فهرس الكتاب

الصفحة 1769 من 2255

[الكاتب: عبد العزيز بن صالح الجربوع]

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، واصلي واسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى صلى الله عليه وسلم: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} .

إن أمر العقيدة في ديننا عظيم وهائل، فهي في ذاتها عظيمة شامخة شموخ الجبال الرواسي فضلًا عما يترتب عليها من مصالح جمة لا يعلمها إلا الله، ولا يقدر قدرها إلا هو.

ولذا لا ينبغي أن تؤخذ إلا بالقوة، وأن تكون لها جديتها في النفس البشرية تأخذ طابع الصراحة والحسم، بعيدة عن الرخاوة، والتمييع والترخص، بل لا تعرف الرخاوة في الطرح سبيلًا إليها، ولا الأنوثة طريقًا إليها، {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ، وهذا ناتج من ضعفها الأنثوي لحكمة أرادها الله، فمذ تكون طفلة وهي كذلك، وإذا خاصمت فلا عبارة لها بل هي عاجزة عيية، أو من يكون هكذا سيرفع لواء الإسلام عاليًا خفاقًا، لو كان لجعل الله النبوة في بعض النساء، كيف وقد حاول فرعون عيب الدعوة والحط من قدرها على وقت موسى عليه السلام بقوله {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِين ُ} ، وهي فرية وتهمة استغل هذه العقدة في لسان موسى حال الغضب للحق كما قال المفسرون، فكيف الآن بالعي العقلي المتمثل في طرح أصحاب"الأنوثة الفكرية"؟

في هذا الزمن نجد من يجعل عقيدتنا وديننا في هذه الزاوية الضيقة زاوية الأنوثة في الطرح، والإسلام في قفص الاتهام، ونحن ندافع دفاعًا أنثويا هزيلًا لا يزيد على ترسخ الشبهة المطروحة.

لست أدعو إلى التشديد والتعنت والتعقيد والقبض هذا ليس من طبيعة أسلوب الدعوة، ولكن أدعو إلى الهمة العالية ونبذ همة الكسلان، أدعو إلى الجد والحسم والصراحة والفصل والمفاصلة فيما تجب فيه.

إننا إذا اعتبرنا كلمة الله هي الحق - وهي كذلك ولا شك - لم يكن لنا أن نحسب حسابًا لأثر المواجهة مع كائن من كان، وليس بفرض لازم كسب أولئك الناكبين عن جادة الطريق ومحاولة إقناع أنفسنا أن بيننا وبينهم أرضيات مشتركة يمكن أن نلتقي وإياهم في منتصف الطريق أو آخره.

لست أوجه الحديث إلى من لا يؤمن بديننا وإنما إلى المسلمين الذين لا يقيمون ما انزل إليهم من ربهم كما أمر، حكامًا ومحكومين، علماء ومتعلمين، دعاة ومدعويين، مفكرين ومُفكرٌ عنهم، فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة لا تفيد إسلاما ولا تعطي صاحبها إيمانًا، وليس لصاحبها صفة التدين في أي شريعة كانت.

إن الدين عند الله الإسلام نطقًا واعتقادًا وعملًا، فلا يكون الدين راية ولا شعارًا ولا وراثةً ولا غير ذلك من شعارات كاذبة، بل هو حقيقة تتمثل في الإعتقاد والعمل والقول.

هذه حقيقة يغفل عنها كثير من دعاة الفكر الأنثوي المحسوبين على الصف الإسلامي، إنهم يغفلون أنهم وفكرهم ما قاموا بشيء وما بلغوا شيئًا يذكر، بل ولا معشار ما بلغ من كان قبلهم، إذ لا يكون تبليغ الدعوة وإقامة الحجة على المدعو إلا إذا بلغناه حقيقة الدعوة كاملة غير منقوصة، ولا بد من أن يصف الداعية إلى الله ما هم عليه من خلل وتقصير وصفًا كاملًا كما هو في حقيقته بعيدًا عن المجاملة والمداهنة، ونائيًا بنفسه عن الدخول في متاهة المصالح الموهمة التي لم يعتبرها الشرع والتي لا وجود لها إلا في ذهنه.

إن النأي عن الكتاب والسنة وتسريح العقول في مجال الدعوة الحاصل من أصحاب"الأنوثة الفكرية"وإحجامهم عن منهج السلف في التبليغ هو في الإسلام، لا يعبر إلا عن خداع ومخادعة من يدعى إلى دين الله، بل أذية للمدعو ما بعدها أذية، لأنهم لم يعرفوه حقيقة الدعوة المطلوبة منه، فيفاجأ بعد ردح من الزمن أنه يكفر وأن دمه وماله حلال للإسلام والمسلمين، ناهيك أن الداعية لم يبلغ ما أمر الله به {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ، بلغ ما انزل إليك لا ما استحسنه عقلك يا من تدعو إلى الله بزعمك.

وهذا التبليغ المطلوب منا لا بد أن يكون على ضوء {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين َ} ، وإن لم يكن كذلك فلا بلاغ إذًا وإنما خداع لأنفسنا يذكرني بطائر النعام.

الأنوثة الفكرية:

هي تلك الطبقة من العلماء والدعاة والمفكرين الذين لا يعرفون من الإسلام إلا جانبًا واحدًا! جانب اللين والخضوع، وهم أولئك الداعون إلى اللين والتنازل ليس في الكلمة والفعل فحسب بل في الفكر والفكرة والطرح والبيان، لينًا تمجه الإناث قبل الذكور.

هم أولئك الذين سرحوا عقولهم وخيالهم بعيدًا عن نصوص الشرع، بل تحرروا منها ومن دلالتها إلا فيما يخدم نحلهم و مصالحهم...

هم المجتهدون في مورد النص الشرعي...

وهم الثائرون على فقه وفهم السلف الصالح فقه الجمود والمحافظة كما يزعمون...

هم المفتاتون على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم...

هم اليائسون القانطون...

هم الذين نصبوا أنفسهم أولياء على الإسلام وأهله...

هم المضمدون للجراح على صديدها...

هم الحائرون والمنبهرون من هذه الحضارة الغربية وما وصلت إليه...

هم المعجبون برجل الحضارة الكافرة وحسن تعامله...

هم القائلون؛ الغرب أخلاقه إسلام بلا مسلمين، والمسلمون مسلمون بلا إسلام...

هم الداعون إلى إسلام الدراويش...

هم الذين يرون محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب عنها وهم باردوا القلوب...

وهم الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورئاساتهم، فلا مبالاة بما جرى على الدين...

هم من لو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل، وجد واجتهد واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة!

لقد دعاني إلى الكتابة عن هذا الفكر المنحط، هو ما نراه جميعًا على المؤلفات المطبوعة، وما نسمعه من، وما نراه في صفحات الصحف، والقنوات، وساحات الإفتاء، وشاشات الإنترنت، فكل يكتب، ويفتي في هذه المنتديات، التي أشبه ما تكون بسوق عكاظ إلا صاحبة المناهج المضيئة، فهذه حلقة فكرية وأخرى حوار ساخن وثالثة الرأي الآخر، وليس ثمة شرط أو مؤهل في السماح بالكتابة! سوي أن تعرف الإمساك بالقلم، وإن لم تحسن فلتملي، وليكتب المعتوه الذي عليه الباطل، فإن كان ضعيفًا أولا يستطيع أن يمل فليملل ربيبه ونظيره في الهبوط!

من إفرازات الأنوثة الفكرية:

لقد أفرزت لنا هذه الأنوثة الفكرية المبنية أحكامها على الحدس والتخمين والمتمثلة بمن يسمون أنفسهم علماء، ودعاة، ومفكرين إسلاميين إفرازات استشرى خورها وضررها في جسد امتنا الإسلامية، فعلى سبيل المثال والاختصار:

1)التلطف مع الناس في حقيقة الدعوة، حيث خلط هؤلاء بين اللطف في الأسلوب الذي يبلغ الداعية فيه المدعوين، وبين اللطف في حقيقة، وجوهر وصلب الدعوة، فالأول يتبع فيه المصلحة والمفسدة، والمقتضيات القائمة، وطبيعة المجتمع، وعاداته وتقاليده، والثاني لا يجوز الاجتهاد فيه البتة بل قد يؤدي الاجتهاد فيه إلى الكفر، إذ يجب أن تبلغ الحقيقة كاملة غير منقوصة وهذا الخلط بسبب إغراقهم في اللين لينًا ما أنزل الله به من سلطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت