فهرس الكتاب

الصفحة 2046 من 2255

على العالمين ؛ فلئن انتزعت الشعوب هناك حقوقها الديمقراطية بعد نضال مرير

مديد فذلك أمر مشرف لها ، بيد أن ذلك لا يعطي دوائر القرار الغربية اليوم حق

فرض هذا الأنموذج على الإنسانية جميعًا ؛ لأنه نتاج كفاح أوروبي خالص دفعت

إليه ظروف وملابسات وإشكالات لا تنطبق بالضرورة على نمط حضاري آخر

كالنمط الحضاري الإسلامي .

ولنشرع بعد هذا في مناقشة المصطلح ابتداءً من جذوره .

مفهوم الديمقراطية:

الديمقراطية كلمة يونانية الأصل تتركب من مقطعين: الأول بمعنى شعب ،

والثاني بمعنى حكم ، ويقصد بها حكم الشعب إما عن طريق نفسه بما يعرف

بالديمقراطية المباشرة ، أو عن طريق ممثلين له ويعرف بالديمقراطية غير المباشرة ،

وتمثل الأمة مصدر السلطات جميعها في هذا النظام [16] .

اتفاق واختلاف:

هذا المفهوم للديمقراطية يلتقي مع نظام الشورى الإسلامي في العملية الآلية

بيد أنه يختلف معه في نقطة جوهرية أخرى هي المصدرية .

أما بالنسبة لعملية الاتفاق فتتمثل في منح الأفراد حقهم في انتخاب من يمثلهم

ليحكمهم بمحض إرادتهم ، وفق عقد اجتماعي يحق للحاكم في ضوئه ممارسة

صلاحياته في إدارة شؤون البلاد عن طريق الموافقة الشرعية الحرة التي تعرف في

الفكر السياسي الإسلامي بالبيعة . ثم إن نظام الشورى لا يختلف مع الديمقراطية من

حيث المباشرة وغير المباشرة ، ولا فرق حقيقيًا بين أن يكون هذا الحاكم منتخبًا

مباشرة من الأمة ، أو عن طريق ترشيح أهل الحل والعقد الذين يتَّسمون بجملة من

الخصائص والمؤهلات ، ويتكونون من « الأمراء الحكماء والعلماء ورؤساء الجند ،

وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة »

وهذا التعريف لأهل الحل والعقد يعد من أجمع التعريفات ، وقد انتهى إليه الأستاذ

محمد عبده حسبما نقله عنه تلميذه محمد رشيد رضا [17] .

أما جوهر الخلاف بين النظامين الديمقراطي الغربي والشورى الإسلامي

فيتجلى في مفهوم المصدرية الشعبية للسلطان ؛ فإن قصد بها ممارسة الحكم من قِبَل

أفراد الشعب فذلك أمر لا يستدعي النزاع ، ولا أحسب أن أمره يمثل إشكالًا في

الفكر السياسي القديم أو المعاصر ، ولكنه خلاف المتبادر المقصود من اصطلاح:

( الشعب مصدر السلطات جميعًا ) في سياق الحديث عن النظام الديمقراطي . إذن

المقصود بداهة بالنسبة لأهل المصطلح اشتقاق النظام التشريعي من الشعب وحاجاته

ومصالحه وآماله وطموحاته ، وليس من أي مصدر آخر ، سماويًا كان أو غير

سماوي ، والواقع أن هذا مفصل الخلاف الجوهري بين النظامين ؛ حيث إن

الشورى تستمد تشريعاتها من الوحي الإلهي( الكتاب الكريم ، وصحيح السنة

المطهرة )وتعدّ جميع المصادر الثانوية الأخرى تابعة لهذين المصدرين ، محكومة

بمرجعيتهما ، والمصلحة أو الحاجة أو الأمل والطموح الذي يشعر ظاهره بمخالفة

النص الصحيح الصريح في وروده ودلالته أمر موهوم مردود لا يلتفت إليه .

ضبط المصطلح في ضوء قواعد التعامل:

تجدنا حيال مصطلح غازٍ مستأسر لهوى كثيرين نظرًا إلى بريق الحضارة

الغربية المعاصرة بصورة عامة من جهة ، ولوضعية الاستبداد والتخلف السياسي

العام الذي يغشى مناطق العالم العربي والإسلامي من جهة أخرى ؛ وهنا لا مناص

من التذكير بقواعد التعامل الأربع التي سبق أن حاكمنا في ضوئها مصطلحات سابقة ؛

لأنها في رأينا تمثل معيارية أحسبها منضبطة إلى حد كبير ؛ فإذا رجعنا إليها

فسنجد ما يلي:

أولًا: إن مصطلح الديمقراطية ينتسب إلى منظومة حضارية غير عربية ولا

إسلامية ؛ ومحاولة استعارته بكليته لأمتنا أمر لا يستقيم ولا يؤدي مدلوله المنشود

منهجيًا إلا بقدر من الاعتساف والتداخل وزعزعة المصطلح الحضاري الأصيل ،

وهو الشورى ، ولا يوجد مسوِّغ موضوعي منهجي لذلك إلا بوصفه أمرًا واقعًا ،

وهذا منطق هش فرضه أقوياء الحضارة الغربية ، وتابعهم المستلَبون التابعون

عندنا ، وهو أمر يشبه فرض الأنموذج الأمريكي اليوم في مختلف المجالات الحياتية

عبر فكر وسياسة « العولمة » .

ثانيًا: بالنظر في منطق القاعدة الثابتة المؤكدة على أن مفردات اللغة تعبير

عن الاتصال الإنساني والتفاهم ؛ بيد أن ذلك قد ينقلب إلى العكس بفعل الاستخدام

العرفي للمصطلح . إذا أعملنا هذه القاعدة في مصطلح الديمقراطية فسنجد أن العرف

السائد لاستخدامها في بلد المنشأ يقوم على عناصر أربعة رئيسية هي: الحرية ،

والمساواة ، والتمثيل النيابي ، والواقع الدستوري [18] .

وكل واحد من هذه العناصر غير مقيد بضوابط الدين ، بل متروك لتقديرات

البشر واجتهاداتهم المراعية لملابسات الواقع وإشكالاته ؛ وذلك اتساقًا مع منطق

فكرة الديمقراطية ونشأتها .

إن محاولة نقل هذه العناصر من بيئتها إلى بيئات أخرى مغايرة سيصطدم

بجملة من المعتقدات الفكرية والسياسية والقيم والأعراف المناهضة لكثير من

متضمنات تلك العناصر ، كما أن السعي نحو تكييف أي منها وفق معتقدات وقيم

وأعراف البيئة الجديدة سيفقد مضمون المفهوم الديمقراطي فاعليته ، وسيستحيل إلى

شيء آخر ( مسخ ) يمكن تسميته أي شيء آخر ، إلا أن يكون ديمقراطية .

ويلاحظ اليوم أن ثمة أصواتًا في مجتمعاتنا الإسلامية ( المحافظة ) تدعو إلى إحلال

القيم والسلوكيات الديمقراطية كمنظومة متكاملة ، لا أن تؤخذ بانتقائية ، تتخير ما

تشتهي وترفض ما عداه .

والواقع يشهد بوجود أصناف ثلاثة في مجتمعاتنا ترغب في التعامل مع

المسألة الديمقراطية ، بيد أنها تختلف في منطلقاتها ودوافعها:

فالصنف الأول: يسعى لتكييف فلسفتها وفق أهوائه وبما لا يتعارض مع

مصالحه بحيث يفقده مجدًا ، أو يسقطه من موقع اكتسبه بطريق مشروع أو غير

مشروع .

والصنف الثاني: يروم تكييف الديمقراطية مع معتقدات الأمة ، وقيم المجتمع ؛

بحيث يُزال أي تعارض قد ينشأ بين تعاليم الدين وفلسفة الديمقراطية ، حرصًا منه

على الإفادة من إيجابياتها ، وحتى لا يظهر أمام الآخر خصمًا للحريات العامة ؛ وذا

موقف سلبي من مضامين الديمقراطية دون أن يعني ذلك تسليمه المطلق لكل

مستلزماتها ، ولذا فإنه يسعى كثيرًا لإقران المصطلحين ببعضهما ؛ فلا ينفك يذكر

الشورى إلا مقرونة بالديمقراطية أو العكس( الديمقراطية الشوروية أو الشورى

الديمقراطية أو الشوروقراطية ).

أما الصنف الثالث: فيدعو صراحة حينًا ، وضمنًا حينًا آخر للتعاطي مع

المسألة الديمقراطية منظومة واحدة متكاملة ، وما عدا ذلك في نظره تلفيق وترقيع لا

ينسجم وأهداف التغيير الاجتماعي المنشود ، معللًا ذلك بأن أوروبا والغرب عمومًا

إنما حقق منجزاته السياسية تحديدًا حين قَبِلَ بها جملة واحدة لا تحتمل التجزؤ .

وفي مقابل هذه المواقف الثلاثة يبرز موقف مضاد لها جميعًا يعلن رأيه

الرافض صراحة لفلسفة الديمقراطية جملة وتفصيلًا ، ويرى أن وجود الديمقراطية

في المجتمع الإسلامي أمر لا ينسجم مطلقًا وروح الإسلام وتشريعاته وأحكامه .

وإزاء ذلك التباين في الموقف من المصطلح نرانا حيال تعارضات وتناقضات لا

مسوغ لترجيح بعضها على بعض أيًا ما اختلفت نسبة الصواب أو الشطط في

بعضها مقارنًا بالبعض الآخر .

إن القبول بأي من هذه المواقف لا يسلم من جموح أو انغلاق أو توسع لا

يتسع له منطق البحث أو منهج الموضوع الذي نتوخى بلوغه في هذه الدراسة ،

وعليه نقول:

أجل لا تتعارض الديمقراطية مع الإسلام في جانب هام من التوجهات الآلية

كما أشرنا قبلًا ، أما من حيث المضامين فيدير كل منهما ظهره للآخر تمامًا ، ويقعان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت