فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 2255

والسؤال المفترض هنا: إذن لماذا يصمم بعضنا على أن المسألة هامشية

وإثارتها أمرٌ غير مفهوم ومستهجن لدى بعضهم الآخر ؟ أليست المسألة إذن راجعة

إلى « سُنَّة ولع المغلوب بتقليد الغالب أبدًا » كما نص على ذلك العلاَّمة ابن خلدون ؟

* هل للاحتفاء والاهتمام المبالغ فيه اليوم بقدوم الألفية الثالثة أو دخول القرن

الحادي والعشرين أي منطق إسلامي مقبول خاصة في ظل تاريخ صراع حضاري

متعدد الوجوه مع الغرب عرفه المسلمون الأولون باسم « الحروب الصليبية » ،

وعرفناه نحن في « القرن العشرين » باسم « الاستعمار الغربي » وحلت بنا في

ظله كوارث تهتز لها الجبال الشوامخ ، ولعل أكبرها ما كان يعرف بـ « القضية

المركزية » هل ما تزالون تذكرونها ؟ وهل نسيتم وعد بلفور ؟ أم هل نسيتم

الحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني وراعي عملية السلام ؟ ! ! أم هل غفلنا عن

اللون الجديد للصراع وهو صراع الثقافات والحضارات وغزو العولمة

* هل يعي الذين يهونون فداحة الخطأ المرتكب بحق ذاكرة الأمة أن الأمر بلغ

ببعض الكتاب والمتحدثين أن يطلقوا مصطلح « العصور الوسطى » على نحو

يشعر ظاهره بالوقوف ضد هذا العصر وأحداثه جميعًا ؛ لأنه رمز الرجعية والتخلف

والجمود . وهم بهذا يؤكدون أنهم ضحية الغزو الثقافي الغربي ومركزيته المتطرفة

التي تفترض في نفسها الكون كله ، وأنه لا يسع الآخرين إلا متابعتها في كل شيء ؟

* إن مصطلح العصور الوسطى أو النهضة أو التنوير أو سواهما مما هو

نبتة غربية خالصة ، لا يعني المسلم المعاصر من قريب أو بعيد ؛ لأنه يطلق

عندهم على الفترة الواقعة بين سقوط روما في القرن الرابع الميلادي وبين عصر

النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر ، وتمثل هذه الفترة أسوأ مراحل

الضعف والتخلف بالنسبة للأوروبيين ، في حين شهد التاريخ الإسلامي في الفترة

الواقعة في القرن السادس الميلادي تحديدًا فجر الإسلام وعصر الرسالة ومبعث

الوحي المحمدي وبدء انطلاقة التحرر وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ،

وسرايا الصحابة وفتوحاتهم . وامتداد الحضارة الإسلامية بعد ذلك يعد امتدادًا لرسالة

الإسلام الأولى ؛ فكيف تم تقبل ذلك المصطلح والترويج له ؟ ! ألا ترون خطورة

التقليد الأعمى .

* ألا ترون أننا نقع في التناقض المعيب حين تحصل أحداث مباركة كحرب

رمضان 1393 هـ ، وتشتهر عقب المعركة بحرب 10 رمضان ، ثم ما تلبث أن

تختفي ، وتصبح مشتهرة بحرب 6 أكتوبر 1973م ؟

* أيستطيع أحدٌ اليوم في بلد كاليمن ، ولا أقول مصر أو الشام أو المغرب

العربي ، أن يؤرخ لحدث محلي بالتقويم الهجري وحده ؟ ناهيك أن يكتب تاريخ

الحدث بالتقويم الهجري الإسلامي دون الإشارة إلى كونه هجريًا كأن يرمز له

بالحرف ( هـ ) ، في حين أنه بوسع أي مؤرخ أو كاتب اليوم أن يكتب أي

تاريخ لأي حدث من غير ذكر كون التقويم ميلاديًا أو أن يرمز له بالحرف ( م ) ،

وذلك يعني بلا نزاع أن الميلادي النصراني أضحى الأصل الذي لا يحتاج إثارة أو

تمييزًا ، والهجري الإسلامي هو الاستثناء الذي يستحق ذلك ، وبهذا انقلبت موازين

الأصيل والدخيل حقًا ، فغابت ذاكرة الأمة الحضارية تمامًا أو تكاد .

* نظرًا لهذا الاستغفال الصارخ للعقل المسلم المعاصر بلغ الأمر ببعض

الدعاة والمفكرين والكتاب الإسلاميين أن يجاروا هذا الاتجاه الغازي ، بل أن يزيدوا

عليه مع الأسف تأصيلًا غاية في الغرابة ، وذلك حين يستشهد بعضهم على حديث

المجدد الذي يبعثه الله على كل قرن كما ثبت ذلك عند أبي داود والحاكم بإسناد

صحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله يبعث لهذه

الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها » [14] ، فيتحدثون عن فلان أو

فلان أو .... إلخ أنه أو أنهم مجددون للإسلام في القرن العشرين ! ! وإنما مثلهم في

هذا كمثل الذي يفهم أن القرآن إذ يتحدث عن الشهور[ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ

اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ]

( التوبة: 36 ) ، أو الأشهر الحرم:[ فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ

حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ ] ( التوبة: 5 ) ، فيستخلص أن الاثني عشر شهرًا أو الأشهر

الحرم المنصوص عليها في الآيتين محمولة على التقويم الميلادي المسيحي وأشهره

الحرم ! ! وليس المقصود هنا الشماتة بل الإشارة إلى مدى الغيبوية الحضارية التي

لم يسلم من الوقوع في شركها حتى دعاة ورواد التغيير الإسلامي !

* قد يقال: إن أحداثًا ضخمة شهدها القرن الميلادي السابق ، مما دعا إلى

الاهتمام به على ذلك النحو ، ورغم سذاجة اعتراض كهذا فإن أقرب رد بديهي عليه

هو طرح السؤال الآتي: هل تمت تلك الأحداث خارج نطاق القرن الهجري ؟ وهل

استباق الهجري بعشرين عامًا على الميلادي مسوِّغ مقبول ومعقول لكل هذا العبث ؟

ثم ما نسبة ما حدث في العشرين عامًا الأخيرة مقارنًا بثمانين عامًا مرت فيها حربان

عالميتان وأحداث جسام لا يمكن لذاكرة التاريخ نسيانها ؟

عودة لضوابط المصطلحات:

وإذا تذكرنا قواعد المصطلحات الأربعة الضابطة لمنهجية التعامل مع الوافد

منها ، فإننا سنجد القاعدة الأولى منها القاضية بضرورة أخذ المصطلح في سياق

منظومته الحضارية تدفعنا نحو ضرورة التحرر الشامل من التبعية في استعمال

التقويم الأوروبي النصراني ؛ لأنه بالفعل جزء من سياق حضاري مختلف تمامًا .

كما أن القاعدة الثانية التي فحواها أن الاستخدام العرفي قد يحيل اللغة من أداة

اتصال وتفاهم إلى أداة سلبية لسوء التفاهم ، تؤكد أن الاستخدام الشائع للتقويم

النصراني جعل منه عُرفًا مسيطرًا أفضى إلى هيمنة الطرف الحضاري الغالب

القوي ؛ ففرض بذلك جزءًا من ثقافته على الطرف المغلوب الضعيف . أما القاعدة

الثالثة التي تميز بين حالتي العز والانكسار الحضاريين ، فإن واقع الحال يشهد بأن

الأمة تعيش حالة انكسار حضاري لا تخفى ، رغم الجهود المبذولة لحركة البعث

الإسلامي المعاصر ، غير أن مخالب الوحشية الغربية عمومًا والإمبريالية الأمريكية

على وجه الخصوص ما تزال ناشبة في جسد الأمة الإسلامية وقلبها الثقافي ،

والتخلص من حالة كهذة يتطلب إرادة وسلوكًا يتأبى على التبعية الفكرية والسلوكية

والانعتاق من ربقة التقليد ، ونزع قابلية الاستعمار .

وأما القاعدة الرابعة القاضية بأن السابق هو الذي يحدد مقصود الألفاظ

المجملة ؛ فإن التقويم الأوروبي إياه ليس مجملًا يحدده السياق بل هو تفصيلي

موضوع للدلالة على معنى حضاري معروف .

الأنموذج الثاني: الديمقراطية:

ولعلي مضطر في البدء أن أقرر حقيقتين على غاية من الأهمية قبل المضي

في تفصيلات هذا المصطلح:

الحقيقية الأولى: أن مناقشة المصطلح تنطلق من سياقه الحضاري المنهجي

دون أن يعني ذلك منازعة من أبَى إلا أن يسطح القضايا المعقدة والإشكالات الفلسفية

الكبيرة ليظهر أمام أرباب صيحة الديمقراطية ودعاتها الصادقين أو سواهم بمظهر

المناصر لقضايا العدل والحرية والمساواة ؛ فهذه المسائل الثلاث لا يجوز النزاع

فيها ولا الخلاف حول جوهرها ، ومن أبَى إلا المنازعة والخلاف فذلك شأنه وحده ؛

غير أن ذلك لا يعني من جانب آخر مرادفة حرفية بينها وبين الديمقراطية ، كما

يعلم دارسو الفكر السياسي الحديث [15] .

الحقيقة الثانية: تنطلق مناقشة المصطلح من مسلَّمة أن ليس للغرب وصاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت