وعندما تنقلب أوضاع القيم في عصور الانحطاط، بحيث تبدو صغائر الأمور ذات خطر كبير (إذا ما حدث هذا الانقلاب) انهار البناء الاجتماعي؛ إذ هو لا يقوى على البقاء بمقومات الفن والعلم والعقل فحسب؛ لأن الروح ـ والروح وحدها ـ هي التي تتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت؛ لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير جاذبية الأرض) (4) .
وما الذي يحدث عندما تضعف العقيدة في نفوس أصحابها: (وهو درس للمسلم في كل زمان ومكان) عندما يبلغ مجتمع هذه المرحلة، أي عندما تكف الرياح التي منحته الدفعة الأولى عن تحريكه (وقد عبر عنها مالك بن نبي بالدفعة القرآنية الحية) تكون نهاية دورة وهجرة حضارة إلى بقعة أخرى، تبدأ فيها دورة جديدة، طبقًا لترتيب عضوي تاريخي جديد (5) .
ولكن ما هي قيمة العقل في غياب الدوافع العقدية والإيمانية؟ (في البقعة المهجورة يفقد العلم كل معناه، فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل؛ إذ يفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة وقوة الإيمان(6) .
إن (مالك بن نبي) هنا لا يفصل النتاج العقلي عن مناخه الثقافي الذي ينمو فيه، والفرق واضح بين ثقافة تتفاعل مع وسط تتحدد ذاتيته الحضارية وفق قيمه الإيمانية والعقدية، وبين ثقافة منفصلة عن أرض الواقع؛ لأنه أصبح واقعًا بدون هوية؛ لأنه فقد مقومات جذوره العقدية والإيمانية: فالعقل يختفي؛ لأن آثاره تتبدد في وسط لا يستطيع أن يفهمها أو يستخدمها، ومن هذا الوجه يبدو أن أفكار (ابن خلدون) قد جاءت إما مبكرة أو متأخرة عن أوانها: فلم تستطع أن تنطبع في العبقرية الإسلامية التي فقدت مرونتها الخاصة، ومقدرتها على التقدم والتجدد، حتى إذا وهنت الدفعة القرآنية توقف العالم الإسلامي كما يتوقف المحرك عندما يستنفد آخر قطرة من الوقود، وما كان لأي معوض زمني أن يقوم خلال التاريخ مقام المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية، ألا وهو (الإيمان) ولذا لم تستطع النهضة الحديثة أن تمنح العالم الإسلامي (حركة) لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها (7) .
وبفقدان الإيمان ينهار البناء الاجتماعي من الداخل؛ لأنه لا يملك مقومات تماسكه: لقد بلغت عوامل التعارض الداخلية قمتها، وانتهت إلى وعدها المحتوم، وهو تمزق عالم واهن، وظهور مجتمع جديد ذي معالم وخصائص واتجاهات جديدة، فكانت تلك مرحلة الانحطاط (8) .
وبما أن الدين هو مركب القيم الاجتماعية، فإنه يقوم بهذا الدور في حالته الناشئة، حالة انتشاره وحركته، عندما يعبر عن فكرة جماعية، أما حين يصبح الإيمان إيمانًا جذبيًا دون إشعاع (أي نزعة فردية) فإن رسالته التاريخية تنتهي على الأرض؛ إذ يصبح عاجزًا عن دفع الحضارة وتحريكها، إنه يصبح إيمان رهبان يقطعون صلاتهم بالحياة، ويتخلون عن واجباتهم ومسؤولياتهم (9) .
إن حركة الإنسان داخل الحضارة يجب أن تتم من خلال محور قيمي تحدده ذاتية عقدية وفكرية، تصبح غاية الإنسان ومنطلقه نحو الفعل الحضاري؛ فالتاريخ يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائمًا بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته الأساسية، والذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة، كممثل وشاهد: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدََاءََ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ) [البقرة: 143] ، وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل الذي لم يعد يقدم لوجوده أساسًا روحيًا أو أساسًا ماديًا (10) .
إن تمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، يعد من أوضح صور السقوط الحضاري؛ إذ إن أول عمل يؤديه مجتمع معين في طريق تغيير نفسه مشروط باكتمال هذه الشبكة من العلاقات، وعلى هذا نستطيع أن نقرر أن شبكة العلاقات هي الدور التاريخي الأول الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاده، ومن أجل ذلك كان أول عمل قام به المجتمع الإسلامي هو الميثاق الذي يربط بين الأنصار والمهاجرين (11) .
وعندما تتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، يذكرنا مالك بن نبي بحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي يجب أن نتدبره ـ للتربية ـ لا لمجرد الخبر: (يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أوَ من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله عن صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت) (12) .
لقد كان هذا الحديث ضربًا من التنبؤ والاستحضار، استحضار صورة العالم الإسلامي بعد أن تتمزق فيه شبكة علاقاته الاجتماعية، أي عندما لا يعود مجتمعًا، بل مجرد تجمعات لا هدف لها، كغثاء السيل، ولا ريب أن جيلنا الحاضر يدرك هذا الحديث؛ لأنه يصف في مضمونه العالم المستعمر والقابل للاستعمار (13) .
عوامل تجدد الحضارة:
ولكن كيف يستعيد الكيان الحضاري ذاته؟ وكيف يتغلب الإنسان على عوامل السقوط ويتجاوزها إلى البناء والإنجاز؟ يقدم لنا مالك بن نبي في هذا الجانب صورة تدعو إلى الأمل والتفاؤل فيقول: إن العواصف الجوية والأعاصير تجر معها غالبًا سيولًا هائلة من الماء، سيولًا تترك وراءها في البلد الذي تجتاحه، الخراب والموت، ولكنها تترك أيضًا على وجه الأديم طمْيًا تتجدد به الحياة في هذا البلد، فتنشط وتنمو فيه الطبيعة الجديدة بأنواع النبات والحيوان المتجدد، فكذلك شأن الأحداث الكبرى في التاريخ، إنها تجر وراءها الموت والخراب، وتخلف طميًا مخصبًا.. طميًا من دماء الشهداء والأبطال، ولكنها تخلف أيضًا طميًا من نوع آخر تخلفه في العقول، حيث تترك بذورًا تنبعث منها الأفكار التي تغير مجرى التاريخ ووجه العالم (14) .
لذلك فإن على الإنسان المسلم أن يطرح بعث الحضارة، بمنطق البقاء حتى يستطيع أن يتقدم إلى الأمام، وحتى يستطيع أن يرفع مستواه إلى مستوى الحضارة، ويجب على المسلم الذي يضطلع برسالته أيضًا أن يفكر في إعجازه ـ أي في إسلامه ـ وإعجازه لا يتأتى إلا بتحقيق شرط جوهري، وهو تغيير ما بنفسه وتغيير ما في محيطه مصداقًا للآية الكريمة: (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد: 11] . ولا يمكن أن يغير شيئًا في الخارج إن لم يغير شيئًا في نفسه، وحينما نقول هذه الكلمة نقولها باعتبارها علمًا، ولا نقولها لمجرد التبرك بالآية فحسب، وإنما نقولها علمًا ونعلم مقدارها من الصحة، حيث لا يستطيع المسلم أن يغير ما حوله إن لم يغير أولًا ما بنفسه، فهذه حقيقة علمية، يجب أن نتصورها كقانون إنساني وضعه الله ـ عز وجل ـ في القرآن كسنة من سنن الله التي تسير عليها حياة البشر، وإذن لكي يتحقق التغيير في محيطنا، يجب أن يتحقق أولًا في أنفسنا، وإلا فإن المسلم لن يستطيع إنقاذ نفسه ولا إنقاذ الآخرين (15) .