فهرس الكتاب
وجعل ذلك شرطًا لازمًا للنهوص الحضاري ، ما شهدته التجربة اليابانية من تفوق
وتنمية شاملة ، دفعت بها إلى مصاف الدول العملاقة التي بات الغرب وبالأخص
الولايات المتحدة يضع لها ألف حساب ، ولأن أجواء التحدي تصنع الإبداع ؛ فقد
أفاق اليابانيون بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية ، فاندفعوا لبناء نهضة ذاتية
قائمة على خصوصيات المجتمع الياباني فيما يتعلق بلغة التعليم ؛ حيث لم يستعر
اليابانيون لغة الغرب ، ولكن تم الاعتماد كليًا على اللغة اليابانية رغم صعوبتها التي
يكاد ألاَّ يتصورها أي منا ممن لم يحط علمًا بها . فهل يتصور أحد أن عدد حروف
هذه اللغة يبلغ عشرة آلاف حرف ، وأنه يشترط لقراءة صحيفة يومية يابانية أكثر
من ثلاثة آلاف وخمسمائة حرف [5] . هذا مع إفادتهم من التقنية الغربية التي تم
نقلها وتعلمها ، وكانت بحد ذاتها دافعًا لاستحداث نظام تعليمي جديد يكفل لليابانيين
اللحاق بالدول الغربية الكبرى [6] . ومن الملفت للنظر أن اليابانيين الذين يتعلمون
اللغة الإنجليزية يعدون أنفسهم إعدادًا جيدًا لمعرفة قواعدها التي عادة ما تشملها
الاختبارات ، دون الاهتمام بالقدر نفسه بتعليم اللغة عمليًا وقراءتها [7] .
والأمر ذاته ينطبق على التجربة الصينية وتجربة الكوريتين ؛ فسرُّ النهوض
فيها جميعًا يرجع إلى جملة أسباب جوهرية من بينها لغة التعليم الذي مثل مفتاحًا
للتقدم وعمودًا للنهوض في الوقت ذاته .
والسؤال المفترض هنا: هل ثمة أوجه للمقارنة من حيث الصعوبة بين هذه
اللغات وبين العربية ؟ !
أقسام المصطلحات:
والمصطلحات الوافدة قسمان رئيسان: الأول: مصطلحات العلوم الطبيعية
والتطبيقية ، والثاني: مصطلحات العلوم الإنسانية والاجتماعية ، والتعامل مع الأول
ليس أمرًا هينًا كما قد يتصور بعضنا ؛ حيث لا يقف في مدلوله عند حدود المعنى
الموضوع له من قبل مكتشفيه وذوي السبق إلى صناعته ، بل لا يخلو من إيحاءات
ودلالات نفسية وذهنية تحمل معنى الغلبة والانبهار لأصحابه ، والضعف والتبعية
لمن لم يسهموا في الاكتشاف والسبق . ومع التشديد على ضرورة أن يكون للمسلم
المعاصر مشاركة إيجابية أو فعل حضاري في هذا القسم كي لا يظل مستهلكًا عالة
على الآخر ، فإنه لا مناص من التعريب ، والبحث عن ألفاظ عربية مناسبة ، مع
عدم إغفال ضرورة المبادرة إلى الاكتشاف والإبداع ، كي يسهل الوصف العربي
النابع من الذات الفاعلة لا المستهلكة المتسولة ! وهنا يأتي دور المجامع اللغوية
العربية وذوي الشأن من المختصين والمهتمين بهذا الجانب .
يجب أن يقدم مجمع اللغة العربية طبعة جديدة مستوعبة للمستجدات العلمية في
معجمه الوسيط . ولا بد من الإشارة هنا إلى التجربة السورية الرائدة في هذا المجال ،
أعني مجال تعريب العلوم الطبيعية والتطبيقية ، والإفادة من ذلك ضرورة عينية ؛
إذ التجربة السورية تمثل ردًا عمليًا على المتشككين في استيعاب المفردات اللغوية
العربية للكم الهائل من المعرفة العلمية الطبيعية والتطبيقية المعاصرة .
وتعدّ الاستهانة بالجهود المبذولة في هذا السبيل استسلامًا لسيل الغزو الثقافي
الجارف ، كما يعد استهجان المفردات العربية التي تبدو غريبة أو مشكلة أو ثقيلة
على اللسان العربي المعاصر عيبًا كبيرًا في المستهجنين لا في اللغة العربية .
إن قدرة الغربيين البارعة في تضخيم ما يرغبون في تضخيمه ، وتقليل ما
يودون التقليل من شأنه ينسى بعضنا ممن يحمل تجربة في التعلم لأي لغة أجنبية ما
يواجهه من الصعوبات في البداية ، سواء من حيث حفظ حروف الكلمة ، أو نطقها
نطقًا سليمًا تمامًا ، أو تطبيقها في الواقع العملي ، أو اختيار اللفظ المناسب في
السياق المناسب ، أو المقدرة على الاستيعاب الجيّد عند السماع . والغريب حقًا أن
الأمر لا يبعث على الاستغراب أو الاستهجان ، بل إن وقوع المتعلم المبتدئ أو غير
المبتدئ في خطأ ما يتعلق بأي من تلك الجوانب يدفع كل ذوي الخبرة اللغوية لهذه
اللغة المتعلمة للتصويب ، ويكون ذلك علامة الثقافة والنبوغ ، ولا يجد المتعلم حرجًا
في قبول تلك التصويبات مصحوبًا بشكر جزيل وامتنان بالغ ، ولا يشعرون بأدنى
حرج ، بل إن الحرج قد يلحق من يفكر بالاستدراك عليهم ، وقد يسمع من ألفاظ
الاستخفاف والاتهام بالشكلية والسطحية ، دون أن يكلف هؤلاء المتهمون المستخفون
أنفسهم السؤال: لماذا ينزه المستدركون على الخطأ في إنقاص حرف ، أو في
زيادته ، أو في النطق به خطأ ... إلخ بالنسبة للغة الإنجليزية مثلًا عن الاتهام
بالشكلية والتسطيح ... إلخ ، في حين يصب ذلك كله لمن يفعل الشي نفسه بالنسبة
للغة الأصلية ؟
ضوابط المصطلحات:
ثمة قواعد أربع أساسية حيال إشكال التعامل مع المصطلحات . ولكن قبل
البدء بها يحسُن التأكيد على ما يلي:
إن المصطلحات الإنسانية والاجتماعية تمتاز بحساسية أشد من قريناتها
المستخدمة في إطار الدراسات العلمية الطبيعية والتطبيقية ؛ إذ إن من المسلّم به في
نطاق هذه الدراسات مدى الخصوصية والتداخل والإلباس على نحو يستلزم معه
أهمية ضبط التعامل مع هذه المصطلحات وفق قواعد قد لا تمتلك اتفاقًا نهائيًا . أما
حين تتصل تلك المصطلحات بمفردات الشريعة وأحكام الدين فإن الأمر يكون أكثر
حساسية وأدعى للضبط ، والحفاظ على تلك المصطلحات .
القاعد الأولى:
إن المصطلح الحضاري ينبغي أن يؤخذ في سياق منظومته الحضارية ؛ إذ
هو يعبّر تمام التعبير عنها ، وإن محاولة إخراج المصطلح من سياقه الحضاري
لاستخدامه في سياق منظومة حضارية أخرى يؤدي إلى التداخل في المفهومات وإلى
زعزعة المنطق الداخلي فيها . وبذلك فليس من المنهج في شيء إغفال تطور
المصطلح الحضاري في إطار منظومته الحضارية [8] .
القاعدة الثانية:
إن المصطلح المتعلق بالعلوم الإنسانية والاجتماعية يمثل مفردة من مفردات
اللغة المعبرة عن الاتصال والتفاهم ، إلا أنه قد ينقلب إلى أداة لسوء التفاهم ؛ إذ
للاستخدام العرفي اعتبار يوحي بمدلولات وإيحاءات اجتماعية تعلق بها ذلك
المصطلح من جراء الاستخدام العرفي الخاص في بيئة اجتماعية ما ، ومن هذا
القبيل مصطلح « خلافة » فإنه لفظ عربي معروف في الميراث السياسي الإسلامي ،
ولكن من المعلوم أن تمثل هذا المصطلح على نحو مشرق لا غبار عليه إنما كان
في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة ، مما اضطر الفقهاء والمؤرخين لتمييز حكم
الخلفاء الأربعة الأوائل بـ « الخلافة الراشدة » [9] .
ومن هنا ندرك مدى الأهمية والخطورة التي قد يتسبب فيها الاستهانة في
تحديد المصطلح المطلوب وتحديده باستصحاب جميع الملابسات التي تكتنفه نشأةً
وتطورًا وعرفًا .
القاعدة الثالثة:
تظل هذه المصطلحات محتفظة بأسسها ومنطلقاتها الفكرية وبملابساتها
وظروفها التاريخية والبيئية إذا أريد لها الانتقال إلى بيئة حضارية أخرى ما دامت
حالة الانكسار الحضاري هي السائدة لدى ذوي الرغبة في النقل إلى بيئاتهم الجديدة ؛
بخلاف ما لو كانت هذه البيئة الأخرى قد بلغت مرحلة العزّ الحضاري ، فإن هذه
المصطلحات في هذه المرحلة ستذوب ، وستصاغ على نحو يتمشى مع المنظومة
الحضارية المستعيرة ، ولعل هذا يفسر مغزى التحذير النبوي من تقليد غير
المسلمين في عاداتهم وأنماط سلوكهم المتعلقة بالمأكل والمشرب والملبس وما إلى
ذلك ، للتحرر من الهيمنة الثقافية والسلوكية لغير المسلمين ، ولكن اختلف الأمر
بعض الشيء عند أمن الفتنة فيما بعد ؛ فحين سادت القيم الإسلامية على الحياة