فهرس الكتاب

الصفحة 1930 من 2255

إن الحديث عن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب، يعتبر من أكثر المواضيع التي احتلت حيزًا واسعًا في أدبيات الفكر الإسلامي الحديث، وذلك بسبب أن تلك العلاقة قد أخذت بعدًا جديدًا منذ أن استيقظت بلاد المسلمين على صيحات جنود نابليون الذين عادوا إلى الشرق عام 1798م، بعد انقضاء فترة ليست طويلة حضاريًا على نهاية الحملات الصليبية.

وقد أخذت العلاقة بعد تلك الحملة تتعقد كثيرًا ؛ لأن أهداف الحملة وما جاء بعدها حتى انتهت بالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين قد تغيرت كثيرًا عن أهداف الحملات الصليبية التي كانت تهدف إلى «استعادة الأراضي المقدسة» من المسلمين، لكن أهداف حملة نابليون، ثم الاستعمار من بعده نقل الصراع من صراع عسكري إلى صراع فكري ثقافي عسكري اقتصادي..، ولم تكتف تلك الحملات بالسيطرة المطلقة على مقدرات الشعوب الإسلامية، بل اهتمت بزعزعة عقائد المسلمين، وتبديل أخلاقهم وربط مصيرهم بالفكر الغربي، الذي بدأ يقوده في تلك الفترة مجموعة من المستغربين أمثال: رفاعة رافع الطهطاوي، ثم سلامة موسى، وطه حسين، ولطفي السيد، وأدباء المهجر، وغيرهم ؛ لهذا فإن هناك تفسيران لتأثير حملة نابليون على «الشرق الإسلامي» .

الأول: أن هذه الحملة هي بداية ما سمي التنوير، والعلم، والثقافة واللحاق بركب التقدم والحضارة، وهذا هو التفسير العلماني للعلاقة الحضارية بين العالم الإسلامي والغربي.

الثاني: هو أنها بداية حركة التغريب، والاستلاب الحضاري، وضياع هوية الأمة، وهذا هو التفسير الإسلامي لتلك الحملة.

ونتيجة لهذين التفسيرين انتقل الصراع الحضاري جزئيًا إلى داخل العالم الإسلامي، بين ممثلين عن الغرب يتحدثون من منطلقاته وأهدافه، وبين المؤمنين بالتميز الحضاري والعودة إلى جذور الأمة وأصولها لبناء الأسس العقائدية والأخلاقية والفكرية، ثم الانطلاق للتنافس عالميًا مع حضارات سادت قيمها ومنظومتها الحضارية، حتى كادت أن تزيل الحضارات الأخرى من الوجود.

وبعد صراعات عديدة في الداخل والخارج، أخذت أشكالًا متعددة سقطت الأيديلوجية الشيوعية، وظن الكثيرون أن آخر القلاع التي تقف في مواجهة الحضارة الغربية بكل قيمها وأنظمتها قد سقطت، وتوقعوا أن القيم الغربية لن تجد عوائق جديدة تحول دون انتشارها ودون تداعي الشعوب والأمم عليها، فبعيد الأحداث «الدرامية» التي كانت تسجل سقوط الشيوعية ظهرت كتابات وطروحات عديدة مثل «طروحات فوكاياما» ، تؤكد على أن الحضارة الغربية سوف تكتسح العالم لتسجل في زعمه «نهاية التاريخ» .

ولكن هذا التفاؤل، وهذه الأفكار اتضحت سذاجتها بعد مرور وقت قصير، حين تبين أن هناك عوائق وعوامل أكثر تجذرًا وثباتًا من الأفكار الأيديلوجية أو الصراعات الاقتصادية والسياسية، بل لقد اتضح أن نهاية الحرب الباردة قد أبرزت هذه العوامل وساعدتها على التجذر والرسوخ، بعد أن سقط وهم القوتين العظميين، ووهم الجبهة الشرقية والجبهة الغربية، ووهم عدم الانحياز، وهذه العوامل أو العوائق التي نشير إليها، هي خصائص الحضارات، ومقوماتها الداخلية، ومن أهمها: الدين، واللغة، والتاريخ وهذا يجعل من الصعوبة القضاء عليها، بل إنها تقوى عندما تشعر الشعوب أن حضارتها التي تنتسب إليها تتعرض لخطر خارجي كبير.

إذن: تهاوت فكرة (فوكاياما نهاية التاريخ) ، وبرزت فكرة (صامويل هنجتون تصادم الحضارات) ، التي تقول: إن الصراع في المستقبل، سيكون بين الحضارات الرئيسة في العالم المعاصر، و «صامويل هنجتون» هو أستاذ علم الحكومة ومدير معهد (أولين) للدراسات الاستراتيجية بجامعة «هارفرد» في الولايات المتحدة، وقد نشرت أفكاره حول (تصادم الحضارات) في العديد من الصحف والمجلات الغربية، وكان مقاله الرئيس قد نشر في مجلة «الشؤون» المتخصصة في الشؤون السياسية والدراسات الاستراتيجية في عددها (صيف 1993) ، وهذا المقال الذي سيكون (بإذن الله) مجال قراءتنا هذه، هو نتاج لدراسة خاصة بالمعهد الذي يديره (هنجتون) حول «الظروف الأمنية المتغيرة والمصالح القومية الأمريكية» .

أهمية الدراسة:

هناك بعض العوامل التي تعطي هذه الدراسة أهمية كبيرة في مجال العلاقات الدولية ومستقبل العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومنها:

1-يعتبر كاتب المقال (أو الدراسة بتعبير أصح) ذو مكانة علمية مرموقة في الدراسات الاستراتيجية ؛ إذ أنه يرأس معهدًا مهمًا وفي جامعة مشهورة عالميًا، فهو إذن ليس صحفيًا يهتم برصد الأخبار اليومية والمناسبات الإعلامية، كما أن الدراسة في جوهرها نتاج مشروع عن التغيرات الأمنية ومصالح الولايات المتحدة، ومعظم هذه الدراسات تدعمها الحكومة الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية، وهدفها تقديم مقترحات وتصورات حول القضايا الشائكة للحكومة الأمريكية، يتم تنفيذها كسياسة مستقبلية للولايات المتحدة، ولعل من أهم ما جاء في هذه الدراسة، التوصيات التي ذكرها الباحث في نهاية بحثه لأصحاب القرار في السياسة الغربية والتي سنشير إليها في مكان آخر من هذا المقال.

2-إن الحديث عن الصراع بين الحضارات ليس جديدًا في أدبيات الأمم وخاصة الأمة الإسلامية، فكثيرًا ما طرق هذا الموضوع بعض المفكرين الإسلاميين أمثال سيد قطب رحمه الله ومحمد قطب، وأبو الأعلى المودودي، ومالك بن نبي، وأبو الحسن الندوي وغيرهم من المفكرين الذين كتبوا عن الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، كما أن كثيرًا من المفكرين الغربيين كتبوا حول هذا الموضوع مثل أرنولدتوينبي، وول ديورانت وغيرهم كثيرون، وقد أشار الكاتب نفسه إلى هذه الحقيقة عندما قال: «وعند كلا الجانبين: فإن التفاعل بين الإسلام والغرب يُرى على أنه صدام بين الحضارات» ، إذن الفكرة ليست جديدة، ولكن الذي يعطيها أهمية خاصة هو التوقيت الزمني لطرحها بهذا التفصيل والزخم الإعلامي الذي روج لها.

إن الفترة التي أعقبت سقوط الشيوعية شهدت أحداثًا عالمية مهمة مثل (حرب الخليج الحرب في البوسنة والهرسك الحروب التي نشبت داخل جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق التكتلات الاقتصادية الجديدة) ، وهذه الأحداث أكدت أن أسباب الخلافات هي أكثر عمقًا من المصالح السياسية أو الاقتصادية التي كان يُعتقد أنها السبب في نشر تلك الأحداث، كما أكدت للمفكرين الساسيين الغربيين أن إقامة (النظام العالمي الجديد) على القيم والمبادئ الغربية، سوف يقابل برفض كبير من الشعوب الأخرى التي تعتز وتحافظ على مقومات حضارتها الخاصة، وهذا قد سبب صدمة لدى هؤلاء المفكرين، جعلهم يعيدون طرح مسألة (تصادم الحضارات) كحقيقة سوف تبرز كثيرًا في المستقبل القريب.

3-إنه لأول مرة في ما أظن يقوم مفكر سياسي غربي بتوضيح جملة من الحقائق بوضوح تام وبعبارات سهلة، والتي طالما غُيبت في دهاليز العبارات السياسية الفضفاضة والمقالات الأيديلوجية الموجهة لخدمة مصالح الطبقات ذات النفوذ في السياسة الغربية، ومن هذه الحقائق التي وردت في دراسة (هنجتون) ما يلي:

أ - إن الدين هو أهم العوامل التي تميز بين الحضارات، وهو العامل الأهم في صراعات المستقبل.

ب - إن القرارات التي تصدر عن مجلس الأمن وعن صندوق النقد الدولي، إنما تعكس مصالح الغرب، وهي تخرج إلى العالم على أساس أنها تعبر عن رغبات «المجتمع الدولي» ، كما أن مصطلح «المجتمع الدولي» هوالوجه الآخر لمصطلح «العالم الحر» ويستخدم لإعطاء الشرعية العالمية للقرارات التي تعكس رغبات ومصالح الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت