فهرس الكتاب

الصفحة 2047 من 2255

في التعارض البيّن ، والتنافر التام ، وكون الديمقراطية تشترك مع الإسلام في

بعض الجوانب الآلية فإن ذلك لا يؤذن بالقول: إن الديمقراطية باتت إسلامية

المقصد والمنزع والهدف ؛ إذ الاشتراك في جزئيات الفكرة لا يصير أصل القضية

أمرًا مشتركًا متفقًا عليه ؛ فمن المعروف أن أصل مصطلح الثيوقراطية على سبيل

المثال وتعني الحكم الإلهي لا يختلف مع مفهوم حاكمية الإسلام إذا استبعدنا حكم

طبقة رجال الدين باسم وصاية السماء ، أو سواها من الادعاءات المعروفة في تاريخ

الكنيسة الغربية ؛ فالحكم لمن يهيمن به على البشر ، والاحتكام إلى شريعته أمر

واجب في المجتمع المسلم ؛ فهل يعني ذلك الاشتراك في هذه الجزئية الإذن بوصف

الإسلام بأنه ثيوقراطي ، أو أن هناك ما يمكن تسميته بالثيوقراطية الإسلامية ، أو

ثيوقراطية الإسلام أو نحو ذلك ؟ ! [19] .

ويذهب بعض الباحثين في سياق بيان الفروق الجوهرية بين المصطلحين إلى

التشديد على ضرورة إدراك اختلاف مصدرية النظامين من جهة ، وحقيقة فلسفة

الحكم على الأشياء والظواهر من جهة أخرى [20] . على أننا لو أمعنا النظر في

جوانب الاتفاق والاختلاف بين الإسلام والديمقراطية لكان المنطق الأكثر معقولية

قبولًا يقودنا إلى القول: إن وجود قدر من التشابه بين آليات العمل السياسي وسواه

بين النظامين يجعل من الديمقراطية نظامًا أقرب إلى الإسلام في تلك الجوانب وليس

العكس ؛ فالإسلام من الناحية التاريخية يتقدم الديمقراطية بما يزيد على ألف عام

والفرق التاريخي يقضي بأن اللاحق يتبع السابق وليس العكس [21] .

ثالثًا: أما إذا طبقنا القاعدة الثالثة الضابطة لقواعد التعامل مع المصطلحات

الوافدة من حيث وضعية العز أو الانكسار ، فالواقع الراهن يشهد بأن الأمة

الإسلامية رغم صحوتها الكبيرة ما برحت ترزح تحت نير أحوال التخلف

والانكسار ، وهو ما يجعل منها الجانب الأضعف في معادلة التوازن بين القوى

الحضارية على الساحة العالمية اليوم .

ومع إقرار أحد الباحثين في مجال القانون الدستوري والنظم السياسية بأن

مصطلح الديمقراطية طاغٍ على حياتنا المعاصرة ؛ غير أنه يرى أن حضور الأمة

الإسلامية اليوم قد تجاوز مرحلة غربة الإسلام وغلبة المفهومات الغربية بكل

ملابساتها ومضامينها وظلالها ، فلا بأس من الاستعانة بمصطلح الديمقراطية

وإدراجه في سياق الدعوة إلى الإسلام ولفه بأطر التصورات الإسلامية حيث العبرة

بالمعاني وليس بالمباني ، وبالمقاصد وليس بالصور والألفاظ [22] .

ولست أدري ما وزن هذا الحضور وما مقدار تجاوز الغربة الحضارية ، وهل

هما يؤهلان حقًا لاستعارة مصطلحات الآخر الغالب المهيمن بلا تحفظ ؟ ثم هل

يمكن القول بأن مصطلحات كهذه من قبيل عدم المشاحَّة في استعمالها ؟ !

إن القول بأن واقع الأمة أضحى في حال لا يُخشى عليه فيها من التأثير

بالغالب نظرًا لوضع العز وليس الانكسار والقوة وليس الضعف لكأنما يرتفع بهذا

الواقع إلى موقع الازدهار والنِّدِّية ، وليس التخلف والتبعية . وصحيح أن الأمة

تشهد تقدمًا نحو العز الحضاري بفعل الصحوة المباركة ، لكن ذلك لا يمنحنا

استنتاجًا منطقيًا وواقعيًا بأنها ارتقت إلى مواقع الندية أو ما يشبهها .

وإذا كان مفكر بحجم رجاء جارودي يقر صراحة في بعض الحوارات

الصحفية معه بأن فرنسا باتت اليوم تابعة صغيرة لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية

سيدة النظام العالمي الجديد ويعد حوارهما غير متكافئ فهو في نظره أشبه بحوار

السيد مع العبد ؛ فكيف يستقيم القول بأن الأمة الإسلامية تجاوزت حالة الغربة إلى

حالة العز والازدهار ؟

إن كلامًا كهذا فضلًا عن تجاوزه لمنطق الواقع السائد ، فإنه يورث قبولًا

ضمنيًا لا شعوريًا بمصطلح أجنبي في سياق فلسفي مغاير ، ويخل بأداة التواصل

الحضارية عبر اللغة .

رابعًا: إن مصطلح الديمقراطية ليس من الألفاظ المجملة غير العربية التي

يحددها السياق ، بل هو لفظ غير عربي ولا مجمل ، ولا يختلف استخدام المسلم له

عن غير المسلم من الناحية المنهجية والموضوعية ، اللهم إلا في نظر فئة من

الإسلاميين التي لا تولي جانب المنهجية والموضوعية من الاهتمام ما يستحق ،

وتعد هذا الاهتمام ضربًا من الهدر واللغو ، وإخال أن ذلك عندها يرجع إلى سببين

جوهريين:

أحدهما: حرصها على أن يظهر الإسلام براءً من الاستبداد والأحادية

والفردية ، مناصرًا لقضايا الحرية والعدالة والمساواة والتعددية والتقدم وهو ما ترمز

إليه الديمقراطية .

والآخر: ضعف التربية العلمية المنضبطة بصوارم المنهج ، وآفاق الواقع ،

وعمق الوعي ؛ مما أنتج خللًا في ضبط قاعدة المصطلحات المنهحية ، ويندرج في

إطار هؤلاء بعض حملة الشهادات العليا ؛ فرب حامل علم لا يلتزم بمقتضياته ،

نزولًا عند واقع طاغٍ بالإعجاب وربما الانهزام النفسي الخفي أمام بريق الغالب

المهيمن وطغيان نفوذه ..

والله من وراء القصد .

(*) أستاذ أصول التربية وفلسفتها المساعد ، جامعة صنعاء ، اليمن .

(1) محمد علي الصابوني ، صفوة التفاسير ، ج 1 ، ص 71 ، 1401هـ 1981 م ، الطبعة الأولى، بيروت ، دار القرآن الكريم .

(2) ابن قيم الجوزية ، تحفة المودود بأحكام المولود ، ص 89 105 ، 1403هـ 1983م ، الطبعة الثانية ، بيروت ، دار الكتاب العربي .

(3) حول موقف النخب من هذه المسألة راجع: حول أبعاد السوسيو أنثربولوجية للمسألة اللغوية وإشكال التنمية والحداثة ، مصطفى محسن ، المستقبل العربي العدد (214) ، ص 54 57 ، ديسمبر 1996م ، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية .

(4) صحيفة الخليج الإماراتية ، العدد (5502) ، ص 9 صادرة في 7/6/1994م « نقلًا عن: عمر عبيد حسنة ، من فقه التغيير: ملامح من المنهج النبوي ، 1415هـ 1995م ، الطبعة الأولى ، بيروت: المكتب الإسلامي .

(5) عثمان سعد ، من مقالة له بعنوان » المأزق الثقافي « .

(6) أدوبين رايشاور ، اليابانيون ، ص 240 (ترجمة: ليلى الجبالي) ، سلسلة عالم المعرفة ، 1409 1989م ، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب .

(7) المرجع السابق ، ص 245 ، 247 .

(8) صالح سميع ، أزمة الحرية السياسية في الوطن العربي ، ص 58 ، 1409هـ 1988م ، الطبعة الأولى ، القاهرة: الزهراء للإعلام العربي .

(9) حسن الترابي ، الشورى والديمقراطية: إشكالات المصطلح والمفهوم ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 75 ، ص 7 8 ، مايو 1985م ، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية .

(10) المرجع السابق ، ص 8 9 ، وانظر: محسن عبد الحميد ، المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري ، ص 113 115 (كتاب الأمة رقم: 6) ، 1404هـ ، الطبعة الأولى ، الدرحة: رئاسة المحاكم الشرعية .

(11) محسن عبد الحميد ، المرجع السابق ، ص 119 - 120 .

(12) المرجع السابق ، ص 119 .

(13) محسن عبد الحميد ، مرجع سابق ، ص 121 122 .

(14) أخرجه أبو داود ، ح/ 4291 .

(15) حول بعض تلك المفهومات راجع: صالح سميع ، مرجع سابق ، ص 37 49 .

(16) أحمد عطية الله ، (القاموس السياسي) ، ط 3 ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، ص 547 ، 548 .

(17) محمد رشيد رضا ، تفسير المنار ، ج 5 ، ص 181 ، 1414هـ 1993م ، د ط ، بيروت: دار المعرفة .

(18) سامي الدلال ، رؤية إسلامية لإشكاليات الديمقراطية ، مجلة البيان ، العدد (90) ، ص 34 45 ، صفر 1416هـ ، يوليو 1995 ، لندن ، المنتدى الإسلامي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت