فهرس الكتاب

الصفحة 1938 من 2255

ومن خلال التغيير الداخلي للإنسان تتحدد مسؤوليته تجاه التاريخ والأحداث، وهذه القيمة التغييرية: (بدلًا من أن تلقي على أكتافنا ثقل الأحداث تجعلنا نحدد إزاءها مسؤوليتنا، فبقدر ما ندرك أسبابها ونقيسها بالمقياس الصحيح، نرى فيها منبهات لإرادتنا وموجهات لنشاطنا، وبقدر ما نكتشف من أسرارها، نسيطر عليها بدلًا من أن تسيطر علينا، فنوجهها نحن ولا توجهنا هي؛ لأننا حينئذ نعلم أن الأسباب التاريخية، تصدر عن سلوكنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء، أعني(من إرادتنا في تغيير الأشياء تغييرًا يحدد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية) كما رسمها القرآن في قوله ـ تعالى ـ: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تًَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ) ) [آل عمران: 110] (16) .

وعندما يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ: (( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) ) [آل عمران: 140] ، فإنها ترد من هذا الإطار القرآني تعقيبًا على تجربة المسلمين التاريخية في أحد: (( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ(137) هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ )) [آل عمران: 137-141] .

إن القرآن يطرح في هذا المقطع التاريخي ذي المغزى العميق، والذي ترد فيه كلمات ذات علاقة وثيقة بالمسألة: سنن، مداولة، تمحيص.. قاعدة أساس في موقفه إزاء الدول والتجارب البشرية والحضارات، إنه يقرر منذ البدء عدم ديمومة أي من هذه المعطيات، ولا يستثني الإسلام والمسلمين (( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) )، وقد قال: بين الناس، بمعنى عموم هذه (السنة) التي لا محيص عنها، والتي تقوم بلا ريب على أسبابها ومقدماتها في صميم الفعل الإنساني نفسه؛ حيث توصي هذه المداولة بالحركة الدائمة وبالتجدد وبالأمل البشري الذي يرفض السكون، ويرغب في الانطلاق نحو الفعل الحضاري الإيجابي الذي يمكنه من استعادة ذاتيته الحضارية (17) .

ومع أن الإسلام يعترف بسقوط الدول والحضارات، عندما تتكاتف الأمراض الحضارية في شكل ظاهرة يطلق عليها القرآن: (الاستبدال) و (الاستخلاف) ، (( وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) ) [محمد: 38] ، ويقول ـ تعالى ـ: (( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) ) [يونس: 14] ، إلا أن الإسلام لم يجعل ذلك حتمية لا يمكن أن تفلت منها أية جماعة أو أمة استطاعت أن تستعيد إرادتها وتصحح مسارها الفكري والنفسي، في ضوء الوعي الحضاري بهاتين الآيتين المتقابلتين المتكاملتين إيجابًا وسلبًا: (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الأنفال: 53] .

بل إن القرآن والسنة ليحملان لنا وعدًا صريحًا بأن هذه المحاولات التغييرية في اتجاه الحق ـ مستمرة إلى يوم القيامة ـ وهذا ما نفهمه من قوله ـ تعالى ـ: (( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ(8) هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ )) [الصف: 8، 9] ، وهو أيضًا ما يدل عليه الحديث الشريف: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة) (18) .

إن التناول الإسلامي لسقوط الدول والحضارات، يؤكد على أن أية أمة، مؤمنة كانت أم غير مؤمنة، إنما تحمل مسؤوليتها كاملة إزاء نفسها، أمام الله وأمام التاريخ، ولن تحمل تبعة أمة أخرى إلا بالقدر الذي تفرضه عليها مسؤولية الإنسان عن أفعاله فحسب: (( وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى ) ) [النجم: 39] ، فكذلك الحال على مستوى الأمم والجماعات: (( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [البقرة: 134] .

وهذه المسؤولية (المستقلة) إزاء الذات الجماعية تجيء تأكيدًا للارتباط العادل الوثيق بين التجربة الحضارية وبين مصيرها الذي تؤول إليه تقدمًا وتطورًا أو تأخرًا وانحلالًا (19) .

وبهذه المسؤولية ـ الفردية الجماعية ـ تجاه الفعل الحضاري، ينطلق هذا الفعل في مجابهة كافة التحديات على مختلف الأصعدة، حيث أصبح الإنسان ـ فردًا وجماعة ـ السند المحسوس للنشاط الحضاري، يمارس فعاليته المسؤولة دونما سكون أو سلبية، وبذلك تستمر دورة حضارته وتستعيد كيانها ودورها في إعلاء كلمة الحق: (( هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ) [الفتح: 28] .

إن من يؤمن بمرحلية الحدث التاريخي، قد تستعصي عليه فكرة تطويع التاريخ لمبدأ التغيير، وعلينا أن نحاول تخليص مفهوم التغيير الحضاري من قيود السببية المقيدة، كما تربطه بها النظرة الشائعة عند المؤرخين، الذين يرون أن الأشياء في التاريخ تسير طبقًا لسببية مرحلية، والأشياء تسير فعلًا كذلك، إن تركت لشأنها ـ ولكن التغيير ـ أي التاريخ ـ يخضع أيضًا لقانون النفوس، وتصفية هذه المناقضة لا يكون إلا بأن تتخذ الآية الكريمة: (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد: 11] ، محورًا لمجابهة السقوط الحضاري، وبذلك تتغير وجهة النظر في سير التاريخ؛ إذ إن المراحل التي تتقبل التغير أو لا تتقبله حسب طبيعتها، تصبح مراحل قابلة كلها للتغيير؛ لأن الحتمية المرتبطة بها أصبحت اختيارًا يتقرر في أعماق النفوس (20) .

وبذلك تتحدد دورية الحضارة، بأن الإنسان هو محور الفعالية في حركتها؛ بما يملك من قيم عقدية وأخلاقية، تمكنان دومًا من الإنجاز الحضاري وتماسكه.

إن فكرنا الإسلامي المعاصر قد قدم العديد من الاجتهادات حول مشكلات المسلم في مواجهة التحديات المعاصرة التي تسعى إلى تدميره من الداخل، وبذلك يسهل الاختراق لصالح قوى الاستكبار والتغريب والتآمر، فهل نستطيع من خلال سنن التغيير الذاتي أن نعاود الانطلاق؟ وصدق الحق ـ سبحانه ـ: (( إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) ) (غافر)

(1) انظر في تفصيل ذلك: التفسير الإسلامي للتاريخ: للدكتور عماد الدين خليل: فيما يتعلق بمسألة سقوط الحضارات، ص 250 وما بعدها، بيروت، دار العلم للملايين، ط2، 1978م.

(2) انظر مقدمة ابن خلدون: فصل أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع.

(3) مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص 24، ترجمة: د. عبد الصبور شاهين، دمشق، دار الفكر، 1981م.

(4) المرجع السابق، ص 27.

(5) المرجع السابق، ص 27.

(6،7) المرجع السابق، ص 28.

(8،9) المرجع السابق، ص 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت