وأخيرًا الباكستان و أفغانستان ؛ ومع ذلك يستميت بعضٌ عندنا وحتى من الرموز
الدينية في إنكار حدوث هذا الصراع ، والدعوة إلى التقارب والتعاون مع الغير من
المهاجمين ؛ فلماذا ؟
إن الإنكار الملحَّ لوقوع صراع بين الثقافات والحضارات حتى مع وقوعه
الفعلي أمام أعين الجميع يعبر عن اتجاهات متعددة يراد لها أن تلوِّن فكر المسلمين
كما قلت .
أولها: أن الإسلام دين أشبه بما يدعى البوذية وبعض العقائد والمذاهب
الروحانية الخاملة التي لا تتخذ مواقف في الحياة ، ولا تدافع عن أنفسها( رغم أن
البوذية ليست بذلك المذهب )، وفي إطار هذا التصور يكون مقبولًا أن تكون
للنصرانية جيوش تحارب في الصرب أو أثيوبيا أو في روسيا ، ويكون مقبولًا أن
تكون لليهودية قنابل ذرية ، ولا يكون مقبولًا أن تكون للإسلام قوة تدافع عنه وإلا
اعتبر ذلك دعوة للصراع والحرب ، وانتهاكًا لقيمة التعاون بين الحضارات التي
يجب أن تعلو على كل شيء آخر !
وثانيها: أن الإسلام يجب ألاَّ يدعي لنفسه هوية مميزة في العقيدة والشريعة
والتعاليم والأخلاق تفصله عن غيره بحكم أنها الحق الذي يعلو على باطل الآخرين
فهذا المذهب أيضًا هو خروج عن قيمة المحبة بين الحضارات ، ودعوة إلى
الصراع والحرب الذي ما جاء الإسلام إلا ليستبعده . ويكون من المقبول هنا أن
يدافع الغربي عن حضارته وثقافته ويروِّج لها ، بل ويفرضها بشتى وسائل الإعلام
والدعاية والقهر السياسي منه والثقافي ، بل ويكون مقبولًا للهندوكي أن يفعل الشيء
نفسه ، ولا يكون مقبولًا من المسلم أن يتمسك بثقافة متميزة ( ولا أقول: بدين )
وإلا عُدَّ ذلك تحريضًا على صراع الحضارات والثقافات .
وثالثها: أن منكري صراع الثقافات الماثل أمام أعينهم هم من ذوي النزعة
العلمانية المادية ( حتى إن كانوا من أرباب المناصب الرسمية الدينية ) التي تقبل
بأن يكون هناك صراع بين الدول والشعوب على أسس من الاقتصاد والأطماع
المادية أو حتى على أسس معنوية كالقومية ؛ لكنها لا تتصور أن يكون الدين على
قدر من الأهمية يسمح له بأن يكون محور بناء وهوية للدول فضلًا عن أن يكون
محور صراع . وقد يتحدثون في النصرانية واليهودية عن حروب( ومنها حرب
نهاية العالم المشهورة فيما يسمى الفكر الديني الأصولي في الغرب )وصراعات
تنشأ بسبب الدين والثقافة . أما عند أصحاب النزعة العلمانية فحرام أو غير متصور
أن تنشب صراعات حضارية أو ثقافية حتى وهي تدور أمامهم لكنهم لا يرونها ، أو
لعلهم يرونها لكنهم يريدون للمسلمين أن يقفوا إزاءها صامتين حتى ينهزموا وهم
يسبحون بالتقارب مع ثقافات قاتليهم !
(*) أستاذ الأدب الإنجليزي ، جامعة القاهرة .
العولمة وصراع الحضارات
أ.د. جعفر شيخ إدريس
مجلة البيان
(الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدِّمت صوامع وبِيَع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إنّ الله لقوي عزيز) [سورة الحج: 40] .
فالصراع سنة ماضية، والصراع بين الحضارات إنما هو في جوهره صراع بين معتقدات، لا بين طبقات ولا عرقيات. فأصحاب الطبقة الواحدة، والمنتمون إلى قومية واحدة بل قبيلة واحدة قد يقتل بعضهم بعضًا إذا اختلفت معتقداتهم. على هذا تدل الآية الكريمة التي تشير إلى اعتداء أناس من قبيلة هي أشرف قبائل العرب على أناس آخرين من هذه القبيلة نفسها؛ لأنهم خالفوهم في معتقدهم. وهذا هو الذي توصل إليه دارسو الحضارات من الغربيين؛ فإنهم يكادون أن يكونوا مجمعين على أن الحضارة وإن تكونت من عناصر كثيرة إلا أن أهم عنصر فيها هو العنصر الثقافي، وأن أهم عنصر في الثقافة هو الدين. ويلاحظون أن كبرى الحضارات كانت إلى حد كبير مرتكزة على أديان. فما الحضارة؟ وما الثقافة؟ وما العولمة؟ وما علاقة الصراع بين الحضارات بها؟
الحضارة والثقافة والعولمة:
كلمات الحضارة والمدنية والثقافة والعولمة وإن كانت عربية إلا أنها جعلت في استعمالنا الحديث رموزًا تدل على المعاني والمفهومات نفسها التي تدل عليها الكلمات الغربية التي جعلناها ترجمة لها. فلننظر في تلك المعاني والمفهومات كما هي عند أهلها. وأنسب ما نبدأ به هو الأمريكي هنتنجتون أول من أشاع تعبير صراع الحضارات في مقال مشهور نشر في صيف عام 1993م في مجلة Fo صلى الله عليه وسلم eign Affai صلى الله عليه وسلم s بهذا العنوان، ثم نُشر موسعًا في كتاب بالعنوان نفسه. ينقل هنتنجتون عن عدد كبير من العلماء الغربيين تعريفهم لما أطلقنا عليه كلمة المدنية أو الحضارة،civilization ، والفرق بينها وبين ما نسميه ثقافة cultu صلى الله عليه وسلم e؛ فما الحضارة أو المدنية وما الثقافة؟ يمكن أن نلخِّص مجمل أقوال من نقل عنهم هنتنجتون في مفهوم الحضارة والثقافة فيما يلي:
يضع المفكرون الألمان حدًا فاصلًا بين الحضارة والثقافة، فالحضارة عندهم تشمل التقنية وسائر العوامل المادية، أما الثقافة فتشمل قيم المجتمع ومُثُله العليا وخاصياته الفكرية والفنية والخلقية الكبرى. لكن سائر المفكرين الغربيين خالفوا الألمان في هذا؛ فهم يرون أن الحضارة والثقافة كليهما تشيران إلى منهاج حياة أمة من الناس، وأن الحضارة إنما هي الثقافة مكبرة، وأن كليهما يشمل القيم والمعايير والمؤسسات وطرائق التفكير السائدة في أمة من الناس، وأن الدين هو أهم العناصر المكونة للحضارة، وأن الحضارة ليست متطابقة مع العِرْق؛ فأصحاب العرق الواحد قد ينتمون إلى حضارات مختلفة، كما أن الحضارة الواحدة ـ كالحضارة الإسلامية ـ قد تضم مجتمعات مختلفة الأعراق والألوان والأشكال. والحضارة هي أوسع وحدة ثقافية؛ فأهل قريةٍ إيطاليّةٍ مثلًا قد يتميزون ثقافيًا عن قرية إيطالية أخرى، لكنهم يشتركون في ثقافةٍ إيطاليةٍ تميزهم عن أهل القرى الألمانية. والألمان والإيطاليون ينتمون إلى ثقافة أوروبية تميزهم عن الجماعات الصينية والهندية. هذا الذي يجمع الأوروبيين هو حضارتهم التي تميزهم عن الحضارات الصينية والهندية. فالحضارة هي أعلى تجمُّع ثقافي للناس، وأوسع مستوى للهوية الثقافية لهم. وليس فوق الانتماء الحضاري للناس إلا انتماؤهم إلى الجنس البشري. [Samuel P. Hintington, The Clash of Civilizations, Simon & Schuste صلى الله عليه وسلم , 1997, pp. 41- 43]
أما العولمة فيمكن أن نقول إنها في أساسها: (تصيير المحلي عالميًا) ؛ فهي وصف لعمل مستمر تدل عليه كلمة Globalization لكنها في الوقت نفسه وصف لبعض نتائج هذا التعولم. النتيجة النهائية المثالية للتعولم أن تكون للعالم كله لغة أو لغات مشتركة، وأن تكون التجارة فيه مفتوحة ومتيسرة بين كل بلدان العالم، وأن يسود فيه نظام اقتصادي واحد، ونظام سياسي واحد، وأن تسود فيه عقيدة واحدة، وأن تكون للناس فيه قيم مشتركة في مسائل كحقوق الإنسان والعلاقة بين الجنسين، وأن يكون هنالك أدب عالمي يتذوقه الناس كلهم، وأن يسود فيه تبعًا لذلك نظام تعليمي واحد، وهكذا. وأن تكون كل هذه الأمور التي تعولمت مناسبة للناس من حيث كونهم بشرًا، ومساعدة لهم على تحقيق طموحاتهم المادية والروحية، أي تكون للعالم حضارة عالمية واحدة. هذا هو الهدف النهائي المثالي، لكن العولمة قد تكون ناقصة، وقد تكون تامة من غير أن تكون مناسبة للبشر، بل مفروضة عليهم لظروف طارئة.
المهتمون بقضية العولمة متفقون تقريبًا على أنه وإن كانت الكلمة جديدة إلا أن ما تصفه ليس بجديد، بل يرى بعضهم أن السير نحو هذه العالمية بدأ منذ مئات السنين.