فهرس الكتاب

الصفحة 1614 من 2255

إن الشرق من العالم بشتى دياناته يشكل ظاهرة عامة من الكراهية للغرب وحتى التجمعات اللادينية تراهن على هذا الخيار ، ومن المفضّل أن نحافظ على تذكر تجربة الغرب مع الاتحاد السوفيتي الذي لم يكن يشكل مفهومًا دينيًا .

والغرب يرى لنفسه حق كراهية الآخرين ، ووصفهم بالشر وصناعة مشاريع للصراع معهم لكنه يختار أن تبادل الشعور بينه وبينهم يعد جريمة من الضروري أن يصدق عليها كل العالم تحت قانون: ( إن لم تكن معي فأنت ضدي ) إن هذا القانون يفترض أن يؤمن به الغرب نفسه حين يُقدمه له العالم الإسلامي أو غيره من القوى الحضارية التي تفضِّل إلى حد الآن أن تتمتع بوجودها وسيادتها فقط، لكن الغرب في صراعه يتحرك تحت مفهوم تعطيل حركة الوجود لهذه القوى أيًا كانت آلية الوصول إلى هذا الهدف ودرجتها الأخلاقية ، ربما من المشكل في العقلية الغربية أنها عقلية ذاتية مطالِبة ، من الصعب أن تستوعب خيارات الآخرين ومطالبهم . وليس سرًا أن الغرب يكره القوى الحضارية المنافسة له ، وفي مقدمتها العالم الإسلامي الذي قد تكون خطواته أكثر سرعة في ممارسة تعويق الاستبداد الغربي . إننا لم نطالب الغرب يومًا ما ألا يكرهنا إذا كان يفضل ذلك ، ونفضل أن نتركه يمارس خياراته لكننا نطالب أن يكون هناك قدر من الأدب الأخلاقي .

إن الرؤية الإسلامية التي تقدم ذكرها في آيتين من القرآن الكريم تستوعب وجود الغرب والتعامل معه ضمن أنماط معتدلة تحافظ على الحقوق المتبادلة . لكن مشكلة الرؤية الغربية هنا أنها تمتد إلى دائرة من الصراع الذي كان في مرحلة ماضية في دائرة اللا إدراك لكنه بدأ الآن يمارس في دوائر السياسة والإعلام والثقافة الغربية ، هذا الصراع يجري بين: خيار الإسلام ، وخيار الحرية !!

إن الإسلام يستوعب التعامل مع الغرب ، لكن المشكل أن مفهوم الحرية في الغرب لا يستطيع أن يستوعب التعامل مع الإسلام ، لأن العلمانية تمارس سلطة يرسمها الأقوياء فقط في الغرب ، ويصعدون لها ويحاولون إقناع العقلية الفردية في الغرب بها ، تحت مواعدة قادمة في تصفية قوى الشر والإرهاب كما يردد الساسة وكثير من رجال الثقافة والفكر والإعلام هناك ، لكن من المهم أن نؤكد للغرب في شتى طبقاته ومستوياته أننا قد نبدو بسطاء لكن من الجيد أن يفهم الغرب أننا لسنا كذلك ، وأننا نتمتع بدرجة كافية من الذكاء ، وأنه قد يصنع للعالم الإسلامي من حيث لا يريد ما عجز عن الوصول إليه .

وإذا كان الغرب يعتقد أنه خرج من عصر الظلمات من قرون قريبة ، فإننا تجاوزنا عصر الظلمات منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا ، وأننا في الوقت نفسه نفضل خيار التعامل بالعدل ، والاتجاه للإصلاح البشري ، ومعالجة الفساد والشر بشرط أن يكون لدى الغرب استعداد للاستماع إلى الحل الإسلامي المعتدل الذي هو رسالة الخير التي نحبها لكل الناس في العالم ، ونبي الإسلام أرسل رحمة للعالمين . ويقول كما في الرواية الواردة عنه في كتب السنة الصحيحة ( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة ) أي ضمان يمكن أن تقدمه رسالة للآخرين أرقى من هذا المفهوم . ومن الأفضل هنا أن يراجع الغرب موقفه في أخلاقيات التعامل مع القضايا الإسلامية .

من وجهة نظرنا هذا هو الحل ويبدو أنه حل يتسم بالاعتدال والعقلانية ومن الأفضل أن نحترمه جميعًا ، وأن نتجاوز المزايدة على الإسلام والمجتمعات الإسلامية لصناعة الصراع لأن الغرب هنا بكل تأكيد يتصرف بغباء .

إن قراء الفلسفة الغربية يدركون أن ثمت مشكلة كامنة في العقلية الغربية وهي سيطرة عقلية الصراع ، وفرضها على الفرد الغربي للمشاركة والتفاعل معها ، لكن من المهم أن يدرك الغرب أن الصراع يقود إلى النهاية والحتمية وهذا بكل تأكيد لا يستطيع الغرب التعامل معه واستيعابه .

إننا نخاطب الفرد في المجتمع الغربي ليقرأ الأمور كما هي وأن يتخلص من سلطة قوى الصراع الأنانية المستهلِكة للمجتمع الغربي وأن يبحث عن الخير والأفضل . ورسالةُ الإسلام رسالة ذات امتياز متعالٍ في احترام الآخرين ، والمحافظة على حقوقهم وخياراتهم الصحيحة . وأنموذج من الواقع الإسلامي ليس بالضرورة يكون معبرًا عن هذه الرسالة ، لكن من المهم أن يكون واضحًا أن تفسير الإسلام حق للمسلمين وليس اقتراحًا يزايد عليه بعض رجال السياسة والفكر الذين يفضلون أن يُشاهدوا كمعتدلين ولو بشكل مؤقت !!

إننا نفضل من منطلق الموقع العلمي الإسلامي الذي ننطلق منه أن يكون لدى الفرد الغربي حرية صادقة يتمتع بها للبحث عن الأفضل ، وأن يقرأ المفهوم الصحيح للإسلام الذي سيشاهد فيه حقيقة حتمية تستدعي الاحترام والتقدير كتصرف ضروري للعقل المعتدل المتجرد من أزمة الصراع والسلطة .

إننا نقدر أن الفرد الغربي مؤهل لحقيقة أفضل ، وحرية أكثر إيجابية لصناعة الحياة بعيدًا عن الاختزال النفعي الذي ترسمه مجموعة القوى الساحقة لخيار الفرد هناك .

ومن المهم أن يدرك الفرد الغربي أن هذه الحقيقة الواعدة هي الرسالة الإسلامية التي تتحدث عن البناء الشمولي للحياة .

من الأفضل كثيرًا أن يتجاوز الفرد الغربي الخيال المتخلف الذي رسمه رجال الكنيسة في القرون الوسطي لحياتية الدين ، نعم لقد كان رجال الكنيسة إذ ذاك يجب تجاوزهم من أجل تحقيق الوجود والعيش بشكل صحيح ، لكن من الضروري أن لا يقبل الفرد الغربي تعدية هذا المفهوم الذي رسمه رجال الكنيسة إلى الدين الإسلامي ، لحقيقة بسيطة: أن الإسلام ليس كذلك بكل تأكيد !!

نحن هنا لا نتحدث عن حب الذات و الدفاع عنها على حساب العدل لأننا حين نكون كذلك نبدو غير مهيئين للاحترام و الفضيلة ، إن الغرب مفرط في حب الذات والحديث عنها على حساب العدل ، ويستخدم للدفاع عن موقفه كل الوسائل الممكنة دون المراجعة لأخلاقياتها .

إن بعض رجال الفكر في الغرب حين يتحدث عن ما يسميه: (الفاشية الإسلامية) فهو يعطي فرصة كافية لمشاهدة مجموعة من أشكال الفاشية الغربية التي بدأت مجموعة القوى المتسلطة في الغرب تمارسها ليس فقط مع العالم الإسلامي بل مع العالم كله ( إن لم تكن معي فأنت ضدي ) ربما يكون من حرية الآخرين التجاهل لمشكلة الغرب فلا يقدم موافقة ولا معارضة لأنه مشغول بأمر أكثر أهمية !! إن الغرب يراهن على أزمة الحضارة ، التي يصور الإسلامَ عدوًا يحاول إسقاطها .

هذه معادلة واهمة ، وتتسم بالتزييف للحقائق .

إن من أهم أسس الحضارة السماح للفرد فضلًا عن المجتمع بممارسة الخيارات الثقافية والاجتماعية ، لكن الدوائر المتسلطة في الغرب غير مستعدة أن تمنح المسلمين هذا الحق حتى في تفسير الإسلام ، فهي تريد أن تملي صياغة خاصة في مفهوم الإسلام ،من أهم أسسه المحافظة على سيادة الغرب ، وتسخير العالم الإسلامي حتى على مستوى العواطف والولاء له . هذه سطحية في قراءة الغرب لمشكلته وأزمته ونمط علاجها ، ومن المهم أن يُدرك أنه يفكر ويتصرف بغباء ، ويتحرك إلى مصير مجهول .

إننا نتطلع من وحي رسالة الإسلام أن نساعد الغرب في قراءة مشكلته والبحث معه عن الحل الذي يتسم بالعدل والعقلانية ، لكن نبدو غير متشائمين حين يختار الغرب الخيار الثاني الذي لسنا مستعدين لصناعته ،كما يمارس الغرب في صناعة الأزمة داخل المجتمعات الإسلامية ، لكن هذه المجتمعات حين تضطر إلى هذا الخيار ستكون - حسب تأثير مجموعة من المعطيات - مستعدة للتعامل معه ربما بكفاءة أو تعقيد يفاجئ الغرب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت