فهرس الكتاب
على العالمين ؛ فلئن انتزعت الشعوب هناك حقوقها الديمقراطية بعد نضال مرير
مديد فذلك أمر مشرف لها ، بيد أن ذلك لا يعطي دوائر القرار الغربية اليوم حق
فرض هذا الأنموذج على الإنسانية جميعًا ؛ لأنه نتاج كفاح أوروبي خالص دفعت
إليه ظروف وملابسات وإشكالات لا تنطبق بالضرورة على نمط حضاري آخر
كالنمط الحضاري الإسلامي .
ولنشرع بعد هذا في مناقشة المصطلح ابتداءً من جذوره .
مفهوم الديمقراطية:
الديمقراطية كلمة يونانية الأصل تتركب من مقطعين: الأول بمعنى شعب ،
والثاني بمعنى حكم ، ويقصد بها حكم الشعب إما عن طريق نفسه بما يعرف
بالديمقراطية المباشرة ، أو عن طريق ممثلين له ويعرف بالديمقراطية غير المباشرة ،
وتمثل الأمة مصدر السلطات جميعها في هذا النظام [16] .
اتفاق واختلاف:
هذا المفهوم للديمقراطية يلتقي مع نظام الشورى الإسلامي في العملية الآلية
بيد أنه يختلف معه في نقطة جوهرية أخرى هي المصدرية .
أما بالنسبة لعملية الاتفاق فتتمثل في منح الأفراد حقهم في انتخاب من يمثلهم
ليحكمهم بمحض إرادتهم ، وفق عقد اجتماعي يحق للحاكم في ضوئه ممارسة
صلاحياته في إدارة شؤون البلاد عن طريق الموافقة الشرعية الحرة التي تعرف في
الفكر السياسي الإسلامي بالبيعة . ثم إن نظام الشورى لا يختلف مع الديمقراطية من
حيث المباشرة وغير المباشرة ، ولا فرق حقيقيًا بين أن يكون هذا الحاكم منتخبًا
مباشرة من الأمة ، أو عن طريق ترشيح أهل الحل والعقد الذين يتَّسمون بجملة من
الخصائص والمؤهلات ، ويتكونون من « الأمراء الحكماء والعلماء ورؤساء الجند ،
وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة »
وهذا التعريف لأهل الحل والعقد يعد من أجمع التعريفات ، وقد انتهى إليه الأستاذ
محمد عبده حسبما نقله عنه تلميذه محمد رشيد رضا [17] .
أما جوهر الخلاف بين النظامين الديمقراطي الغربي والشورى الإسلامي
فيتجلى في مفهوم المصدرية الشعبية للسلطان ؛ فإن قصد بها ممارسة الحكم من قِبَل
أفراد الشعب فذلك أمر لا يستدعي النزاع ، ولا أحسب أن أمره يمثل إشكالًا في
الفكر السياسي القديم أو المعاصر ، ولكنه خلاف المتبادر المقصود من اصطلاح:
( الشعب مصدر السلطات جميعًا ) في سياق الحديث عن النظام الديمقراطي . إذن
المقصود بداهة بالنسبة لأهل المصطلح اشتقاق النظام التشريعي من الشعب وحاجاته
ومصالحه وآماله وطموحاته ، وليس من أي مصدر آخر ، سماويًا كان أو غير
سماوي ، والواقع أن هذا مفصل الخلاف الجوهري بين النظامين ؛ حيث إن
الشورى تستمد تشريعاتها من الوحي الإلهي( الكتاب الكريم ، وصحيح السنة
المطهرة )وتعدّ جميع المصادر الثانوية الأخرى تابعة لهذين المصدرين ، محكومة
بمرجعيتهما ، والمصلحة أو الحاجة أو الأمل والطموح الذي يشعر ظاهره بمخالفة
النص الصحيح الصريح في وروده ودلالته أمر موهوم مردود لا يلتفت إليه .
ضبط المصطلح في ضوء قواعد التعامل:
تجدنا حيال مصطلح غازٍ مستأسر لهوى كثيرين نظرًا إلى بريق الحضارة
الغربية المعاصرة بصورة عامة من جهة ، ولوضعية الاستبداد والتخلف السياسي
العام الذي يغشى مناطق العالم العربي والإسلامي من جهة أخرى ؛ وهنا لا مناص
من التذكير بقواعد التعامل الأربع التي سبق أن حاكمنا في ضوئها مصطلحات سابقة ؛
لأنها في رأينا تمثل معيارية أحسبها منضبطة إلى حد كبير ؛ فإذا رجعنا إليها
فسنجد ما يلي:
أولًا: إن مصطلح الديمقراطية ينتسب إلى منظومة حضارية غير عربية ولا
إسلامية ؛ ومحاولة استعارته بكليته لأمتنا أمر لا يستقيم ولا يؤدي مدلوله المنشود
منهجيًا إلا بقدر من الاعتساف والتداخل وزعزعة المصطلح الحضاري الأصيل ،
وهو الشورى ، ولا يوجد مسوِّغ موضوعي منهجي لذلك إلا بوصفه أمرًا واقعًا ،
وهذا منطق هش فرضه أقوياء الحضارة الغربية ، وتابعهم المستلَبون التابعون
عندنا ، وهو أمر يشبه فرض الأنموذج الأمريكي اليوم في مختلف المجالات الحياتية
عبر فكر وسياسة « العولمة » .
ثانيًا: بالنظر في منطق القاعدة الثابتة المؤكدة على أن مفردات اللغة تعبير
عن الاتصال الإنساني والتفاهم ؛ بيد أن ذلك قد ينقلب إلى العكس بفعل الاستخدام
العرفي للمصطلح . إذا أعملنا هذه القاعدة في مصطلح الديمقراطية فسنجد أن العرف
السائد لاستخدامها في بلد المنشأ يقوم على عناصر أربعة رئيسية هي: الحرية ،
والمساواة ، والتمثيل النيابي ، والواقع الدستوري [18] .
وكل واحد من هذه العناصر غير مقيد بضوابط الدين ، بل متروك لتقديرات
البشر واجتهاداتهم المراعية لملابسات الواقع وإشكالاته ؛ وذلك اتساقًا مع منطق
فكرة الديمقراطية ونشأتها .
إن محاولة نقل هذه العناصر من بيئتها إلى بيئات أخرى مغايرة سيصطدم
بجملة من المعتقدات الفكرية والسياسية والقيم والأعراف المناهضة لكثير من
متضمنات تلك العناصر ، كما أن السعي نحو تكييف أي منها وفق معتقدات وقيم
وأعراف البيئة الجديدة سيفقد مضمون المفهوم الديمقراطي فاعليته ، وسيستحيل إلى
شيء آخر ( مسخ ) يمكن تسميته أي شيء آخر ، إلا أن يكون ديمقراطية .
ويلاحظ اليوم أن ثمة أصواتًا في مجتمعاتنا الإسلامية ( المحافظة ) تدعو إلى إحلال
القيم والسلوكيات الديمقراطية كمنظومة متكاملة ، لا أن تؤخذ بانتقائية ، تتخير ما
تشتهي وترفض ما عداه .
والواقع يشهد بوجود أصناف ثلاثة في مجتمعاتنا ترغب في التعامل مع
المسألة الديمقراطية ، بيد أنها تختلف في منطلقاتها ودوافعها:
فالصنف الأول: يسعى لتكييف فلسفتها وفق أهوائه وبما لا يتعارض مع
مصالحه بحيث يفقده مجدًا ، أو يسقطه من موقع اكتسبه بطريق مشروع أو غير
مشروع .
والصنف الثاني: يروم تكييف الديمقراطية مع معتقدات الأمة ، وقيم المجتمع ؛
بحيث يُزال أي تعارض قد ينشأ بين تعاليم الدين وفلسفة الديمقراطية ، حرصًا منه
على الإفادة من إيجابياتها ، وحتى لا يظهر أمام الآخر خصمًا للحريات العامة ؛ وذا
موقف سلبي من مضامين الديمقراطية دون أن يعني ذلك تسليمه المطلق لكل
مستلزماتها ، ولذا فإنه يسعى كثيرًا لإقران المصطلحين ببعضهما ؛ فلا ينفك يذكر
الشورى إلا مقرونة بالديمقراطية أو العكس( الديمقراطية الشوروية أو الشورى
الديمقراطية أو الشوروقراطية ).
أما الصنف الثالث: فيدعو صراحة حينًا ، وضمنًا حينًا آخر للتعاطي مع
المسألة الديمقراطية منظومة واحدة متكاملة ، وما عدا ذلك في نظره تلفيق وترقيع لا
ينسجم وأهداف التغيير الاجتماعي المنشود ، معللًا ذلك بأن أوروبا والغرب عمومًا
إنما حقق منجزاته السياسية تحديدًا حين قَبِلَ بها جملة واحدة لا تحتمل التجزؤ .
وفي مقابل هذه المواقف الثلاثة يبرز موقف مضاد لها جميعًا يعلن رأيه
الرافض صراحة لفلسفة الديمقراطية جملة وتفصيلًا ، ويرى أن وجود الديمقراطية
في المجتمع الإسلامي أمر لا ينسجم مطلقًا وروح الإسلام وتشريعاته وأحكامه .
وإزاء ذلك التباين في الموقف من المصطلح نرانا حيال تعارضات وتناقضات لا
مسوغ لترجيح بعضها على بعض أيًا ما اختلفت نسبة الصواب أو الشطط في
بعضها مقارنًا بالبعض الآخر .
إن القبول بأي من هذه المواقف لا يسلم من جموح أو انغلاق أو توسع لا
يتسع له منطق البحث أو منهج الموضوع الذي نتوخى بلوغه في هذه الدراسة ،
وعليه نقول:
أجل لا تتعارض الديمقراطية مع الإسلام في جانب هام من التوجهات الآلية
كما أشرنا قبلًا ، أما من حيث المضامين فيدير كل منهما ظهره للآخر تمامًا ، ويقعان