ معطيات هذا السعي المعرفي لكي تكون متوافقة مع كلمة الله، متجاوزة ما وسعها الجهد أيما قدر من الثنائية أو الازدواج.
وفي كل الأحوال فإن التوحيد يصير دافعًا لمزيد من العطاء، ومعاملًا لوحدة هذا العطاء ومنحه سماته الأصيلة المتفردة.
في التوحيد يغدو الكون والعالم والطبيعة من صنع الله القادر المهيمن المبدي المعيد، ويتحرر العالم المسلم من سائر الخرافات والصنميات التي تلبستها الطبيعة والعالم في المذاهب والأديان الأخرى، فعرقلت انطلاقه الحر للكشف عن السنن والطاقات والنواميس.. إن التوحيد يضع العالم المسلم حرًا في مواجهة الكتلة الكونية، فاعلًا مريدًا.. يضعه فوق هذه الكتلة سيدًا على الخلائق، ومن ثم يصير التوحيد فرصة كبرى للتحقق بالمعرفة، للاستزادة منها، من أجل الإمساك بتلابيب العالم والطبيعة والحياة.. والتقرب أكثر إلى الله. ودائمًا كان التوحيد هو صمام الأمان عبر تعامل الحضارة الإسلامية مع الحضارات الأخرى، فلا تأخذ، في الأعم الأغلب، إلا ما ينسجم وإياه، ولا تمرر إلا ما يسمح هو بتمريره إلى شبكة الحضارة الإسلامية. وها هنا أيضًا أعطى التوحيد الفرصة لهذه الحضارة بأن تتحقق أكثر بوحدتها وخصوصيتها، سيما إذا تذكرنا أن الحضارات الأخرى، كانت تنبض في إيقاعها، في كثير من الأحيان، أصوات الآلهة والصنميات والثنائيات والأضداد.