فهرس الكتاب

الصفحة 2044 من 2255

استعار المسلمون نظم الدواوين والتراتيب الإدارية والعملية ، كما توسعت لغتهم

بالاشتقاقات الذاتية وبالتوليد والتعريب [10] .

القاعدة الرابعة:

هناك ألفاظ مجملة عربية وغير عربية يحددها السياق وطبيعة الاستخدام .

فألفاظ مثل: الثورة أو الطبقة أو التقدم ، ألفاظ عربية كانت وما تزال تستخدم في

مختلف الثقافات إما مطلقة وإما مقيدة ؛ فحين ترد مطلقة يجب أن نبحث عن مقصود

السياق الذي وردت فيه ، مثل قول الماركسي: « ثورة الطبقة » ، والرأسمالي:

« الثورة الفرنسية » ، والإسلامي: « جاء الإسلام ثورة على المجتمع الجاهلي » .

فمراد الماركسي: ثورة الطبقة الكادحة على البرجوازية ، ومراد الرأسمالي ثورة

الشعب الفرنسي على الظلم الذي كان سائدًا قبل الثورة ، ومراد الإسلامي: اقتلاع

الإسلام لجذور الجاهلية [11] .

وأحسب أن التباسًا قد يكتنف هذه القاعدة ( الرابعة ) على نحو يستدعي البيان

المناسب للمقام ؛ فعلى حين نجد المفكر الإسلامي الدكتور محسن عبد الحميد يتبنى

هذه القاعدة ويورد تلك الأمثلة عليها ، نراه يفرق بينها وبين مصطلحات أخرى

وضعها جميعًا في سياق واحد كالاشتراكية ، والدكتاتورية ، والرجعية ، والتقدمية ؛

فهو يذهب إلى أن هذه المصطلحات « ثمرة تطور النمط الحضاري الغربي ، لا

علاقة لها بتاريخ الإسلام وحضارته وتطور الحياة فيه » [12] .

والواقع أن ليس من الدقة في تقديري اقتران مصطلح الاشتراكية بتلك

المصطلحات التي أوردها الدكتور عند إجازته التلفظ بها بحسبان أن السياق سيكون

المحدد للمراد منها ، كما أنه ليس هناك ما يستدعي التفريق بين تلك المصطلحات

عينها وبين هذه المقرونة بالاشتراكية وهي: ( الدكتاتورية والرجعية والتقدمية ) .

فالعبرة بالمعنى الغالب المتبادر إلى الذهن أول ما يطرق السمع . ومن المعلوم أن

الأنظمة السائدة كانت ثلاثة: الاشتراكية بهذا المعنى والرأسمالية ، والإسلام ، ولم

يكن يتبادر إلى ذهن أحد أن الاشتراكية تعني النزعة الإنسانية في العدالة الاجتماعية

على النحو غير المطبق في الاتحاد السوفييتي ( السابق ) أو الصين . إن هذا

المدلول المذكور للاشتراكية ليس إسلاميًا بأي معنى ، حتى لو قُيِّدَ بلفظ الإسلام أو

العروبة ؛ لأن المسلمين أو العرب لم يعرفوا هذا المدلول على مدى تاريخهم ، ولأن

أصل المدلول الذي وضعت من أجله فلسفي معروف بارتباطه بمذهبية غير إسلامية

من الأساس . ولئن وجدت بعض الجوانب المشتركة بين فلسفة الإسلام وبين

الاشتراكية من الناحية الاقتصادية فإن ذلك لا يغير من حقيقة الجذور المختلفة كلية

لنشأة كل منهما ومقاصده .

إما إدراج مصطلح « الاشتراكية » والدكتاتورية والرجعية والتقدمية في سياق

واحد فأمر لا يستقيم ؛ إذ إن هذه المصطلحات ( غير الاشتراكية ) لا تمثل فلسفة

لأي مذهب وإن استخدمتها بعض المذاهب أكثر من غيرها ، لكن يظل السياق هو

المحدد المنهجي للمقصود عند الإطلاق .

أرأيت استعمال مصطلح « الرجعية » ؟ فإن الماركسي يعني به مناهضة

الإقطاعية الزراعية التي كانت سائدة قبل قوانين الإصلاح في الدول

الشيوعية يومًا ما ، كما أنه إذا استعمل مصطلح « الديكتاتورية » فسيعني

به ديكتاتورية « البروليتاريا » أما إذا استعمل مصطلح « التقدمية » فسيعني

به المضي نحو المستقبل بعيدًا عن أفكار وممارسات ماضوية صبغت مرحلة

الإقطاع .

أما بالنسبة للمسلم فإنه إذا أطلق مصطلح « الرجعية » فإنه يعني به: العودة

إلى أفكار وممارسات الجاهلية الأولى ، و « الديكتاتورية » تعني الظلم والاستبداد

الذي يقاومه الإسلام وعدالته . أما « التقدمية » فتعني بالنسبة له: المضي بأفكار

الإسلام وسلوكياته نحو المستقبل الإسلامي .

إذن فالسياق وحده هو الذي يحدد المراد ؛ وأحسب أن مصطلحات كهذه ليست

أعلامًا ملازمة للشيوعية أو لغيرها ، بل قاسمًا مشتركًا بين الجميع .

وحاصل القول يلخصه الدكتور محسن عبد الحميد بقوله: إن « المذهبية

الإسلامية بكلياتها ومصطلحاتها غدت غريبة في مجتمعاتنا الإسلامية ؛ فالمسلمون لا

يعيشون في إطارها . فلا بد لمنهج التغيير الذي يتبناه الإسلاميون أن يلتزم بإطار

المصطلحات الإسلامية حتى ترجع الأصالة الفكرية إلى مجتمعاتنا ، فلا نعيش إلى

الأبد على فتات موائد المذهبيات المادية التي توجه الحضارة الغربية المعاصرة .

إن المذهبية الإسلامية تعيش اليوم في معركة ضارية مع المذهبيات المادية العلمانية ،

واستعمال المصطلحات التي تعبر عنها لن يكون في صالح تمكين أفكارها ونمطها

الثقافي في مجتمعاتنا الإسلامية » [13] .

وللتدليل العملي على خطورة التساهل في استعمال المصطلحات الوافدة ، لا

بأس من الاستشهاد بنموذجين هما: التقويم المسيحي ( الميلادي ) ، ومصطلح

الديمقراطية .

أولًا: أنموذج التقويم النصراني ( الميلادي ) :

كم من المسلمين يعلمون في أي شهر هجري نحن ، فضلًا عن اليوم ؟ وهل

ثمة احتفاء أو احتفال بأي عام هجري جديد يمكن مقارنته من أي وجه مع حجم

الاهتمام بأي عام ميلادي ، ناهيك عن هذا الهوس غير المسوَّغ من قبل العرب

والمسلمين للاحتفاء بقرن ميلادي نصراني جديد ، ولو تذكرنا استقبالنا للقرن

الخامس عشر الهجري الإسلامي قبل عشرين عامًا لأدركنا مدى الكارثة الحضارية

التي تمكن الطرف الحضاري الغالب أن يفرضها علينا حتى غدونا مستلبين حضاريًا

حتى في توثيق أحداثنا الخاصة وقضايانا الإسلامية المختلفة ، في حين لا يخطر

ببال أي من الغربيين على أي مستوى أن يوثق حدثًا خاصًا أو عامًّا يعنيهم أو يعني

سواهم بالتقويم الهجري الإسلامي .

والواقع أن الاتهام المنتظر عند طرق هذا الموضوع من قِبَل المستلبين

حضاريًا من حيث يدرون أو لا يدرون قد يرد في صورة استخفاف واستهجان يصم

المهتمين بإثارة موضوع كهذا بالسطحية والشكلية ، بل لربما يقول قائلهم: إن علينا

الاهتمام بصناعة الأحداث التي تستحق الرصد ، ثم نبحث بعد ذلك بأي التقويمين

توثق ؟ ! وذلك الاتهام هو صناعة ذوي المنزع السطحي من هؤلاء المستلبين

استلابًا مركبًا ، ولعل ذلك يتضح من خلال هذه المحاورة لهم .

إن قضية الاستقلال وترسيخ الهوية والإصرار على الخصوصية الحضارية

تشمل ضمن ما تشمل الاحتفاظ بذاكرة الأمة عن طريق توثيق أحداثها من منطلق

تاريخها الذاتي الذي ينتسب إلى حدث كبير غيَّر مجرى التاريخ في العهد الإسلامي

الأول ؛ وذلك الحدث هو هجرة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛

كما أن مسألة الاستقلال تعني استقلالًا شاملًا عن الغرب لا يقف عند حدود تحرير

الأرض فحسب ، ولكنه يتجاوز ذلك إلى تحرير منهج التفكير وأسلوب العمل . ولنا

أن نوجه جملة من التساؤلات المنطقية إلى كل من ينازع في اتصال هذه المسألة

بالبعد الحضاري:

* هل يقبل الغربيون النصارى إن كانت المسألة هامشية سطحية أن يرصدوا

أحداثهم بالتقويم الهجري الإسلامي بحيث لا يترددون أن يوثقوا تاريخ الحملة

الصليبية الأولى عام 498 هـ بدلًا من 1096م ، ومعركة حطين التي انتصر فيها

المسلمون على الصليبيين عام 583 هـ بدلًا من 1187م أو أن الحرب العالمية

الأولى اندلعت عام 1290 هـ بدلًا من 1914م ، أو أنه قد حدث في رمضان أو

محرم أو ذي الحجة من عام كذا حدث كذا وكذا ... إلخ ؟

ألا ترون أن حديثنا سيكون ضربًا من الهراء ، بحيث بدا مستحيلًا إقناعهم

بأهمية وجدوى ومعنى العدول عما هم عليه إلى ما عليه غيرهم خاصة من ذوي

النزاع الحضاري معهم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت